الاندماج النووي البارد
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص89
2026-06-11
11
كانت التجربة نفسها بسيطة للغاية. أخذ اثنان من علماء الكيمياء الكهربية من جامعة يوتا في مدينة سولت ليك — ستانلي بونس، رئيس قسم الكيمياء، والمغترب البريطاني المولود في تشيكوسلوفاكيا مارتن فليشمان — قارورة تحتوي على إلكتروليت ذائب في ماء ثقيل — وهو الماء الذي استُبدلت ببعض ذرات الهيدروجين فيه نظيره الأثقل، الديوتيريوم، الذي يحمل نيوترونًا إضافيًّا — ومرَّرا تيارًا كهربائيًّا عبره باستخدام قطبَين كهربيَّين.

شكل 1: تكونت خلية الاندماج البارد لبونس وفليشمان من مكونات بسيطة للغاية، كان أهمها القطب الكهربي المصنوع من البالاديوم.
ولكنهما قالا إن ما حدث لاحقًا كان أقل وضوحًا. كان أحد القطبَين الكهربيَّين مصنوعًا من البالاديوم، المعدن الذي يمتاز بقدرته الفائقة على تجميع أيونات الهيدروجين من المحلول. أكد عالِما الكيمياء الكهربية أنهما عندما أجريا التجربة، لاحظا زيادة غير عادية في الحرارة، بالإضافة إلى تدفق للنيوترونات. وأرجعا هذا إلى حدوث اندماج لنوى أيونات الديوتيريوم المكدسة داخل قطب البالاديوم لتتحول إلى هيليوم، الأمر الذي يطلق طاقة هائلة.
وإذا ثبت ذلك، فسيكون هذا أهم اكتشاف علمي في هذا القرن. الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون، واندماج أنويته لتكوين ذرات أثقل هو ما يُشغِّل النجوم، بما في ذلك شمسنا. جرت محاولات لاستغلال الاندماج بطريقة مسيطر عليها — فنحن نعرف كيف نطلقه بشكل غير مسيطر عليه في القنابل النووية الحرارية (المعروفة أيضًا باسم القنابل الهيدروجينية) — منذ خمسينيات القرن العشرين، ولكن لا تزال هذه المحاولات تواجه تحديات كبيرة. تتطلب عملية اندماج نوى الهيدروجين ضغطًا وحرارة شديدَين — إذ كانت الحرارة المطلوبة عالية للغاية إلى درجة أنها قد تذيب أي وعاء — لذا التجارب الحالية تعلق البلازما الوهاجة داخل «قارورة مغناطيسية»، والتي تحتاج بدورها إلى كميات هائلة من الطاقة. استهلكت كل المحاولات الناجحة لإحداث الاندماج بهذه الطريقة طاقة أكثر مما أنتجت. وزعم بونس وفليشمان أنهما حققا «الاندماج النووي البارد»: اندماج يحتاج إلى طاقة لبدئه أقل من الطاقة التي ينتجها. قد يؤدي ذلك إلى إنتاج طاقة من مصدر وقود غير محدود لا يتخلف عنه سوى الهيليوم غير الخَطِر. فمن دون انبعاثات كربونية، أو انصهار للمفاعلات، سيُحدث هذا ثورة كبيرة في المجال.
كان بونس وفليشمان على علمٍ بالحماس الذي سينتج عن اكتشافهما، فخططا للإعلان عنه بشكل مدبَّر لزيادة التأثير: فعقدا مؤتمرًا صحفيًّا. وكان هذا قرارًا تعاونيًّا مع مكتب نقل التكنولوجيا بجامعة يوتا، الذي كان حريصًا على إثارة الاهتمام ببراءات الاختراع (والأرباح المترتبة عليها) التي ستتدفق في نهاية المطاف من تسويق الاندماج النووي البارد. ولكن كان هذا القرار يهدف أيضًا إلى إحباط المنافسة، وتأمين أسبقيتهما إلى هذا الاكتشاف. كان الفيزيائي ستيفن إي جونز من جامعة بريجام يونج القريبة في مدينة بروفو بولاية يوتا، يعمل على مسائل مشابهة في الجيوفيزياء، على غرار كيف قد يتسبَّب نوعٌ من الاندماج النووي البارد لذرات الهيدروجين المجمعة في الوفرة غير المتوقعة للهيليوم في بعض التكوينات الصخرية. اتصل جونز بمجموعة جامعة يوتا بخصوص عرض كان سيقدمه في مؤتمر في مارس 1989، الأمر الذي أدى إلى بدء ترتيبات لإعلانٍ مشترك في وقت لاحق من ذلك الشهر. وعندما ألغى جونز حضوره للمؤتمر، وبدلًا من ذلك قدم ملخصًا للاجتماع السنوي للجمعية الفيزيائية الأمريكية، الذي كان من المقرر عقده في الأول من مايو في بالتيمور، اعتبر بونس وفليشمان أن جونز قد تراجع عن الاتفاق معهما. في البداية، خطط الباحثون الثلاثة لتقديم أوراقهم البحثية إلى مجلة «نيتشر» معًا، لكنَّ الكيميائيَّين من يوتا (بونس وفليشمان) قدما بحثهما وحدهما إلى مجلة «جورنال أوف إلكتروانالاتيكال كيمستيري»، بعد حصولهما على وعدٍ بنشره في العاشر من أبريل. استشاط جونز غضبًا، بينما ظهر بونس وفليشمان أمام الكاميرات لضمان حصولهما على الفضل في الاكتشاف المُدوي.
هيمن المؤتمر الصحفي على العناوين الإخبارية، وأصبح اسماهما مألوفَين في كل بيت. في عصرنا الحالي، لا تُعد المؤتمرات الصحفية للإعلان عن الاكتشافات الثورية أمرًا غريبًا، لكنها كانت نادرة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. عرض بونس وفليشمان التجربة الأساسية، وشرحا تداعياتها المحتملة، الأمر الذي أسعد المراسلين. أما العلماء فكانوا أقل سعادة. فلم تُقدَّم إلا تفاصيل تقنية قليلة — زُعم أن ذلك جاء بناءً على طلب محرري المجلة السابقة الذكر، حيث كان المقال لا يزال قيد المراجعة — وعلى الفور حاول العلماء عبر البلاد تكرار النتائج باستخدام الأدلة التي بين أيديهم: مقاطع فيديو للتجربة على شرائط فيديو كاسيت مُرسَلة عبر البريد أو صور فاكس باهتة. ظهرت بعض محاولات مبكرة لتكرار التجربة، ولكن الفشل كان أكثر شيوعًا. كما كانت هناك مشكلات تتعلق بالنظرية نفسها. فلإنتاج ذلك القدر من الحرارة الذي تحدث عنه بونس وفليشمان، توقعت نماذج الاندماج النووي حدوث انبعاثات إشعاعية عالية من شأنها أن تقتلهما. اعتقد غالبية العلماء أنه من الحكمة الانتظار حتى يُنشر المقال للحصول على تفاصيل أكثر.
ولكن لم ينتظر بونس وفليشمان والمحامون في جامعة يوتا حدوث ذلك. فتوجهوا مباشرةً إلى مبنى الحكومة في ولاية يوتا، ومنه إلى مقر الكونجرس الأمريكي، لطلب منح مالية ضخمة بهدف تطوير تكنولوجيا الاندماج النووي البارد على نطاقٍ أوسع. وفي تلك الأثناء، تراجعت محاولات التكرار القليلة التي أُعلنت عن إعلان نجاحها: ففي إحداها كان هناك كاشف نيوترونات معطل، وفي أخرى ميزان حرارة غير مُعاير بالطريقة الصحيحة. في ذلك الوقت، كان الاندماج النووي البارد لا يزال علمًا مثيرًا للجدل.
حدث الانهيار التام للفكرة في الأول من مايو عام 1989، خلال اجتماع الجمعية الفيزيائية الأمريكية نفسه الذي تسبب في حدوث الخلاف بين فريق جامعة يوتا وجونز. انخرط الفيزيائيون — لأسبابٍ علمية مستمَدة من الأدلة المتوفرة، وأيضًا بسبب العداء تجاه الكيميائيَّين المتفاخرَين، الذين رأوا أنهما اقتحما مجالهم — في جلسة كشف زيف علنية، وخاصةً الهجوم المدمر الذي شنَّه الكيميائي من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ناثان لويس، الأمر الذي دمر ما تبقى من المزاعم الأصلية لبونس وفليشمان.
ولا يزال النقاش قائمًا حول ما إذا كانت النتائج الأصلية مجرد نتائج تجريبية خاطئة (كما في حالة الماء المبلمر)، أو تفسيرًا مفرطًا من قبل المجرِّبين (كما في حالة ذاكرة الماء)، أو احتيالًا متعمدًا. وقد لفت هجوم الفيزيائيين الشديد انتباه العالم. وإحدى الطرق لقياس فورة الاندماج النووي البارد متابعة أسعار البالاديوم، المعدن الأساسي للأقطاب في تجربة بونس وفليشمان. ففي مارس 1989، كان يُتداول بسعر 145٫60 دولارًا للأوقية. وبحلول شهر مايو، أي قبل اجتماع الجمعية الفيزيائية الأمريكية مباشرة، قفز السعر إلى 170 دولارًا. ثم انهار بعد ذلك إلى 95 دولارًا. تعرض بونس وفليشمان لفضيحة كبيرة، فانتقلا إلى فرنسا عام 1992 لمواصلة أبحاثهما، ولكن أُغلق مختبرهما الجديد في عام 1998 دون تحقيق نتائج ملموسة.
ولكن كان إعلان موت الاندماج النووي البارد مبالغًا فيه بشدة. فلا تزال مجموعة صغيرة من الباحثين تبحث في طريقة بونس وفليشمان لتوليد الطاقة. وظهرت مجلات متخصصة مثل «كولد فيوجان» و«إنفاينايت إنرجي» في عامَي 1994 و1995، على التوالي. وبداية من عام 1989، تُعقد سنويًّا مؤتمرات دولية حول الاندماج النووي البارد (والتي تُعرف منذ عام 2007 بالمؤتمرات الدولية المعنية بالعمليات النووية في المادة المكثفة)، بمشاركةٍ ملحوظة من الباحثين اليابانيين الذين يتلقَّون بعض التمويل الحكومي لهذا العمل. وحتى ستيفن جونز نفسه، الذي لم يتورط في الفضيحة العلمية، وجد نفسه طرفًا في خلاف. فقد أصبح عضوًا مؤسسًا في مجموعة «علماء من أجل حقيقة ما حدث في 11 / 9»، وقال إن تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك لم يكن نتيجة هجوم إرهابي. ورغم أنه استقال من عضوية المجموعة في عام 2006، فقد أجبرته جامعة بريجام يونج على الخروج في إجازة مدفوعة مفتوحة، ثم بدأت تتفاوض معه ليتقاعد مبكرًا.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة