ذاكرة الماء
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص87
2026-06-11
19
في الثلاثين من يونيو عام 1988، نشرت مجلة «نيتشر» المرموقة مقالًا بعنوان «إزالة تحبب الخلايا القاعدية البشرية المُحفَّزة بواسطة مصل مضاد مفرط التخفيف للجلوبيولين المناعي»، من أحد مختبرات المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي في باريس، والذي كان يشرف عليه عالِم المناعة جان بنفنيست. ذكر المقال تجربة استخدمت محاليل مفرطة التخفيف لمركب كيميائي معين، مخفف إلى درجة أنه، من الناحية الإحصائية، كان من المحتمل للغاية ألا تحتوي العينات على جزيء واحد فقط إلى جانب الماء. ومع ذلك، قال بنفنيست وزملاؤه إن هذه العينات لا تزال تحتفظ ببعض خواص المادة التي ذابت فيها في البداية؛ كأن مادة مخفَّفة حتى مستوى 10120 يمكن أن تحدث نفس التأثير الذي تحدثه مادة مخففة إلى 102. بدا الأمر كأن الماء يحتفظ ﺑ «ذاكرة» للمادة التي خُزنت فيه من البداية.
كان لهذا المقال جانبٌ غريب يتجاوز النتائج المذهلة التي تضمنها. فقد نشر محررو «نيتشر»، برئاسة جون مادوكس، مقالًا مرافقًا في العدد نفسه انتقدوا فيه نتائج المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي. كان هذا الإجراء، إن جاز التعبير، غير معتاد على الإطلاق، ولكن كذلك كانت الادعاءات التي طرحها فريق بنفنيست. إن فكرة أن المحاليل المخفَّفة يمكنها أن «تتذكر» خواص المادة المُذابة فيها دون وجودها تُعَد فرضية مركزية في علم العلاج المثلي، وهو نمط طبي بديل هامشي، ومثير للجدل للغاية. وعلى النقيض من الطب «الإخلافي» السائد، الذي يعالج الأمراض باستخدام مادة مضادة للداء، يصر المعالِجون المثليون على استخدام مادة مشابهة للداء، مثل المحاليل مفرطة التخفيف لسموم قوية مثل الزرنيخ أو البيلادونا. دفع تماثل أفكار المقال مع العلاج المثلي مادوكس لاتخاذ إجراءات استثنائية.
لم يكتفِ مادوكس بالمقال المرافق فحسب. فمنذ أن خرج المقال لإخضاعه لمراجعة الأقران في العام السابق، وضع مادوكس خطةً لتحويل نتائج بنفنيست إلى درس تطبيقي حول كيفية إدارة جدل علمي. كانت عملية مراجعة الأقران مشحونة بالغضب؛ حيث انتقد بعض المحكمين الآثار الضمنية للعلاج المثلي، ولكن، قرر مادوكس نشر المقال على أي حال. ثم شكَّل فريقًا وكلَّفه بالذهاب إلى المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي والتحقيق في أمر الباحثين. لم يتألف الفريق من علماء مناعة، بل ضم والتر دبليو ستيوارت، وهو أحد موظفي المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية المعروف (وبشكلٍ مثير للجدل بعض الشيء) بتحقيقاته في مزاعم الاحتيال العلمي بين العلماء البارزين، وجيمس راندي، الساحر الذي كشف زيف الروحانيين، ومادوكس نفسه. كانت تلك الهيئة أشبه بفرقة إعدام، وهذا ما فعلته حقيقةً. في الوقت نفسه، أوقفت مجلة «نيتشر» عادتها في نشر الرسائل التي تتناول مقال المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي حتى تنتهي التحقيقات.
في الثامن والعشرين من يوليو عام 1988، وبعد أقل من شهر من النشر الأولي للمقال، أصدر الفريق تقريرًا بعنوان: «تجارب التخفيف المفرط مجرد سراب». زعم التقرير أن التحليل الإحصائي في الورقة البحثية الأصلية كان مَعيبًا، وأن تجارب المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي ذات التعمية المزدوجة لم تتمكن من تكرار النتائج. لم يتهم الفريق الباحثين بوجود احتيال متعمَّد من جانبهم، بل زعم أنهم قد ضلَّلهم حماسهم المفرط، الأمر الذي كان أشبه بالاتهامات التي واجهها بلوندلو. كما نشرت مجلة «نيتشر» ردًّا من المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي. استمر الجدل — وكذلك الجدل حول كيفية تعامل مادوكس مع الأمر — طوال ثمانية أسابيع إضافية، حتى أوقفه مادوكس بنفسه.
يبدو أن جدل ذاكرة الماء عبارة عن مزيج من الجدل العلمي المعتاد نسبيًّا حول ظاهرة الماء المبلمر وثقافة كشف زيف العلماء المناهضين للإدراك الحسي الفائق، وأبرزه أكثر إقحام مجلة علمية نفسها فيه على غير العادة. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن مصطلح «العلم الزائف» لم يكن جزءًا مهمًّا من معالجة هذه المسألة، على الرغم من أنه يُنسب إلى أولئك الذين لا يزالون يستشهدون بمقال المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي في مجلة «نيتشر» كدليلٍ علمي، على غرار بعض أعضاء مجتمع العلاج المثلي. وهذا دليل على أن الحدود بين العلوم غير التقليدية، والاحتيال، والعلم الخاطئ غير واضحة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة