يستنتج بعض المفسرين من حصر الإثم على المبدل في قوله تعالى: (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) بأنّ ذمّة الميت تبرأ بالوصية ولا يحمل أي إثم بعد توصيته[1]، أما الرازي فقد نسب تصوّر إثم الميت الموصي إلى بعض الجهال[2].
ومما يؤيد في الظاهر القول ببراءة ذمة الميت الموصي بالإيصاء وإن لم يعمل بالوصية، رسالة من الإمام محمد الجواد عليه السلام إلى ولديه جعفر وموسى، والتي ذكر في بعضها ما يتعلق بالوصية حيث قال عليه السلام: «...واحذرا ألا تكونـا بدلتا وصيتهما ولا غير تماما عن حالها لأنهما قد خرجا من ذلك وصار ذلك في رقابكها، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه في الوصية: (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[3])، لكن يجب الانتباه إلى أنه لا علاقة لهذه الرواية بموضوع أداء الدين المستحق أو بمسألة الحقوق، ثم لا يمكننا الاستنتاج من الآية التي استشهد بها الإمام الجواد عليه السلام بأنه إذا قام أحدهم متعمداً بعدم أداء الحقوق الواجبة أمكنه كتابة الوصية وتبرئة ذمتـه مـن تلك الحقوق !
وأما منشأ استنباط الشيخ الطوسي وأمين الإسلام والآخرين ـ كما أشرنا - هو الحصر المستفاد من الآية في قوله تعالى: (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ...)، في حين أولاً: إن الآية لا يفهم منها ما فهمه أولئك. وثانياً: فإن محـور مـوضـوعـهـا هـي الوصية الاستحبابية، أي الوصية للوالدين والأقربين، وحتى لو افترضنا أن الآبة تشمل مطلق الوصيّة، فإنّه لا يمكن الاستنباط من الآية التي سبقتها بأن إثم التبديل يقع على عاتق المُبَدِّل، وكذلك الرواية المذكورة فإنّ محور موضوعها هو الوصية التمليكية، أي إذا أوصى أحدهم لوالديه وللأقربين وصية تمليكية فقد عمل بالآية الشريفة، أما إذا تخلف الوصي فإنّه هو الذي يحمل إثم التغيير والتبديل.
وبعبارة أخرى: فإنّ الوصايا التمليكية - كالوصية بتخصيص قسـم مــن أموال الميت المؤسسة خيرية أو شخصية حقيقية أو حقوقية ـ هــي وصايا غير واجبة. والوصية لا تجب إلا على من كان في ذمته حق الله أو حق للناس، والذي كان من المفروض أن يقوم هو بتأدية تلك الحقوق، لكن تداركه الموت. فمن خلال وصيته فإن الموصي لم يقم سوى بأداء تكليفه بوجوب الإيصاء وهذا لا أنه أبرأ ذمته؛ لأنّ الوصية - وكما أسلفنا سابقاً ـ هي واجب مُقدّم وسبيل يعني ! إلى أداء حق الدائنين والوفاء به وليست واجباً نفسياً مستقلاً. وعلى هذا، إذا كان الشخص يمتلك ولداً واحداً أو أولاداً مخلصين عالمين بدينه وكان هو (أي الأب واثقاً ومتأكداً من أنهم سيؤدون عنه دينه، فلا تجب عليه الوصية. وأما الشاهد الآخر على كون الوصية ليست واجباً نفسياً فهو أنه إذا لم يقم المدين بالإيصاء، فإنّه لن يُعاقب مرّتين في الآخرة بسبب عدم أدائه حق الناس وعدم التوصية بذلك، بل سيسأل فقط عن سبب عدم أدائه الدين أو الحق المذكور، تماماً كتارك الصلاة - والعياذ بالله - فإنّه لن يُعاقب على ذلك مرتين، مرة على عدم وضوئه وأخرى بسبب عدم أدائه للصلاة.
وليست الوصية بمنزلة الضمان، كما أنّ الوصي ليس ضامنا كذلك لكي يُبرئ الشخص المدين نفسه بمجرد التوصية وتحميل الوصي ذمّة عمله، نعم، إذا قال الوصيّ: «عَلَيَّ دَيْنُك! فإن هذا يجعله ضامناً وتُبرأ ذمّة الموصي (أو الشخص المدين).
وعلى المدين أن يؤدّي دينه شخصياً أو يتخذ لنفسه وكبلاً أو الإيصاء وعندئذ يكون العمل بالوصية واجباً على الوصي، كالعمــل بـالـوقف بالنسبة للمتولي مع فارق واضح بين الوقف والوصية وهو كون هذه الأخيرة ليست واجباً نفسياً، بل هي واجب طريقي ومقدّمي لأداء حق الدائن، فإذا لم يُعمل بوصية الموصي فإن ذمته ستبقى مشغولة بسبب ذلك؛ لأن الوصية لا تعني نقــل التعهد أو الوديعة، بل هي مجرد اتخاذ نائب لأداء دين ما، وهذه هي الحالة في العارية المضمونة، فإذا أودع المستعير عين العارية عند زيد من الناس ليسلمها إلى المعير، لكن زيد خان الأمانة ولم يسلّم العارية إلى المعير فإنّ ذلك لا يعني تبرئة المستعير من الذمة.
نعم، فإنّ الكبرى الكلية (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ[4]) مقبولة بشكل كامل وبموجب هذه الآية الشريفة، فإنّه لا يمكن أخذ شخص ما بجريرة شخص آخر، وكذلك الحال في الوصية، فعندما يقصر الوصي أو أي شخص آخر معني بالأمر وليس الميت نفسه ويخالف ما أوصى به الموصي، فإن هذا الأخير سيُعاقب بسبب إثمه هو لا بسبب عدم وفاء الآخرين ببنود وصيّته أو تخلفهم عن العمل بموجبها. ولهذا، فإنّ ما قاله الشيخ الطوسي وأمين الإسلام وتوجيه فاضل جواد رحمه الله قولهم في آيات الأحكام[5]، حيث يظهر فيه الخلط بين الوصية والضمان، لا ينطبق إلا على بعض الموارد أو المبادئ القواعد الفقهية لا جميعها[6]، ومنها أنه إذا كان الشخص مديناً بدين مؤجّل لم يحن موعد أدائه بعد، أصبح الدين المذكور واجب الأداء ويُصبح أداؤه مُقَدَّماً على الوصية والميراث، وفي هذه الحالة إذا تساهل الوصي أو الوارث أو تجاهل تسديد دين الميت فقد ارتكب معصية يُعاقب عليها، وأما الميت الذي كان قد أوصى بذلك الدين فلا إثم عليه؛ لأنه لم يكن ملزماً أو مأموراً بأداء الدين في حياته.
والخلاصة: فإنّ جُل الموضوع هو تفصيل أقسام ديون الميت من حيث لزوم وضرورة التسديد الفوري أو إمكانية التمهل في بعضها لكي تُعرف الصورة التي ستتم بموجبها معاتبة أو مؤاخذة الميت بسبب عدم تسديده للدين وليس التركيز على المعاقبة الخاصة بتبديل الوصية.
- [1] راجع: تفسير التبيان: 2 / 110 و 111؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 4484 الجامع لأحكام القرآن: المجلد 1: 2 / 251. قال شيخ الطائفة الطوسي في النبيان والوصي إذا بدل الوصية لم ينقص من أجر الموصي شيء، كما لو لم تبدل؛ لأنه لا يجازى أحد على عمل غيره. وقال الطبرسي في مجمع البيان: وفي هذه الآية دلالة على أن الوصي أو الوارث إذا فرّط في الوصية أو غيرها لا يأثم لوصي بذلك ولم ينقص من أجره شيء فإنّه لا يجازى أحد على عمل غيره. وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: والضمير في {إِثْمُهُ} عائد على التبديل، أي إثم التبديل عائد على البدل لا على الميت، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي.
[2] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 69. قال الفخر الرازي: واعلم أنّ العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها .... أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه ثُمّ إنّ الوارث قصر فيه بألا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يُعَذَّب بسبب تقصير ذلك الوارث خلافاً لبعض الجهال.
[5] مسالك الإفهام: المجلد 3 - 4 ، 3 / 108 - 109: راجع كذلك: آلاء الرحمن: 1 / 295 .
[6] راجع: فقه القرآن: 2 / 303