تحدث سوداي إلى الملك شاو، حاكم، يان فقال لجلالته: «لو كان بيننا الآن، رجل يقوم على خدمتك بكل البر والإخلاص [على نحو ما اشتهر به «سنغ سن» و«شياوجي»] وبمُنتهى الثقة [مثل «ويشن»] وغاية النزاهة والاستقامة [على غرار ما استقام عليه، كل من «باوجياو»، «شي تشيو] تُرى كيف كان يمكن أن يكون الحال؟» فأجابه الملك: «لو تحقق ذلك التصور لكان فيه الكفاية.» فأسرع سوداي بالرد قائلًا: «لو كان في ذلك الكفاية، لما كانت بي حاجة لخدمتك، وما كنت أستطيع أن أُنجز أمرًا ذا قيمة، سوى أن أذهب إلى أرض جو فأحرث الأرض وأسقي الزرع وأغزل الثياب وأتناول ما تيسَّر من الطعام.» فلما سأله ملك يان عن السبب في قوله هذا، أجابه: «لأن البارَّ بأبويه، المُخلص لأولياء أمره مثل «سنغ سن»، و«شياوجي»، ليس إلا ابنًا رحيمًا بالوالدين غاية أمره أن يَعولهما (لا أكثر ولا أقل من ذلك)، أمَّا الأمين الحافظ للثقة، الوفي بالعهد، فليس إلا مُخادعًا، بيدَ أن النزيه، طاهر الذمة المُتعفف عن الطمع فيما لا يملك، لا فضل له سوى الزهد والامتناع عن سرقة ممتلكات الآخرين، لكني أتأمل الأحوال جميعًا، وأجدني أكثر ميلًا لروح المبادرة ونوازع الطموح، وأرى أنه لا يمكن للمرء أن يجمع في نفسٍ واحدة بين النزاهة ورفعة الشأن، وبلوغ الحظوة والجاه العظيم، كما أنه يستحيل أن تمضي الثقة مع الحياة في طريق واحد، أما البر والرحمة والطاعة فليست سوى قواعد (أخلاقية) للتهذيب الذاتي، لكنها أبعد ما تكون عن دوافع وغايات المبادرة والطموح.»
فقال له ملك يان: «ألا يكفي الإنسان أن يسعى للتهذيب الذاتي والتجمُّل بأحسن الأخلاق؟» فأجابه سوداي: «إذا اعتبرنا أن التخلق بالفضائل يكفي تمامًا، فلن تخرج دولة تشين بقواتها من الحدود الحصينة القائمة عند جبل شياو، ولن تقدم دولة تشي على تحريك قواتها من منطقة «إينغ تشيو» وكذلك أن تُبادر دولة تشو إلى دفع قواتها عبر نهر «جوجانغ» (وفي الحقيقة، فما كان …) للملوك الثلاثة [الأعظم شهرة في التاريخ القديم] أن يتلاحقوا على عرش الحكم، خلفًا في إثر سلف، ولا للأباطرة الخمسة أن يتداولوا لواء السطوة النافذة فوق الممالك، لو كانوا جميعًا مدفوعين لتحقيق التهذيب الأخلاقي والتحلي بالفضائل، ولو كان مثل ذلك المسعى للتجمل بالأخلاق مطلوبًا لذاته، وفيه كل غناء وكفاية، لكنتُ قد عدت إلى بلدتي (في دولة جو) أحرث الأرض وأزرع الحقول، دون أن تكون بي حاجة إلى المجيء إليكم وإزعاجكم بوجودي بينكم!
كانت دولة تشو فيما مضى من الزمان قد احتلت منطقة «جانو»، فما كان من أمراء الدويلات إلا أن هُرعوا لتقديم الطاعة لدى البلاط الملكي، ولما احتلت تشين منطقة جبل «شي»، أسرع أمراء الممالك إلى أعتاب القصر الحاكم لتقديم التحية والطاعة. ولولا أن قمت بسحب قواتك من أرض «شاندي» [بدولة جو] لما استدار الأمراء بعرباتهم ومواكبهم مُتجهين صوب بلد آخر (يقدمون له أسمى دلائل الطاعة والخضوع).
وقد بلغني أن القائم على ضبط شئون الحكم يبدأ بتأمل مساحة بلاده، ثم يُراجع مدى ما تملكه من قوة عسكرية، ليسلك بذلك أول طريق النجاح وإنجاز المآثر الباهرة. أمَّا أولئك الذين تنقصهم الدراية والوعي بترتيب شئون الحكم، فإنهم يعجزون عن تدبر تلك الأمور، ومن ثم لا يستطيعون تقدير قدراتهم القتالية، فلا يتحقق لهم إنجاز يذكر. (ومن الواضح تمامًا) أن جلالتك تفكر جديًّا في الاتجاه شرقًا لمهاجمة دولة تشي، تلك مسألة أدركتها بذكائي المُتواضع وتفكيري الضحل.»
وقال ملك يان «وكيف عرفت ذلك؟» فأجابه سوداي: «لطالما رأيتك تطلع إلى قمم الجبال متقلدًا سيفك، أو مُمسكًا رمحك، وعلى وجهك أمارات الترقُّب والتحفز؛ ففهمتُ مقصدك، واعلم أنه لا غنى للبطل الصنديد، أو حتى لرافع الأثقال والحديد، عمن يُسانده ويشد أزره. ثم إنه من الواضح أن دولة تشي يمكن أن تتلقى الضربة القاضية مما يُعجل بنهايتها المحتومة، لا سيما أن دولة سونغ، الواقعة إلى غربها، قد حشدت الحشود وعبَّأت القوات، هذا بالإضافة إلى أن قوات دولة تشو — الكائنة إلى الجنوب منها — ليست بالقدْر الذي يؤهِّلها لمساندتها بسبب ما أصابها من الإرهاق، بل يمكن كذلك احتلال منطقة «هجيان» — من أراضي تشي — بالكامل، وذلك على الرغم مما يُميز قواتها من التفوق والاقتدار، وما تحوزه من التسلُّح والقوة.» فقال له الملك شاو: «هذا عظيم جدًّا، وما دام الأمر كذلك، فاسمح لي بأن أُعيِّنك في منصب «الوزير الأكبر» وأبعثك على رأس القوات والخيَّالة [حرفيًّا: مائة عربة عسكرية وعدد وافر من راكبي الجياد] صوب دولة تشي — جهة الشرق — لتتكلَّم معها بالإنابة عني، حسبما تكلمت أنت به الآن عسى أن تستطيع زرع بذور الفتنة والخلاف (بين الأطراف المتصارعة) فما رأيك؟» فرد سوداي، قائلًا: «أعرف أنك ما كنت لتتكرم عليَّ بهذا الإنعام إلا لما أغدقت به عليَّ من العطف والود، وكم كنت أودُّ أن ينال قدرًا من هذا التكريم أحد من ذوي قُرباك أو من أولادك وأحفادك (الذين لا يقدرون على المشي)؟ فمن أكون أنا حتى تمنحني هذا التكريم دونهم جميعًا؟ إنني ما أقمت بين ظهرانيكم ولا بقيتُ في خدمة جلالتك إلا اجتهادًا في الإخلاص وحرصًا على الفوز بثقتك، وهو — وإن كان يُسعدني بما ألقاه على يديك من التقدير والتكريم، إلا أنه يُشقيني بما أخشاه من مقت حاشيتك وكراهية أتباعك.»
وأجاب عليه ملك يان، قائلًا: «منذ متى كان التفاني والجد وبذل كل الجهد وتبيان أوجه المهارة والبراعة، جالبًا للمقت والكراهية؟» فأجابه سوداي: «ائذن لي بأن أضرب لجلالتك مثلًا على ذلك؛ فممَّا يُحكى في القصص المأثورة عن وقائع حدثت بدولة تشو منذ زمان، في منطقة اسمها «شاندي»، أن أحد الموظفين الكبار. — من المتزوجين — اضطرته الظروف أن يغيب عن بيته ثلاث سنوات كاملة، وكان يعمل فيها خارج البلاد، فنشأت علاقة سرية بين زوجته وبين أحد الأشخاص، وكان لما انفرد بها ذات يوم قال لها: «قد أوشك زوجك على العودة، فما العمل إذن؟» فأجابته: «لا تخشَ شيئًا فقد أعددتُ السم في الدواء، وسأناوله له بعد أن يجيء.» فلما حضر بعد غيبته، أمرت الزوجة الخادمة أن تخلِط السمَّ بالدواء وتناوله إياه، فلما مشت بالكوب إليه وهي تعلم ما انطوى عليه طيُّ الخفاء، ناجت نفسها قائلة: «إذا أعطيته السمَّ مات، وإذا صارحته بحقيقة الحال، طرد المرأة الزوجة؛ فلا هذا بالرأي ولا ذاك، وإنما الأفضل أن أتظاهر بأني تعثرتُ في بعض الطريق، وأرتمي على الأرض فينكسر القدح وينتهي الأمر.»
وبالفعل فقد مضت الأمور على هذا النحو؛ إذ إنها تظاهرت بالتعثُّر، فوقعت الكأس وانكسرت، وقالت الزوجة (لزوجها وهي تُكلمه): «كنت قد أعددتُ لك قدحًا من خمر مُعتقة احتفاء بقدومك سالمًا بعد مشاقِّ السفر ووعثاء الطريق، لكن الخادمة كسرت الكأس وأراقت الشراب.» فما كان من الزوج الغافل إلا أن قام إلى الخادمة فقيَّدها وضربها. (والعبرة المُستفادة من ذلك …) أن التفاني في الإخلاص كاد أن يودي بالخادمة وهو السبب فيما لاقته من التعذيب، وها أنا ذا الآن أشق طريقي مسافرًا إلى دولة تشي مبعوثًا من جانبك، وأخشى أن يكون إخلاصي لك محلَّ سوء فهم من حاشيتك.
وقد بلغني (من مأثور القول) أنه: «ليس للأمير — الذي بيده زمام الأمور ومقاليد السلطة — أن يُذعن لنفوذ الوزير، ولا للفارس ذي الخيل والجياد أن يضع عنان فرسه بيد الجمهور، ولا الرجل البسيط — الذي لا يملك فرسًا ولا لجامًا — [هكذا] أن يذل عنقه لزوجة أو محظية.» فما بالك بأكثر الملوك رجاحة عقل وحكمةً ووعيًا وبصيرة؟ فائذن لي في الخروج الآن، وأرجو ألا تنساق وراء حجج أتباعك، وألا تجعل نفسك مطية أهوائهم.»