مسألة البيروني الثانية
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص35
2026-07-23
5
تساءل البيروني: «لمَ صار الجمد يطفو على الماء وهو أقرب إلى الأرضية لتراكم البرودة فيه وانحجاره؟» فأجابه ابن سينا: «ذلك لأن الماء عند جموده تنحصر فيه أجزاء هوائية تمنعه من السروب إلى الأسفل.»
أيضًا تدخل المعصومي عندما لم يقتنع البيروني بالجواب المقتضب لابن سينا فقال: «أما طفو الجمد على الماء، مع كونه أبرد، فلأجزاء هوائية تخلَّلته. وربما كان من الجمد ما يرسب، إذا كان مستحصفًا صلبًا قليل أجزاء الهواء. والدليل على أن في الجمد أجزاءً هوائيةً أنه يحتمل الرص، وما لم يكن في الجرم منافذ كثيرة فيها هواء متخلل فلا يمكن أن يرص. وأما قولك متى يحصل فيه الهواء فإنه يحصل وقت الجمد؛ لأن الهواء البارد هو الذي يجمده. وأما حديث الحباب فلو نفخ طافيًا على الماء لم يرسب، وطفا للأجزاء الهوائية فيه؛ فأما إذا لم ينفخ فإنه يكون حكمه حكم الماء الخارج. وأما قولك كيف يدخل الهواء الآنية المضمومة الرأس فيجب أن يعلم أن للهواء مسلكًا من ذلك، ثم إن كان لا يدخله هواءٌ قط لم يجمد ذلك الماء أيضًا. وفي كتاب «الآثار العلوية»، إذا نظرت فيه شفاء عن هذه الشكوك. والله أعلم.»
وخلاصة الحوار السابق أن البيروني قال: لماذا يطفو الجليد على الماء مع أنه أجزاء صلبة كأنها حجر؟
فأجاب ابن سينا أن الماء عندما يتجمد تنحصر فيه أجزاء هوائية تمنعه من الرسوب إلى أسفل. وهذا السؤال يتعلق بشكل مباشر بالمسألة السابقة، حيث إن كثافة المادة تنقص والحجم يزداد، فيطفو الجليد على الماء نظرًا لتأثير دافعة أرخميدس عليه.
طبعًا جواب ابن سينا لم يكن كافيًا، لكن فيه شيء من الصحة؛ حيث إن الهواء المنحل في الماء إذا جمد الماء يعطي فقاعات أو حبابًا هوائيًّا ينحصر فيه. وإذا سخن الجمد أو نفذ إليه شعاع شمسي سكنته حبات ماء سائل يقال له باللغة العربية «سيع» تقع في قاعدة التبلور الصلب؛ فإذا برد الجليد مرةً أخرى انتقل «السيع» المتولد في الشقوق الدقيقة نحو الجانب الأقل برودةً على حين بخاره — وقد انعزل في الجليد — يأخذ شكل نجم ثلجي. وكما نعلم فإن الهواء المنحل في الماء السائل أغنى بالأكسجين وبالغازات النادرة وبغاز الفحم من هواء الجو.
يقول الباحث عبد الكريم اليافي: «إن الماء لا يجمد مع مادة أخرى كانت ما كانت، ما عدا حمض الفلور والأمونياك، وعندئذٍ ينشأ ما نستطيع أن ندعوه الجمد المدوف. ويتجمد الماء الملح ببطء شديد كأن التجمد يتحامى القطرات الملحة؛ فإذا ذاب وانساع غدا الماء الذائب أو السيع ماءً عذبًا، وهذه إحدى الطرائق في تحلية الماء الملح. ونلاحظ هنا استعمال البيروني لفظ الجمد، وهو لفظ عام يطلق على الماء الجامد؛ ويميز العلم تسعة أشكال له؛ فمنه الجليد والثلج والبرد والصقيع والضريب والخشف أو الخشيف وغير ذلك. ويتبع شكل الجمد مقدار الضغط الواقع عليه أيضًا، وإنما ذكرنا هذه الألفاظ لبيان سعة اللغة واستطاعتها تلقي المصطلحات الحديثة التي نترك اختيار مقابلها للباحثين المشتغلين في هذا المجال.»
لقد كانت الحوارية السابقة إحدى أرقى النقاشات العلمية العربية في مجال الفيزياء؛ فالهدف منها هو الوصول إلى الحقيقة وليس أي شيء آخر، وهي تذكِّرنا بحوارٍ جرى بعد 900 سنة بين ألبرت أينشتاين A. Einstein (توفي 1957م) ونيلز بور N. Bohr (توفي 1962م)، وذلك في النصف الأول من القرن العشرين، حول مفاهيم النسبية العامة والميكانيك الكمومي.
أخيرًا؛ فقد حاول البيروني أن يفسِّر لنا سبب ازدياد شدة الجو البارد في آخر الفصل فيقول: «ولا يتعجبن متعجِّب من قوة البرد عند آخره واهتياجه عند انصرافه؛ فإن ذلك للحر مثله، كما سنذكر، ويوجد أمثاله في الطبيعيات المعتادة كالسراج؛ فإنه إذا قرب من الانطفاء العارض له من فناء مادة الدهن توقَّد واشتد ضوءها دفعات متواليات شبيهة بالاختلاج.»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة