قامت دولة تشي بمهاجمة سونغ، فأوقعت بها الاضطراب ودفعتها إلى حافة المهالك، فأرسل سوداي خطابًا إلى الملك شاو، حاكم يان يقول له فيه، ما مفاده: «إن دولة يان تدخل في عداد الدول ذات التسلح الكبير بما تحوزه من عشرة آلاف عربة عسكرية، ومع ذلك فهي تسكت على ما تتحفظ عليه دولة تشي من رهائن، ولا شك أن ذلك من علامات التقليل من شأن يان وانتقاص سلطتها، (وهو أمر من شأنه أن يدعم من هجوم تشي على سونغ.) بالإضافة إلى أنه يرهق كاهل الناس ويُبدِّد الكثير من المال بغير طائل، ويؤدي إلى تدمير دولة سونغ، واحتلال منطقة «هوابي» بدولة تشو، ويزيد في الرقعة التي تحتلها تشي وتفرض عليها نفوذها؛ وباختصار، (فستكون النتيجة) تعظيم قوة العدو، وإضعاف طاقة بلادنا. وتلك النتائج الثلاث، تُعد أعظم المخاطر التي تواجهها البلاد، ولا أرى إلا أنك متغافل عن ذلك، بل إنك تتصرف على نحو يساعد على تفاقم الخطر، بما تُقدمه من مساعدة لدولة تشي تتجاوز الأزمة (في محاولة لكسب ثقتها) ولا أظن أن تشي على استعداد لبناء جسور الثقة القوية معك، بل العكس هو الصحيح، بمعنى أن كراهيتها لك ولدولة يان ستتعاظم عن ذي قبل، ولذلك، فإن وقوفك في صف دولة تشي يُعد مسلكًا خاطئًا من كل الوجوه، لا سيما أن إنهاك قوى شعبك وتبديد موارده المالية لا يعود عليك بأي نفع، ولا يُحسَب من بين مآثرك الجليلة، ثم إن تدمير دولة سونغ يوسع جبهة الأعداء ويزيد في مساحة التربص العدواني ويورث الأجيال مخاطر وأعباء (مواجهات متحفزة)، وإذا ما جمعت وزن وقيمة دولة سونغ إلى «هوابي» وجدت أنهما أقوى من دولة تملك العدة والعتاد [حرفيًّا: دولة ذات عشرة آلاف عربة عسكرية] فإذا ما استطاعت دولة تشي ضم هاتَين القوتَين إلى أرضها، فمعنى هذا أنك ستكون أمام دولة تشي مضافة إلى قوتها ومضاعفة بما انضم إليها؛ ذلك أن إضافة (منطقة مثل): «جيوي» بمساحتها البالغة سبعمائة لي مربع، إلى دويلتي «لو»، و«ويه» يساوي ما قلت لك آنفًا، إنه يناظر حصيلة قوة دولة ذات العدة والعتاد الهائل (… بل أكثر من ذلك على وجه التقريب) فإذا ما استولت دولة تشي على كل ذلك، فيمكن أن نتصوَّر أنها ضمت ما يوازي مساحتها وقوتها الأصلية (بالزيادة المضاعفة) أي أنك ستجد نفسك أمام تشي ضعف نفسها مرتَين تقريبًا. وعندما تصير تشي بهذا القدر، فسيصعب عليك أن تتوازن معها أو تتكافأ مع ميزان قوتها، ثم إن «يان» — وحدها — بمواجهة تشي مضاعفة مرتَين أو ثلاثًا، يجلب معه من المخاطر ما لا قبل لك به.»
وعلى الرغم من أي شيء، فمن المعلوم أن الحكيم يستطيع أن يجعل من وجه الخطر واجهة أمان، ومن داهم النذُر بشير حظٍّ طيب، وبشرى واعدة بإقبال الزمان، كما أن العاقل هو وحده الذي يستطيع أن يُحيل الهزيمة إلى نصر، والإخفاق إلى نجاح باهر. وقد ذكر الناس أن أهل تشي يُجيدون تحويل الأشياء القديمة من مقتنياتهم وأدوات الحياة حولهم (مما تقادم به العهد) إلى آلات عملية جديدة (وغالية الثمن) بما برعوا في طلائها باللون الأرجواني [… فهذا مثال بارز لما يمكن تحويله إلى النقيض].
وقيل (في الحوادث) إن الملك قوجيان (حاكم دويلة يوي) كان لفترة من الزمن مقيمًا بكهوف وأغوار جبل «كوايجي» متخذا لنفسه منها حصنًا منيعًا، لكنه تمكن فيما بعد، من (النهوض من عثرته) والقضاء على دولة «أو» وتنصيب نفسه إمبراطورًا فوق الممالك، فهذه كلها أمثلة على ما يستطيعه الناس من تغيير النوازل المُهلكة إلى بشائر للحظ السعيد، ومن تحويل مرارة الهزيمة إلى حلاوة النصر. فهل تريد، يا مولاي، أن تسلك على هذا المنوال؟ وأرى أنك لو كنت تريد أن تحيل الهزيمة إلى نصر، والانكسار إلى صمود، فدع دولة تشي تفرض سلطانها فوق الأراضي البعيدة، وأن تُحرضها على ذلك، وتُثني عليها باستمرار، ثُم ترسل من عندك وفدًا للتحالف مع آل جو، (في محاولة لقطع العلاقات بين تشين وأذنابها) وبناء اتفاق جديد يقوم على «ضرب دولة تشين» باعتباره خطةً أساسية ذات أهمية فائقة، واستبعادها ونبذها من محيط العلاقات بين الممالك. وإذ تجد تشين نفسها خارج دائرة الاهتمام والتأثير، فسوف تُصبح عرضة للاعتداء وهنالك يستولي الرعب على قلب حاكمها.
قد ظلت تشين منذ خمسة عهود، توالي الهجوم والاعتداء على الدويلات، لكنها اليوم أضعف كثيرًا (بحيث تأتي في درجة القوة بعد تشين) ولا بد من أن القصر الحاكم هناك، سوف يعزم على أن يسد كل الطرق المفتوحة أمام دولة تشي، بحيث يوقعها في مأزقٍ لا مخرج لها منه، مهما كلَّفه ذلك من تضحيات.
فما دام الأمر كذلك، فما الذي يمنعك من أن تُرسِل (واحدًا من أفراد الناس العاديين) في محاولة للتأثير على تشين باستخدام فكرة الإيقاع بدولة تشي في ورطة لا مخرج منها، على أن يُقال لملك تشين (ما نصه): «إن دولتي جاو ويان، تريدان اقتحام دولة سونغ لتوسيع مساحة تشي في محاولة لاسترضائها، ولا مانع لديهما من أن يعلو شأنها ويعظم نفوذها وسلطانها أكثر مما يتمتَّعان به من مكانةٍ فلا غرو، إذن، أن يركعا عند أعتابها وتتراجع منزلتهما دونها، وهو ما لا يُجديهما أي نفع، (ولنتساءل …) عن السبب الذي يدفعهما إلى مثل هذا التصرف ويملي عليهما أن يسلكا في هذا السبيل، وهما تعلمان تمامًا أنه لا فائدة تعود عليهما منه.» وليست هنالك سوى إجابة واحدة، وهي عدم الثقة في دولة تشين وحاكمها. فلماذا لا تبادر الآن، يا مولاي، وترسل إلى دولتي يان وجاو من يحظى بثقتهما بحيث يقنعهما بالتحالف وتنسيق جهودهما معًا، فابعث «جين يانغ» أو «قاولين» إليهما، (وارقب الحوادث عن كثب …) فإذا دهمت الخطوب دولة تشين، فيمكن أن تطلُب إلى أحد الرجلَين أن يبقى بوصفه رهينةً لضمان السلام، وهي الوسيلة التي يمكن أن تُدخِل بها الطمأنينة على قلب دولتي جاو ويان؛ بحيث تنظران إلى دولة تشين بعين الثقة. وإذ يُصبح ملك تشين، سيدًا على المنطقة الغربية وملك جاو زعيمًا على المنطقة الوسطى، وحاكم يان مهيمنًا على المنطقة الشمالية، فسوف تنعقد للحكام الثلاثة ألوية السيادة المُطلقة فوق الدويلات والأمم؛ فإذا أبدت هان أو وي العصيان، هاجمهما ملك تشين، وإذا تمرَّدت دولة تشي قامت كل من يان وجاو بشن الغارة عليها. فمن ذا يجسر بعد ذلك على شقِّ عصا الطاعة؟
لا شك أن الجميع سيخضع بالإذعان، ثم إن الظروف ستدفع دولتي وي وهان إلى مهاجمة تشي، وتطالبانها بإعادة أرض سونغ وأرض «هوايبي» [التابعة لدولة تشو] وهو ما يمثل مكسبًا عظيمًا لكِلا الدولتين (إذا ما تحقق فعلًا وعادت الأرض المطلوبة!). إن إقامة الزعامات الثلاث هو الأمل الذي تصبو إلى تحقيقه الدولتان يان وجاو. وهو أيضًا الأمل الذي إذا تحقق، فإنهما سوف تتمردان على دولة تشي، وتتخليان عنها كما يتخلى المرء عن الحذاء المُهترئ البالي.
إن عدم إقامة الوحدة بينك وبين يان وجاو، يجعل دولة تشي تنجح في تقلد زمام السلطة العالية ويُصبح ملكها إمبراطورًا ذا شأن. وعندما تخضع له الممالك بالطاعة، وتأبى جلالتك أن تُذعن له، فسوف تتسبب بهذا المسلك في تعريض دولة تشين لخطر الهجوم، لكنك إذا سايرت باقي الدويلات في الخضوع لملك تشي، فإن مثل هذا التصرف خليق بأن يُقلل من شأنك، ويودي بسمعتك.
كما أن امتناعك عن الوحدة مع يان وجاو سيجلب عليك نفس النتيجة، ويُعرض البلاد للخطر، لكن اتحادك معهما يرفع كثيرًا من مكانتك ويُبجل قدرك، ويحمي البلاد بمظلة الأمان والاستقرار، (وبالطبع) فلا يمكن للعاقل الحكيم أن يُضحي بمكانته واحترامه استجلابًا للصَّغار والضعة، واستنفارًا للكوارث والنوائب.»
فما إن تُلقى مثل هذه الكلمات على مسامع ملك تشين، حتى تنغرس أشواك الألم في صدره ويغوص القلق كأسياخ الحديد في قلبه، فلماذا لا تبادر، على الفور، إلى إرسال أحد النجباء إلى دولة تشين ليبلغهم بتلك المقالة؟ ولا أظن أن ملك تشين يمكن أن يقعد عن مهاجمة تشي، بل سيُهرع إلى شن الغارة عليها. إن الاتحاد مع تشين يعد أرفع مستوى من العلاقات الودية والرسمية، ومهاجمة تشي هي الوسيلة إلى اجتناء المنافع الحقيقية. (فاعلم) أن احترام المستويات الفائقة من العلاقات الودية، والسعي لتحصيل المزايا والثمرات النافعة جزء أساسي من منهاج الأباطرة الحكماء.»
واعتبر الملك شاو، حاكم يان، أن خطاب سوداي جيد المعنى، سديد الفكرة رائع الصياغة، فتحدث قائلًا: «كان الملك الراحل [حرفيًّا: والدنا الملك السابق] ذا أيادٍ كريمة على سوداي، الذي ما كان يمكن أن يُغادر البلاد إلا بسبب ما حدث من قلاقل (على يد تسيجي) ولا بد لدولة يان أن تثأر لنفسها من تشي، ولذلك فلا غناء لها عن الاستعانة بما يمكن أن يقدمه سوداي من مساندة.» ومن ثم، فقد استدعى سوداي، وبذل له الصلات الوافرة، وأكرم وفادته. وراح يُعد معه خطط غزو دولة تشي، حتى تم له ذلك وأنزل بها هزيمة مدوية، ففرَّ حاكمها، الملك مين خارج البلاد.