الماء المبلمر
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص86
2026-06-11
14
في منتصف ستينيات القرن العشرين، استمتع العديد من الكيميائيين في الدول الرائدة علميًّا بدراسة الخواص الأساسية للماء السائل. الماء، من الناحية العلمية، مادة غريبة: فهو، بشكل غريب، يتمتع بكثافة أعلى في الحالة السائلة مقارنة بالحالة الصلبة (وهذا ما يفسر طفو الثلج)، كما أن له نقطة انصهار وحرارة نوعية تفوق التوقعات النظرية. كما أن الحصول على الماء سهل للغاية، ولا تتطلب دراسته استخدام معدات باهظة الثمن. وعلى الرغم من أن دراسة خواص الماء لا تُعد عادةً مسألة ملحة، فإن الاهتمام العلمي بها لم يفتر.
ظهرت التقارير الأولى عن «الماء الشاذ» من مختبر نيكولاي فيدياكين في المعهد التكنولوجي في كوستروما، تلك المدينة الصغيرة التي تبعد نحو مائتَي ميل شمال شرق موسكو. كان فيدياكين يُجري تجارب على السوائل المعزولة داخل أنابيب شعرية زجاجية رفيعة للغاية. وعندما ترك الماء في هذه الأنابيب عدة أيام، لاحظ تكوُّن عمود ثانوي عند القمة، بدا الأمر كأن الماء كان يتجزأ تلقائيًّا إلى جزأين منفصلَين. نشر فيدياكين هذه النتيجة عام 1962 في مجلة روسية متخصصة في الغرويات. وفي ذلك الوقت، تولى العالم السوفييتي الأكثر بروزًا بوريس في ديرياجين (أو دِيجاجوين)، مدير مختبر القوى السطحية في معهد الكيمياء الفيزيائية بالأكاديمية العلمية في موسكو، مهمة متابعة هذا البحث. وقد نشر مختبره عشرة مقالات بارزة حول هذه الظاهرة في الفترة بين 1962 و1966.
كانت الخواص التي كشف عنها فريقه مثيرة للدهشة. فقد بدا أن هذه الكتلة الثانية من الماء تحمل نفس التركيب الكيميائي للماء العادي (أي، أن تركيبها الجزيئي هو H2O) ولكن كانت جميع خواصها الأخرى محيِّرة. فعند مقارنتها مع «الماء العادي»، تبيَّن أن تمدُّدها الحراري يتراوح بين 20 و40 درجة مئوية، أي إنه أعلى بنحو مرة ونصف، بينما كانت نقطة تجمدها أقل ونقطة غليانها أعلى؛ حيث وصلت الأخيرة إلى نحو 250 درجة مئوية! الأكثر غرابة أن كثافة هذا النوع الجديد من الماء كانت أعلى بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة من المعدل الطبيعي، كما أن لزوجته كانت ثقيلة كأنه شراب مسكَّر.
ظلت الأبحاث قاصرة على الاتحاد السوفييتي حتى عام 1966، حين سافر ديرياجين إلى مدينة نوتنجهام في إنجلترا للمشاركة في مناقشة في جمعية فاراداي، بناءً على دعوة من جيه دي بيرنال، مدير قسم علم البلورات في كلية بيركبيك بجامعة لندن، والذي كان مهتمًّا منذ زمن بعيد بدراسة الماء. تميز بيرنال، العالم المرموق وعضو الحزب الشيوعي البريطاني البارز، بدعمه المتواصل لنظريات ليسينكو بعد تأييد ستالين الرسمي للميتشورينية عام 1948. وقد ساعدت علاقاته بالسوفييت في تسليط الضوء على أعمال ديرياجين. ومع ذلك، لم يتزايد الحماس العلمي إلا في عام 1969، عندما أعلن أمريكي يُدعى إليس ليبنكوت عن نتائج مدهشة مشابهة في اجتماعٍ للجمعية الكيميائية الأمريكية في مدينة نيويورك. وغيَّر ليبنكوت الاسم الذي أطلقه ديرياجين على هذا الماء وهو «الماء الشاذ» ليصبح «الماء المبلمر»، استنادًا إلى فرضية أنه كان شكلًا مبلمرًا تتصل جزيئاته معًا مثلما يحدث مع البلاستيك. وفي العام التالي، بلغ البحث حول الماء المبلمر ذروته، فقد ركز العلماء السوفييت على خواصه الكلية بينما تناول الباحثون الغربيون تركيبه الميكروي. حظيت هذه الدراسات بدعمٍ كبير من مكتب البحوث البحرية، أحد أبرز الداعمين للعلم في أمريكا، وانتشرت شائعات مفادها أن ديرياجين كان ضمن المرشحين لجائزة نوبل. جاءت أغلب المنشورات عن موضوع الماء المبلمر في شكل مراسلات قصيرة مع مجلتَي «ساينس» و«نيتشر»، وهما من أبرز المجلات العلمية في العالم آنذاك وحتى الآن، الأمر الذي أبرز انتشار الماء المبلمر.
ولكن تلاشى كل هذا خلال بضع سنوات. وبحلول عام 1973، نشر الباحثون الأمريكيون والسوفييت نتائج تُشير إلى أن أفضل تفسيرٍ للسلوك الشاذ لجزيئات الماء المبلمر هو وجود شوائب في عينات الماء. الأمر باختصار أن كل هذه الضجة أُثيرت بسبب نتيجة مضلِّلة للعملية التجريبية. واليوم، من المرجح أن يُوصَف مؤيدو الماء المبلمر بأنهم علماء زائفون من قبل المؤسسة العلمية، ولكن من غير المحتمل أن تعثر على أحدهم. كان الماء المبلمر مثالًا نموذجيًّا على الجدل العلمي: نقاش محتدم وفقًا لثوابت المجال، ثم جرت تسويته وإهماله. ما كان مميزًا في هذه القضية هو الطابع الدولي لهذا الجدل وانتشاره الواسع.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة