لا مفرَّ من الجدل
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص83
2026-06-11
13
لا تشترك المجموعة الواسعة من المذاهب التي سُميت بالعلوم الزائفة — بدايةً بعلم التنجيم إلى علم دراسة الحيوانات الخفية، ومن نظرية الخَلق إلى الفيزياء الآرية، ومن علم ما وراء النفس إلى الخيمياء — في جوهرٍ مشتركٍ كافٍ يسمح لنا بالقول: «المعتقدات التي تدَّعي أنها علوم، ولكنها تمتلك الخصائص كذا وكذا هي علوم زائفة.» ولكن لا يعني ذلك أننا عاجزون عن إيجاد نقاط تشابه عرضية في تاريخها. ورغم أن «العلوم الزائفة» قد لا تكون كيانات واحدة محددة، فإن عملية تسميتها تتبع مسارًا ثابتًا إلى حدٍّ ما.
يمكن أن تبدأ العلوم الزائفة كعلوم حقيقية — كما في حالة علوم التنجيم، والخيمياء، وتحسين النسل التي كانت علومًا بائدة — ثم تخرج تدريجيًّا من دائرة التفضيل (عادةً عبر نقد نظري وتجريبي مكثف)، ومن ثَم يجد المناصرون المتبقون أنفسهم مناصرين لفكرة هامشية. وبعضها وُلد علومًا زائفة، إن جاز التعبير. فنظريات فيليكوفسكي بشأن الكارثية الكونية والأساطير القديمة، أو التحمس ليتي أو وحش لوخ نيس، لم تبدأ كمجالات علمية، بل هاجمها التيار العلمي السائد منذ ظهورها الأول. ولكن عملية التهميش متشابهة في كلا النموذجين: فهي ناتجة عن إجماع مجموعة من علماء ذوي صلة بالموضوع. وعندما يصبح الإجماع ضد فكرة ما حاسمًا، ويصر مؤيدوها على التمسك بها بدلًا من التخلي عنها، تزداد احتمالية وصم معتقداتهم بالعلم الزائف.
ولكن، هناك منطقة رمادية بين هذين النقيضين (البدء كعلمٍ حقيقي، البدء كعلمٍ زائف). فلنأخذ كمثالٍ حالة الفيزيائي الفرنسي بروسبر-رينيه بلوندلو. كان بلوندلو عالمًا مرموقًا حقق سلسلة من النجاحات المبكرة في مجال الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي كان حديث العهد في عصره. ففي عام 1891، نجح في أول قياس لسرعة الموجات الراديوية وكان 297600 كم/ثانية، وهي قيمة يتصادف أنها تقترب بنسبة 1 في المائة من القيمة المقبولة اليوم لسرعة الضوء، الأمر الذي كان بمنزلة تأكيد تجريبي مهم لنظرية الإشعاع الكهرومغناطيسي التي وضعها جيمس كليرك ماكسويل. وفي عام 1903، زعم بلوندلو أنه اكتشف نوعًا جديدًا من الإشعاع أسماه أشعة «إن» (N rays)، واستلهم هذه التسمية لتشبيهها بأشعة «إكس» الشهيرة التي اكتشفها فيلهلم رونتجن عام 1895 وتيمنًا بمسقط رأسه مدينة نانسي. وتمكن من تحديد وجود أشعة «إن» عن طريق ملاحظة التغيرات في سطوع شرارة كهربائية. لاقى هذا الاكتشاف اهتمامًا واسعًا، وسارع العديد من العلماء الأوروبيين لمحاولة تكرار النتائج (وحقق بعضهم نجاحًا مبدئيًّا). ولكن، بعد عام واحد، زعم الفيزيائي الأمريكي روبرت دبليو وود، بعد زيارته لمعمل بلوندلو وفحصه لتجهيزات التجربة، أنه عندما أزال سرًّا جزءًا حساسًا من جهاز التجربة بينما كان بلوندلو يسجل القراءات، أصرَّ الأخير على استمرار تسجيله لأشعة «إن». وأرجع وود «اكتشاف» أشعة «إن» إلى خيال بلوندلو سهل التأثر، وفي خلال عام رُفضت النتائج التجريبية السابقة، واعتُبرت مجرد نتائج غير دقيقة. وتقرر أن هذه الأشعة ليس لها وجود. ولم تتعافَ سمعة بلوندلو بعد ذلك قَطُّ.
كيف يجدر بنا أن نفهم هذه الحالة؟ هذه الحالة لا تشبه حالة فيليكوفسكي؛ إذ كان بلوندلو عضوًا مرموقًا في المجتمع العلمي، وعوملت أشعة «إن» على أنها مُحتملة الصحة عند الإعلان الأول عنها. كما أنها لم تكن مشابهة تمامًا لحالة علم تحسين النسل، لأن خصائص تلك الأشعة كانت مثيرة للجدل منذ البداية، وتعرضت لشكوك لاذعة خلال فترة انتشارها القصيرة. من المغري اعتبار هذه الحالة مثالًا بارزًا للعلوم الزائفة، بل إن إرفينج لانجموير استشهد بها كمثال كلاسيكي على «العلم الباثولوجي». ولكن قبل إعلان وود، يبدو أن بلوندلو كان يجري أبحاثًا مشابهة لقياساته للموجات الراديوية. الأمر باختصار أنه كان يمارس العلم بشكل طبيعي.
هذا زعم مؤرق، ولكنه ليس مفاجئًا في ضوء ما شهدناه سابقًا. فمن بين المذاهب التي صنَّفها المجتمع العلمي كعلومٍ زائفة، هناك عددٌ كبير من العلوم البائدة، والتي عُدَّت علومًا حقيقية، من حيث التعريف، في الماضي ثم لم تعُد كذلك. ما يجعلها تُعد علومًا زائفة اليوم هو استمرار مجموعة كبيرة من الأشخاص في الدفاع عنها كعلومٍ حقيقية رغم إجماع التيار العلمي السائد على عكس ذلك. الاستنتاج المباشر من ذلك هو أن «أي» موقف علمي قد يُوصم بأنه «علم زائف» اعتمادًا على مساره المستقبلي. وبما أننا لا نعرف المستقبل، فإن أي علم حقيقي حالي قد يكون عرضة لأن يسقط من عليائه. لم يعد الأمر يقتصر على إمكانية حدوث ذلك، بل أصبح فعليًّا شبه حتمي بسبب خاصيتَين رئيسيتَين في بِنية العلم الحديث.
الأولى هي أن العلم اليوم أصبح قائمًا على التنافس. يصنع العالم سمعته عبر البناء على النتائج السابقة وتطويرها، ولكن إذا اكتفى بتأكيد الحقائق المعروفة، فستتوقف مسيرته. وتُلزم الضغوط البحثية العلماء بالتجديد، الأمر الذي يعني عادةً تفنيد فرضيات علمية معاصرة راسخة. (نرى هنا أصداء فكرة الدحوضية لكارل بوبر.) يُمنح التقدير العلمي للأسبقية (أن تكون الأول في الاكتشاف) ولتفوقك في الدقة على منافسيك في التحقق من المسألة نفسها. وهكذا، ستظل هناك دائمًا فئة رابحة وأخرى خاسرة. ويؤدي تمسك الخاسرين بآرائهم إلى تهميشهم.
الخاصية الثانية هي أن العلم أصبح مكلفًا بشكل متزايد. فالموارد أصبحت شحيحة، وعادةً ما يتنافس عدد كبير للغاية من الباحثين على عدد قليل من المنح وفرص النشر في الدوريات البارزة. وفي ظل هذه الندرة، تخلق المعايير التنافسية بالضرورة دافعًا لدى الرابحين لحماية مكاسبهم، واستياءً لدى الخاسرين. وأي أحد يُعرض أبحاثك للخطر — كأن يدافع عن نظرية هامشية تتعارض معها — قد يُنظر إليه كتهديد. وعندما تُشكل الأفكار غير السائدة خطرًا (واقعيًّا كان أو مُتَوَهَّمًا) على العلماء المحترفين، يُستخدَم مصطلح «العلم الزائف» كسلاح ردع.
التمييز جزء لا يتجزأ عن أنظمة التمويل الخاصة بنا. فعلى الباحثين الراغبين في الحصول على تمويل إظهار تفوق أعمالهم على منافسيهم المضللين، وتضطر لجان تقييم المنح دائمًا إلى استبعاد عدد كبير من العروض لصالح قلة تعدها جديرة. ويخلق التمويل المحدود منظومةً لا ترحم لتصفية المزاعم العلمية، وقد ينتهي المطاف ببعضها بين الأفكار غير التقليدية. بالتالي، حين ندرس فئة العلوم الزائفة نميط اللثام عن بعض الأفكار المتعمقة التي تتعلق بآلية عمل العلم الحديث.
تنشأ المنطقة الرمادية بسبب حقيقة أن تقريبًا أي زعم علمي جديد مهم قد يكون عرضة لإثارة الجدل، وهو الوقود الذي يدير عجلة التقدير والسمعة. ولكن لا تلاقي جميع المذاهب المستبعَدة المصير نفسه. فحتى في المجال نفسه — مثل خواص الماء العلمية — نجد بعض الأفكار التي تخسر الجدل، وقد انتهى بها المطاف إلى الاندثار، واعتبارها غير علمية، بينما هناك أفكار أخرى وُصمَت بأنها حقيرة ووُضعَت على هامش المعارف المقبولة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة