

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
حدود تدخل الإدارة الضريبية وضمانات المكلف
المؤلف:
علي هاشم جواد نصر الله
المصدر:
التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق
الجزء والصفحة:
ص 93-102
2026-05-18
34
تعد الإدارة الضريبية من اهم الإدارات التي تعتمد عليها الدولة في تحقيق مواردها المالية اللازمة لتغطية نفقاتها العامة، فضلا عن دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل ، غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتم بمعزل عن إدارة ضريبية فعالة قادرة على تطبيق القوانين وتحقيق الالتزام الضريبي بصورة عادلة ومتوازنة، ومن هنا برزت أهمية تحديد حدود تدخل الإدارة الضريبية في شؤون المكلفين وضمان حقوقهم في مواجهة السلطة العامة فالعلاقة بين الإدارة الضريبية والمكلف ليست علاقة مساواة، إذ تتمتع الإدارة بسلطات واسعة تخولها فرض الضريبة والتحقق من صحة الإقرارات ومتابعة التحصيل، وهي سلطات تنطوي على مساس بحقوق مالية وشخصية جوهرية. لذلك قسمنا الموضوع على فرعين الفرع الأول تناول مبدأ التناسب بين الرقابة والحقوق الدستورية، وبين الفرع الثاني الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف
الفرع الاول
مبدأ التناسب بين الرقابة والحقوق الدستورية
أولا: القوانين العراقية
إن مبدأ التناسب هو أحد المهام التي تضمن العدالة في الإجراءات الضريبية، فهو يرسخ توازنا بين صلاحيات الإدارة الضريبية في تحقيق المصلحة العامة وبين حماية الحقوق الدستورية للمكلفين. فالإدارة الضريبية، بوصفها سلطة عامة، تتمتع بحق فحص الإقرارات والتدقيق والتحقق من مصادر الدخل لضمان تحصيل الضريبة المستحقة، لكن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يحده احترام الحق في الخصوصية، حرمة السكن والمكتب، وحق الدفاع عن النفس، وهي حقوق منصوص عليها في الدستور العراقي (1). ونهدف من دراسة هذا الفرع إلى دراسة حدود تدخل الإدارة الضريبية في العراق من منظور مبدأ التناسب، ومقارنة ذلك بما هو معمول به في مصر والأردن، مع التركيز على النصوص القانونية والإجراءات العملية التي تضمن حماية المكلفين. ويستند التدخل الضريبي في العراق إلى قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل الذي منح السلطة المالية صلاحيات واسعة للتحري عن الدخل الحقيقي للمكلف، والفحص والتقدير الجزافي عند امتناع المكلف عن تقديم الإقرار. إلا أن القانون يقيد هذه الصلاحيات بمبدأ التناسب، فلا يجوز للإدارة أن تتجاوز ما هو ضروري لتحقيق الغرض القانوني، كما جب أن تكون كل الإجراءات محددة ضرورية، ومتناسبة مع الغرض المنشور (2).
أما عن حدود التدخل والرقابة من الناحية العملية فنجد مشروعيتها في ظل قانون ضريبة الدخل ونظام مسك الدفاتر التجارية فلا يمكن الانتقال إلى محل عمل المكلف للاطلاع على الدفاتر والمستندات الا بشروط صارمة تشمل: إصدار أمر تحريري من المدير العام أو من يخوله، تنظيم محضر بالتسليم والتسلم، وتحديد مدة الفحص للسلطة المالية بأمر تحريري أن تفوض من يمثلها لزيارة محل أعمال المكلفين للاطلاع على طبيعة هذه الأعمال وفحص الدفاتر والسندات والمراسلات والاستفسار عن كل ما له علاقة بأعمال المكلف " (3). هذه الإجراءات تمثل تقييدا عمليًا للسلطة الإدارية، وتضمن عدم التعسف في استخدام القوة أو التدخل في خصوصيات المكلفين ما يعكس التأكيد على صون الحقوق الشخصية للعراقيين أن لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية ما لم تتعارض مع حقوق الآخرين والآداب العامة. كما تؤكد على أن حرمة المساكن مصونة ولا يمكن دخولها أو تفتيشها أو التعرض لها إلا بقرار قضائي ووفقًا للقانون" (4).
ويمكن للإدارة الضريبية من اتخاذ بعض الإجراءات التي تراها مناسبة لضمان حقوقها من المخالفين لأنظمتها وقوانينها فيجوز للسلطة المالية تقدير الضريبة تقديرًا جزافيًا عند امتناع المكلف عن تقديم إقراره بعد انقضاء المهلة المحددة لتقديم التقارير المنصوص عليها في المادة السابعة والعشرين، تقوم السلطة المالية بدراسة التقارير المقدمة إليها، ولها الحق في قبول هذه التقارير وتقدير الضريبة وفق ما جاء فيها، أو رفضها وتقدير الضريبة استنادا إلى الدخل الذي تحدده السلطة بناءً على المعلومات المتاحة لديها والتي يمكن جمعها " (5) . ولكن هذا التقدير لا يُمارس إلا بعد توجيه إنذارات رسمية وإعطاء فرصة للمكلف للرد، بما يحقق مبدأ التناسب بين السلطة العامة وحق الدفاع "للسلطة المالية أن تطلب ممن كان خاضعا للضريبة أو تعتقد بخضوعه لها أن يقدم تقريرا عن دخله خلال واحد وعشرين يوما من تاريخ تبليغه بذلك بإخطار خطي أو بإحدى طرق النشر سواء كان اسمه مسجلا في دوائر ضريبة الدخل أو لم يكن" (6). ام عن ضمانات المكلف فان للمكلف الحق في الاعتراض خلال ثلاثين يوما من تبليغه بالقرار، مع وجوب البت في الاعتراض خلال ثلاثين يوما أخرى (7) إضافة إلى ذلك، يحق للمكلف الاطلاع على محاضر الفحص والوثائق المقدمة من الإدارة، وتقديم الأدلة والبيانات المؤيدة لإقراره، هذه الضمانات تمثل حماية عملية ضد استخدام السلطة بشكل تعسفي (8).
ويمكننا أن نقول إن التشريع العراقي اعتمد مبدأ التناسب كأداة لضبط استخدام السلطة، بحيث تكون الرقابة محددة وضرورية، مع منح المكلف حقوقا دستورية وإجرائية واضحة، تشمل الحق في الاعتراض، الحق في الاطلاع، وحق الدفاع عن النفس، بما يحقق العدالة الضريبية ويحمي ثقة المكلفين في النظام.
ثانياً: الدول المقارنة (مصر والأردن )
ففي مصر، فأن مبدأ التناسب حجر الزاوية في ضمان عدم تجاوز الرقابة الضريبية على الحقوق والحريات الدستورية. ويقصد به أن أي تدخل إداري أو ضريبي في حقوق المكلف يجب أن يكون مشروعًا، مناسبا، ضروريًا ومتوازنا (9) وتمارس الرقابة الضريبية من خلال مصلحة الضرائب المصرية، والتي تتولى جمع البيانات المالية للمكلفين وتحليلها لتقدير الضريبة المستحقة. وتنظم هذه الرقابة في قوانين مثل قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 ، الذي يحدد آليات تقديم الإقرارات الضريبية وحق المكلف في الاعتراض والإفصاح عن دخله ( يلتزم كل ممول بأن يقدم إلى مأمورية الضرائب المختصة إقرارا ضريبيا سنويا على النموذج الذي تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون خلال المواعيد المحددة بالمادة (83) منه، كما يلتزم بأن يقدم إلى المأمورية المختصة الجداول المرفقة بالإقرار الضريبي المشار إليه والبيانات المتممة له على النموذج الذي تبينه اللائحة التنفيذية، وذلك خلال الستين يوما التالية لانتهاء الأجل المحدد للإقرار، ولا يخل ذلك بحق الممول في تقديم الإقرار والجداول المرفقة به والبيانات المتممة له عند تقديم الإقرار) (10).
كما ينص الدستور المصري لعام 2014 على حماية الحقوق والحريات الأساسية، بما فيها حق الخصوصية وحق الملكية والضمان ضد التدخل غير المشروع في الشؤون المالية للفرد "ملكية الخاصة مصونة وحق الإرث فيها مكفول ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبحكم القضاء ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما وفقا للقانون"(11). وكذلك نص أيضا على حق الدولة في تحصيل الضرائب واعتبر المتهر منها مجرم تلتزم الدولة بالارتقاء من النظام الضريبي وتبني النظريات الحديثة التي تحقق الكفاءة واليسر والأحكام في تحصيل الضرائب ويحدد القانون طرائق وأدوات تحصيل الضرائب في الخزان العام للدولة وإداء الضرائب واجب والتهرب الضريبي جريمة" (12). وتُعتبر المحكمة الدستورية العليا الجهة المخولة بمراجعة دستورية القوانين والقرارات الإدارية لضمان احترام الحقوق الفردية.
ولهذا فان مصر تسعى إلى تحقيق توازن بين جمع الإيرادات الضريبية وحماية الحقوق الدستورية. فعلى سبيل المثال، يجب ألا تتجاوز الإجراءات الضريبية الحد الضروري لتحقيق الهدف المشروع من الرقابة، ويجب أن تكون القرارات الإدارية متناسبة مع حجم الدخل المصرح به والهدف المالي من تحصيل الضرائب يلتزم الممول بأداء مبلغ إضافي للضريبة النهائية بواقع (20%) من الفرق بين قيمة الضريبة النهائية وقيمة الضريبة الواردة بالإقرار الضريبي إذا كان هذا الفارق أقل من (50%) من مقدار الضريبة النهائية وبواقع (40%) من الفرق بين قيمة الضريبة النهائية وقيمة الضريبة الواردة بالإقرار الضريبي إذا كان هذا الفارق يساوي (50%) أو أكثر من مقدار الضريبة النهائية، وبواقع (40%) من القيمة النهائية للضريبة حال عدم تقديم الإقرار الضريبي، وذلك كله إذا حددت قيمة الضريبة النهائية بعد استنفاد طرق الطعن العادية وتخفض هذه النسب إلى النصف حال الاتفاق بين الممول والمصلحة قبل الإحالة أو اللجوء إلى لجنة "(13).
أما في الأردن، فيُعتمد مبدأ التناسب لضمان حماية المكلف من التدخل المفرط في حياته المالية "الأردنيون متساوون أمام القانون ولا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات مهما اختلفت أعراقهم أو لغاتهم أو دياناتهم" (14). ويتم تقييم كل قرار إداري أو ضريبي على أساس ضرورته وجعلت عبء الاثبات على الادرة وليس على المكلف وملاءمة وفعالية الإجراء وأن تكون المنفعة عامة " من ضمن التحسينات القانونية أن يكون عبء الإثبات على المصلحة الضريبية بدلا من المكلف في بعض الحالات، وتقليل مدة الرقابة الضريبية على الإقرارات الضريبية، مما يُقلل من احتمالات التدخل المطول أو التفتيش المبالغ فيه الذي يؤثر على الحقوق المالية للمكلف " (15).
تمارس الرقابة الضريبية من خلال دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، "تشكيل لجنة لا تقل عن خمسة من شاغلي الوظائف القيادية في الدائرة لتعيين أي من موظفيها الحاصلين على الشهادة الجامعية الأولى حداً أدنى بموافقة المدير لتدقيق الإقرارات الضريبية وتقدير الضريبة واحتساب أي مبالغ أخرى مترتبة على المكلف والقيام بأي مهام وواجبات أخرى منوطة به على وفق أحكام هذا القانون" (16). وأيضا فهناك نص آخر وهو "يجوز للمدير أو المدقق خلال مدة لا تزيد على أربع سنوات من تاريخ تقديم الإقرار الضريبي أو من تاريخ تعديله حسب مقتضى الحال أو تاريخ إصدار قرار التقدير الإداري أو فرض الضريبة المقطوعة وفق أحكام المادة (32) من هذا القانون أن يقرر إعادة النظر في قرار التدقيق أو قرار التقدير الإداري أو القرار الصادر عن هيئة الاعتراض أو في أي إجراءات تم اتخاذها من المدير أو المدقق" (17).
ينص الدستور الأردني على حماية الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حق الخصوصية وعدم جواز فرض الضرائب إلا وفق القانون "لا" تفرض ضريبة ورسم إلا بقانون ولا تدخل في بابهما أنواع الاجور التي تتقاضها الخزانة المالية مقابل ما تقوم به دوار الحكومة من الخدمات للأفراد أو مقابل انتفاعهم بأملاك الدولة وعلى الحكومة أن تأخذ في قرض الضرائب بمبدأ التكليف التصاعدي ما تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وأن لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الإداء وحاجة الدولة إلى المال" (18). من هذا النص أن الدستور الأردني يأخذ بمبدأ التناسب لضمان أن تكون الإجراءات الضريبية ملائمة ومتناسبة مع الهدف المشروع، وأنها لا تتجاوز الحد الضروري لتحقيق تحصيل الإيرادات ويتم تقييم أي تدخل في حقوق المكلف وفق معايير الضرورة، الملاءمة، والحد الأدنى من التقييد للحقوق الفردية.
ونستخلص من هذا الفرع في دراستنا ان مبدأ التناسب بين الرقابة الضريبية والحقوق الدستورية في الدول المقارنة تمثل ضابطا قانونيًا أساسيًا لضمان التوازن بين سلطة الدولة في تحصيل الضرائب وحقوق المكلفين المالية والشخصية فهو يفرض على السلطات الضريبية الالتزام بمبدأ الشرعية والملاءمة والضرورة، ويقيد أي تدخل في حياة المكلف المالية بما لا يتجاوز ما هو ضروري لتحقيق الهدف المشروع، مع احترام الحريات والحقوق الدستورية. كما أن المقارنة بين التجارب القانونية في مصر والأردن تظهر أن كلا النظامين يسعى لتحقيق عدالة ضريبية متوازنة، تضمن حقوق المكلفين وتحد من التجاوزات الإدارية، من خلال وضع ضوابط واضحة للرقابة، وحق الاعتراض، وحماية الملكية والخصوصية المالية إن تطبيق مبدأ التناسب بشكل فعال يساهم في تعزيز ثقة المكلف في النظام الضريبي، وضمان تحقيق مبدأ الكفاءة والعدالة في تحصيل الإيرادات، ما يجعل هذا المبدأ حجر الزاوية لأي نظام ضريبي حديث يراعي الحقوق الدستورية.
ويمكننا القول إن العراق رغم وجود نصوص تنظيمية للرقابة الضريبية وحماية المكلفين، إلا أن تطبيق مبدأ التناسب لا يزال محدودا في الممارسة العملية، إذ تمنح القوانين مساحة واسعة للسلطة الإدارية، ما قد يؤدي إلى إجراءات مطوّلة أو متجاوزة تمس الحقوق المالية وخصوصية المكلف. بالمقابل، تظهر التجارب المصرية والأردنية وعيًا أكبر بأهمية هذا المبدأ. ففي مصر، ركزت التشريعات على الالتزام بالشرعية والضرورة والملاءمة، مع توفير آليات للاعتراض وضمانات حماية الحقوق الدستورية للمكلف. أما الأردن، فقد نصت قوانينه الحديثة والدستور على سقوف محددة للرقابة، مثل مدة الفحص، عبء الإثبات على الإدارة الضريبية، وحق الطعن ما يعكس توازنا واضحًا بين سلطة الدولة ومصالح المكلفين من وجهة نظري، يمكن للعراق الاستفادة من هذه التجارب من خلال وضع ضوابط دقيقة لصلاحيات السلطة الضريبية، وتطبيق آليات شفافة للاعتراض والطعن إن تبني هذه الإجراءات سيعزز الثقة بالنظام الضريبي، ويحقق العدالة الضريبية، ويحد من التهرب أو النزاعات، بما يضمن حماية الحقوق الدستورية وفاعلية تحصيل الإيرادات.
الفرع الثاني
الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف
من الممكن ان نعد ان التقدير الذاتي للضريبة من أهم الطرائق الحديثة في إدارة النظام الضريبي، إذ يقع على عاتق المكلف نفسه مسؤولية تحديد دخله وحساب وعائه الضريبي المستحق عليه وفقا للقوانين النافذة ومع أهميته في تعزيز العدالة والشفافية وتسهيل تحصيل الإيرادات يبرز السؤال عن الضمانات الإجرائية والقضائية التي تحمي المكلفين من أي تجاوزات محتملة من قبل السلطات الضريبية. فالحقوق الدستورية والمالية للمكلف تشكل حجر الزاوية لأي نظام ضريبي عادل، بما في ذلك الحق في الخصوصية، وحماية الملكية، وحق الاعتراض والطعن وعدم التعدي على حرية المكلف المالية. ويكتسب هذا الموضوع أهميته في العراق حيث يواجه المكلفون تحديات في تطبيق التقدير الذاتي بسبب بعض الثغرات في الضوابط الإجرائية وضعف بعض آليات الطعن القضائي مقارنة بالتجارب المصرية والأردنية التي أعطت أولوية كبيرة لضمان حقوق المكلفين من خلال قوانين واضحة تنظم الرقابة، وتحدد سقوف السلطة الإدارية، وتؤكد على عبء الإثبات على الإدارة، وحق الطعن والاعتراض، مما يعزز الثقة بالنظام الضريبي ويحقق العدالة. لذلك، يهدف هذا الفرع إلى دراسة الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف في أسلوب التقدير الذاتي في العراق، مع عرض مقارنة دقيقة للتجارب المصرية والأردنية، وتبيان أوجه القوة والقصور والسبل الممكنة لتعزيز حماية حقوق المكلفين من تعس الإدارات الضريبية.
أولا: الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف في أسلوب التقدير الذاتي للضريبة في العراق. الضمانات الإجرائية :-
بادئ ذي بدء فأن الضمانات الإجرائية من العناصر الأساسية التي تكفل للمكلف حقوقه وتضمن عدالة الإجراءات الضريبية (19) في العراق، يُنظم أسلوب التقدير الذاتي للضريبة بموجب قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل الذي يُلزم المكلف بتقديم إقرار ضريبي سنوي يُحدد فيه دخله والمبالغ المستحقة عليه من الضريبة (20). ويُمنح المكلف الحق في تقديم الإقرار الضريبي دون تدخل من الإدارة الضريبية، مما يعزز من مبدأ الشفافية والمصداقية في النظام الضريبي (21). كما يُعتبر هذا الأسلوب من الأساليب الحديثة التي تهدف إلى تقليل العبء الإداري وتسهيل الإجراءات على المكلفين (22)، ويمثل هذا النظام خطوة متقدمة نحو تعزيز الثقة المتبادلة بين الإدارة الضريبية والمكلفين، إذ يُبنى على مبدأ حسن النية والالتزام الذاتي بأداء الواجبات المالية تجاه الدولة. فالإقرار الذاتي يُعد تصرفاً قانونياً يقوم فيه المكلف بإفصاح طوعي عن دخله الحقيقي، ما يجعل مسؤوليته مباشرة عن دقة المعلومات التي يقدمها، ويترتب عليه التزام قانوني بسداد الضريبة المستحقة وفقاً لأحكام القانون كما أن هذا الأسلوب يقلل من حالات النزاع والاحتكاك بين المكلفين والموظفين، ويحد من فرص الفساد الإداري أو التقديرات الجزافية التي كانت تثقل كاهل المكلفين في السابق. ومن ناحية أخرى يساهم التقدير الذاتي في تطوير كفاءة الإدارة الضريبية من خلال تركيز جهودها على الرقابة اللاحقة والتحقق من صحة الإقرارات، بدلا من التدخل المباشر في تحديد الضريبة. وبذلك يتحقق نوع من التوازن بين حق الدولة في تحصيل الإيرادات وحق المكلف في معاملة عادلة قائمة على الثقة والوضوح. ويُعد نجاح هذا النظام مرهوناً بمدى وعي ا المكلفين والتزامهم بالقواعد الضريبية، فضلا عن فعالية أجهزة الإدارة في متابعة الإقرارات وتطبيق العقوبات على من يخل بها، مما يجعل من الضمانات الإجرائية أداة أساسية لضمان عدالة النظام الضريبي واستقراره.
ومع ذلك، يُلاحظ أن التطبيق الفعلي لهذا الأسلوب يواجه تحديات عدة، منها ضعف الوعي الضريبي لدى المكلفين، مما يؤدي إلى تقديم إقرارات غير دقيقة تؤثر على صحة التقدير الضريبي(23). كما أن البيروقراطية الإدارية قد تعيق سرعة معالجة الإقرارات الضريبية، مما يؤثر سلبًا على فعالية النظام الضريبي (24).
الضمانات القضائية: تعد الضمانات القضائية من الوسائل الفعالة لحماية حقوق المكلفين وضمان عدالة التطبيق ففي العراق، يُمنح المكلف الحق في الاعتراض على التقديرات الضريبية الصادرة عن الإدارة الضريبية، مما يُمكنه من الدفاع عن حقوقه وتقديم دفوعه (25).
ويتيح القانون للمكلف حق الطعن أمام المحاكم المختصة في القرارات الصادرة عن الإدارة الضريبية، مما يُعزز من حماية حقوقه ويُؤكد على استقلالية القضاء (26). ومع ذلك، يُلاحظ أن الإجراءات القضائية قد تكون طويلة ومعقدة، مما قد يؤدي إلى تأخير حصول المكلف على حقوقه (27)
ولكن ورغم وجود هذه الضمانات، إلا أن التطبيق الفعلي لها يواجه تحديات عدة، منها ضعف الوعي الضريبي البيروقراطية الإدارية (28) ، ونقص الكوادر المؤهلة، هذه التحديات تؤثر سلبًا على فعالية النظام الضريبي وتقلل من ثقة المكلفين فيه لتعزيز الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف، يُوصى بما يلي: تعزيز التوعية الضريبية لدى المكلفين من خلال حملات إعلامية وورش عمل، تبسيط الإجراءات الإدارية وتسهيلها لتقليل البيروقراطية، وتأهيل وتدريب الكوادر الضريبية لرفع كفاءتها وإنشاء محاكم ضريبية متخصصة للنظر في المنازعات الضريبية بشكل أسرع وأكثر كفاءة، وتطوير نظام إلكتروني الإدارة الضرائب يُسهل من تقديم الإقرارات ومعالجة الاعتراضات.
ثانياً: الضمانات الإجرائية والقضائية للمكلف في أسلوب التقدير الذاتي في الدول المقارنة (مصر والأردن)
1- في التشريع المصري
اعتمد المشرع المصري نظام التقدير الذاتي بموجب قانون الضريبة على الدخل رقم (91) لسنة 2005، حيث جعل من الإقرار الضريبي المقدم من المكلف الأساس في تحديد الوعاء الضريبي ، وقد أوجب وجب القانون على الإدارة الضريبية فحص الإقرار المقدم من المكلف خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ تقديمه . وتتمثل الضمانات الإجرائية للمكلف في مصر في حقه في تقديم الإقرار الضريبي بنفسه، مع التزام المصلحة الضريبية بعدم تعديل هذا الإقرار إلا بعد إخطار المكلف وإتاحة الفرصة له للرد (29). كما نصت المادة (124) من القانون على عدم جواز تعديل الإقرار أو تقدير الضريبة جزافاً إلا بعد تمكين المكلف من إبداء وجهة نظره، مما يشكل ضمانة جوهرية ضد التعسف.
أما من الناحية القضائية، فقد كفل المشرع المصري للمكلف الحق في الاعتراض أمام لجان الطعن الضريبي، وهي لجان شبه قضائية مستقلة تشكل من قضاة وخبراء (30). كما أتاح له القانون الطعن في قرارات تلك اللجان أمام القضاء الإداري (31) . وتعد هذه الضمانات من أبرز مظاهر حماية المكلف، إذ تحقق التوازن بين سلطة الإدارة الضريبية وحقوق المكلف (32) وقد حرص المشرع على إحاطة المكلف بعدد من الضمانات التي تكفل له حق الدفاع والطعن في القرارات الضريبية الصادرة بحقه. فإذا لم يقتنع المكلف بنتيجة فحص الإقرار أو بتقدير المصلحة، جاز له الاعتراض أمام لجنة داخلية للفحص، ثم الطعن أمام لجان الطعن الضريبي التي تعد جهة شبه قضائية مستقلة نسبيًا عن الإدارة وتصدر هذه اللجان قراراتها بعد تمكين المكلف من تقديم دفوعه ومستنداته وسماع وجهة نظره بشكل متكامل. وفي حال عدم رضاه بقرار لجنة الطعن، يحق له اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في القرار أمام محكمة القضاء الإداري، التي تملك صلاحية إلغاء القرار أو تعديله إن ثبت مخالفته للقانون أو تجاوز الإدارة لسلطتها .
2- في التشريع الأردني
فقد تبنى المشرع مبدأ التقدير الذاتي في قانون ضريبة الدخل رقم (38) لسنة 2018، الذي نص في المادة (17) على إلزام المكلف بتقديم إقرار ضريبي سنوي خلال مدة محددة، مع منحه الحق في تصحيح الأخطاء الواردة فيه خلال المدة القانونية (33) كما ألزمت المادة (19) دائرة ضريبة الدخل بعدم تعديل الإقرار إلا بعد إخطار المكلف وإتاحة فرصة الرد خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التبليغ، وتتمثل الضمانات الإجرائية للمكلف في الأردن في مبدأ الإعلام والشفافية، حيث أوجب القانون على الإدارة الضريبية تسبيب قراراتها، وتمكين المكلف من الاطلاع على المستندات ذات الصلة (34). كما يتمتع المكلف بحق الاعتراض الإداري أمام مدير عام الضريبة، ثم الطعن القضائي أمام محكمة الضريبة المنشأة بموجب المادة (53) من القانون ، وتعد محكمة الضريبة هيئة قضائية متخصصة ومستقلة، وهو ما يعد نقلة نوعية في النظام القضائي الضريبي الأردني (35) فالمشرع الأردني بذلك قد وازن بين مقتضيات الفعالية الإدارية وحقوق المكلفين الدستورية، لا سيما في ضوء أحكام المادة (111) من الدستور الأردني التي تقرر مبدأ العدالة في فرض الضرائب وربطها بمقدرة المكلفين (36).
نلاحظ أن التشريعين المصري والأردني يشتركان في منح المكلف حق تقديم الإقرار الذاتي كأساس لتحديد الوعاء، وحق الاعتراض والطعن القضائي كضمانتين جوهريتين لحماية حقوقه غير أن النظام الأردني يتميز بإيجاد محكمة ضريبية متخصصة، في حين أن النظام المصري أبقى الطعن ضمن نطاق القضاء الإداري العام أما من حيث التطبيق، فقد أظهرت التجربة المصرية ميلا أكبر لتفعيل الرقابة اللاحقة على الإقرارات، في حين ركز المشرع الأردني على الرقابة الوقائية والإجرائية عبر تبسيط الإجراءات وضمان الشفافية.
ونرى مما سبق ان نظام التقدير الذاتي للضريبة يعتبر خطوة متقدمة نحو ترسيخ الثقة المتبادلة بين المكلف والإدارة الضريبية، شريطة أن يُقرن بضمانات إجرائية وقضائية فعالة تكفل حماية المكلف من التعسف الإداري. فالتجربة العراقية رغم تطورها التشريعي ما زالت بحاجة إلى تعزيز أدوات الرقابة اللاحقة وتوسيع نطاق الطعون القضائية لتكون أكثر استقلالا وشفافية. أما التجربتان المصرية والأردنية فقد حققتا تقدماً ملحوظاً في مجال الرقابة الإجرائية والحق في التقاضي، لا سيما بوجود لجان ومحاكم ضريبية متخصصة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لا يزال يعاني من فجوات تتعلق ببطء الإجراءات وضعف الثقافة الضريبية. لذا أرى أن تحقيق التوازن بين فعالية التحصيل الضريبي وصون الحقوق الدستورية للمكلف يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملا يربط بين العدالة الضريبية والكفاءة الإدارية ضمن إطار قانوني واضح ومتاح للجميع. وهنا يأتي دور الإدارة الضريبية الحيوي في حماية المال العام من الغش والتحايل من قبل المكلفين من خلال الفحص والتدقيق على الإقرارات والبيانات المالية، وكشف التهرب الضريبي، ومحاسبة المخالفين على وفق القانون وتهدف هذه الإجراءات إلى ضمان عدالة النظام الضريبي والحفاظ على الإيرادات العامة.
________
1- ينظر الى المادة (17) من دستور العراق الدائم 2005.
2- المادة (19) من دستور العراق الدائم 2005.
3- المادة (6/ أولاً) من نظام مسك الدفاتر التجارية رقم 2 لسنة 1985.
4- المادة (17) من دستور العراق الدائم 2005.
5- المادة (30) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
6- المادة (27/ اولاً) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
7- المادة (20) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
8- المادة (22) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
9-Cottier, T. (2012). The Principle of Proportionality in International Law. World Trade Institute, Bern, p. 22.
10- المادة (82) من قانون ضريبة الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005.
11- المادة (34) من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014.
12- المادة (38) من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014.
13- المادة (87) مكرر من قانون ضريبة الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005.
14- المادة (6) من دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1952.
15- المادة (35) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 38 لسنة 2018
16- المادة (21/1) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 34 لسنة 2014.
17- المادة (أ/34) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 34 لسنة 2014.
18- المادة (111) من دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1952.
19- سوزان عثمان قادر ، الضريبة على نقل ملكية العقار في ظل قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة بغداد، 2018، ص 161.
20- قانون ضريبة الدخل العراقي رقم (113) لسنة 1982 المعدل.
21- محمد علوم محمد الضمانات الدستورية للمكلف بدفع الضريبة دراسة تحليلية مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة بغداد 2018، ص 117
22- د. خلف حسين الدخيل، الأسس النظرية للضرائب، جامعة المأمون، 2024، ص 45
23- وزارة المالية العراقية، اعتماد أسلوب التقدير الذاتي في التحاسب الضريبي لكبار المكلفين 2014
24- سوزان عثمان قادر، الضمانات الإجرائية للمكلف في قانون ضريبة الدخل العراقي، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة بغداد 2018، ص 173.
25- د. أمين يوسف الرفوع، طرق تقدير وعاء الضريبة والطعن فيها في التشريعين الأردني والعراقي، جامعة الشرق الأوسط، 2021، ص 98.
26- سوزان عثمان قادر ، الضريبة على نقل ملكية العقار في ظل قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة بغداد، 2018، ص 161.
27- سوزان عثمان قادر، مصدر سابق، ص 181.
28- وزارة المالية العراقية، مصدر سابق، 2014.
29- د. عبد المنعم السيد شرح قانون الضريبة على الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005، ط1، دار النهضة العربية القاهرة 2010، ص 144
30- عبد الله إبراهيم عبد الله، الضمانات القانونية للمكلف في النظام الضريبي المصري، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 2016، ص189.
31- المادة (10) من قانون مجلس الدولة المصري رقم (47) لسنة 1972.
32- د. أحمد سعد عبد الحافظ، النظام الضريبي المصري وتطبيقاته الحديثة، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2018، ص 189
33- المادة (17) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم (38) لسنة 2018.
34- ناصر الحوامدة، الضمانات الإجرائية للمكلف في ضوء قانون ضريبة الدخل الأردني، مجلة الحقوق جامعة مؤتة 2020
35- عبد الرؤوف الكساسبة، مدى تحقق العدالة الدستورية في قانون ضريبة الدخل الأردني، المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، المجلد العاشر العدد الرابع 2018، ص 11
36- المادة (111) من دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1952 وتعديلاته.
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية


قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)