

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
مهارة مواجهة الهلع من الموت
المؤلف:
السيد مهدي الخطيب
المصدر:
مهارات الحياة
الجزء والصفحة:
ص327ــ345
2026-04-24
32
الهلع من الموت
من الموضوعات التي طالما كانت محور اهتمام علماء النفس الديني منذ القدم وحتى اليوم، موضوع الموت والمسائل المرتبطة به. فنحن البشر لا نقبل فكرة الموت بسهولة. يمكن الحديث عن ((جماليات الموت)) أو الادعاء بأنه ((لا حدث أجمل من الموت))، ولكن الواقع المباشر له يبقى مرعبًا ومخيفا بالنسبة لغالبية البشر تقريبا. نحن نحزن على الذين يموتون، ونصاب بالذعر والهلع حين نعلم أننا نحن أيضًا سنموت. الهلع يعني الخوف غير المبرر من بعض الأشياء أو بعض المواقف؛ أشياء أو مواقف يظنّها الفرد مفزعة، ومواجهتها تؤدّي إلى إثارة قلق شديد فيه وإلى توليد حالة من الاجتناب والهروب. ومع أنّ الفرد يدرك جيدا أن هذه الأشياء أو المواقف ليست خطيرة فعلاً، إلا أنه لا يستطيع التغلب على خوفه ولا إحداث شعور بالأمان في داخله.
الأشخاص الذين يشعرون بالهلع من الموت يواجهون مشكلات كثيرة على المستويين الفردي والاجتماعي فالفرد المصاب بالهلع يمتلك خوفًا غير مبرر وغير عقلاني، ويظهر ردود أفعال انفعالية قلقة، ويسيطر عليه التفكير الكارثي. الأشخاص الذين يعانون من الهلع من الموت ينبغي لهم معالجة هذه المشكلة من خلال تغيير نظرتهم إلى الموت، وتصحيح أخطائهم المعرفية وإجراء تغييرات سلوكية.
مراحل الاستجابة النفسية لخبر الموت
في السنوات الأخيرة، قدّمت أبحاث السيدة إليزابيث كوبلر روس إسهاما كبيرًا في الدراسات المتعلقة بعملية مواجهة الموت. ترى كوبلر روس أنّ الأشخاص عند سماعهم خبر موتهم المبكر يمرون بخمس مراحل الإنكار، الغضب، التوسل، الاكتئاب، والقبول.
1. الإنكار
في هذه المرحلة، ينكر الفرد خبر موته المبكر رغم علمه به. وقد يقتصر هذا الإنكار على مجرد قول ((لا)) وعدم تقبل عدم قابلية مرضه للعلاج، وقد يتخذ أيضًا طابعًا معرفيا وعاطفيا أكثر رسوخا.
2. الغضب
بعد تأكده من صحة خبر الموت، يُصاب الفرد بالغضب والانفعال. وقد يوجه هذا الغضب نحو الآخرين بل وحتى نحو الله. وإذا تحملنا غضبه، فإننا نكون قد ساعدناه مساعدة كبيرة على اتخاذ خطوة مهمة نحو القبول.
3. التوسل
مرحلة أخرى تلي الإحساس بالموت هي مرحلة المساومة والتوسل، حيث يحاول المريض بكل وسيلة أن يطيل عمره. يسعى إلى إبرام صفقة مع الله أو المساومة من أجل بقائه.
4. الاكتئاب
مرحلة أخرى يمرّ بها الفرد تتسم بانخفاض شديد في الأداء النفسي، مما يؤدي بدوره إلى تراجع أدائه الفردي والاجتماعي. في هذه المرحلة، يعاني الشخص من اليأس والاكتئاب، وقد يلجأ إلى البكاء والنحيب لتخفيف آلامه. ومن المحتمل أن يفقد المصاب رغبته في تناول الطعام ويقل تواصله الاجتماعي، ويعاني من اضطرابات النوم، ويصبح أكثر تهيجا وحساسية، وتحاصره الأفكار غير المنطقية.
5. القبول
إذا استطاع الفرد تجاوز حالاته الاكتئابية، يكون قد بلغ مرحلة قبول الوضع القائم، ومن ثم تعود حياته إلى مجراها الطبيعي ويصل إلى التكيف. أما إذا لم يستطع التغلب على هذه الحالة، فإنّ المظاهر الاكتئابية سترافقه لفترة أطول وسيتأخر في دخول مرحلة القبول.
استراتيجيات المواجهة
أ. معرفة الموت
إنَّ الموت بالنسبة لغالبية الناس ذو طبيعة مجهولة، ولهذا السبب يفرّون منه ويخشونه. إن معرفة حقيقة الموت ستؤدي إلى أن لا يروا فيه شيئًا مكروها ولا يخافوا منه، بل سيجدونه محبوباً. وقد قال الإمام الهادي (عليه السلام) في هذا الشأن، إذ سُئل الإمام الجواد (عليه السلام): لماذا يكره المسلمون الموت؟ فقال: ((لأنهم جَهِلوه فكرِهوهُ ولَو عَرَفوهُ وكانوا من أولياء الله (عز وجل) لأحَبُوهُ وَلَعَلِمُوا أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُم مِنَ الدُّنيا. ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): يا أبا عبد الله! ما بال الصبي والمجنونِ يمتَنعُ مِنَ الدَّواءِ المُنقي لبَدَنِهِ وَالنَّافِي للألم عنهُ؟ قَالَ: لِجَهِلِهِم بِنَفْعِ الدَّواءِ. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ محمدًا بِالحَقِّ نَبِيا إِنَّ مَنِ اسْتَعدَّ لِلمَوتِ حَقَّ الاستعدادِ فهو أنفَعُ لَهُ مِن هَذَا الدَّواءِ لِهَذَا المُتعَالِجِ، أَمَا إِنَّهُم لَو عَرَفوا مَا يَؤَدِّي إِلَيْهِ المَوتُ مِنَ النَّعِيمِ لَاسْتَدعَوهُ وَأَحَبُّوهُ أَشَدَّ مَا يَستَدعِي العاقِلُ الحازِمُ الدَّواء لدفع الآفاتِ وَاجْتِلاب السَّلامات))(1).
إن تغيير النظرة إلى الموت وتنظيم السلوك يمكن أن يجعل الموت الذي يبدو مفزعا محبوبًا لدى الجميع؛ إذ إنّ الموت من هذا المنظور، كدواء نافع وشفّاء يطهر جسد المريض، غير أن الإنسان بسبب جهله، يفرّ منه كطفل صغير، إن الجهل بحقيقة الموت مسألة أشير إليها مرارا في النصوص الروائية، وقد تم توضيح علاقته بهلع الإنسان من الموت. فقد رأى الإمام الهادي (عليه السلام)، عند عيادته لأحد أصحابه، أنه يبكي ويتململ من الموت. فنسب خوفه هذا إلى جهله بحقيقة الموت، ولكي يسهل لنا معرفة الموت، شبهه بالحمام الذي يُطهر الإنسان من ذنوبه. وقد قال له (عليه السلام): ((يا عبد الله! تَخافُ مِنَ المَوتِ لأَنَّكَ لا تَعرِفُهُ. أَرَأَيْتَكَ إِذَا اتَّسَختَ وتَقَذَرتَ وتَأَذَّيْتَ مِن كثرَةِ القَذَرِ وَالوَسَخِ عَلَيكَ وأصابَكَ قُروحُ وجَرَبٌ وعَلِمتَ أَنَّ الغَسَلَ في حَمام يَزيلُ ذلك كله، أما تُريدُ أن تَدخُلَهُ فَتَغْسِلَ ذلِك عَنك أو ما تكره أن لا تَدخُلَهُ فَيبقى ذلك عَلَيك؟ قال: بلى، يا ابنَ رَسول الله. قالَ: فَذاك المَوتُ هُو ذلك الحَمامُ وهُو آخِرُ ما بَقِي عَلَيْكَ مِن تمحيص ذُنوبك وتَنقِيتِكَ مِن سَيِّئاتِكَ، فَإِذَا أَنتَ وَرَدَتَ عَلَيْهِ وجاوَرَتَهُ فَقَد نَجَوتَ مِن كُلِّ غَمْ وهَمَّ وأَذًى وَوَصَلتَ إِلى كُلِّ سُرور وفرح))(2).
بفضل التغيير المعرفي الذي أحدثه الإمام (عليه السلام) في ذلك الصحابي، هدأت روحه بعد أن كان في غاية الفزع، واستسلم للموت وأغمض عينيه وفارق الحياة.
ب. تغيير النظرة إلى الموت
الشخص المصاب بالهلع على الأرجح، يحمل نظرة غير مناسبة إلى الموت، ويعاني من أخطاء معرفية متعدّدة مثل التضخيم الكارثي، والتوقع السلبي غير المبرر، والاستدلال العاطفي. وفي مثل هذه الحالة يقيم الفرد المواقف وكأنها تعمل ضده. ومن هنا، فإن تغيير النظرة إلى الموت والتعرف على الأخطاء المعرفية وتصحيحها يُعدّ خطوةً كبيرة نحو التغلب على الهلع وسنشير فيما يلي إلى بعض مظاهر تغيير النظرة إلى الموت وهي مظاهر تخرج بحقيقة الموت عن صورته المخيفة(3).
1ـ الموت: أعظم سرورٍ للمؤمنين
قد يبدو تصوّر أنّ الموت يبعث على السرور أمرا غريبًا، غير أن الصورة التي عرضها أولياء الله عن الموت بوصفه انتقالاً من دار الشقاء والعناء إلى دار النعيم الأبدي، ليست فقط صورة محببة بل ومفرحة كذلك. فقد قال الإمام الحسن (عليه السلام) في تفسيره للموت: أعظَمُ سُرور يرِدُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ نُقِلُوا عَن دَارِ النَّكدِ إِلى نَعِيمِ الأَبَدِ وأَعظَمُ ثُبُورٍ يَرِدُ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذْ نُقِلُوا عَنَ جَنّتِهِم إلى نارٍ لا تبيدُ ولا تَنفَدُ(4).
2ـ الموت: كالزهرة العطرة
تصوير الموت كزهرة عطرة وأطيب رائحة هو نظرة متميزة إلى حقيقة الموت. إن تغيير الرؤية إلى الموت يمكن أن يقودنا إلى هذا الفهم. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المَوتُ ريحانَةُ المُؤْمِنِ)(5).
إنَّ الموت للمرء المستقيم رائحةٌ مهدئةٌ مشفية مزيلة للتوتر، بينما هو للمسيء مؤلم وموجع. وللإنسان الذي يحمل أملاً في حياته، فإن التفكير في الجانب الإيجابي للموت، واستحضار نتائجه الطيبة، والسعي للوصول إلى هذه المنزلة، هو طريق أكثر فاعلية للتغلب على الهلع من الموت، بدلاً من أن يضع نفسه منذ الآن ضمن زمرة المسيئين ويغلق أمامه طريق العودة بالتوقعات السلبية والخاطئة؛ إذ بذلك يزيد من خوفه من الموت.
وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان حقيقة الموت: ((للمؤمن كأطيبِ رِيحٍ يَشُمُّهُ فَيَنعَسُ لِطيبِهِ وَيَنقَطِعُ التَّعَبُ وَالأَلَمُ كَلُّهُ عَنْهُ وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارِبِ وأَشَدَّ))(6).
3. الموت: آخر الألم
إن الدنيا التي نعيش فيها محفوفة بالألم والعناء؛ وهذه حال حياتنا في هذا العالم، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].
فالمشقة والآلام تحيط بالإنسان من كل جانب وفي جميع شؤون حياته، ولا ينال نعمةٌ إلا ممزوجةً بما ينغص عليه عيشه. وهذا الوضع يستمر مع المؤمن حتى يحتضن الموت، حيث تكون نهاية حياته الدنيوية خلاصًا من الآلام والأوجاع. وقد ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حينما زار رجلاً في سكرات الموت، أنه قال: ((المَوتُ هُوَ المَصْفاةُ يُصَفِّي المُؤْمِنِينَ مِن ذُنوبِهِم فَيَكونُ آخِرُ أَلَم يَصيبُهُم كَفَّارَةَ آخِرِ وِزرِ بَقِي عَلَيْهِم وَيُصَفِّي الْكَافِرِينَ مِن حَسَناتِهم فيكونُ آخِرَ لَذَّةٍ أَو رَاحَةٍ تَلْحَقُهُم وَهُوَ آخِرُ ثَوَابِ حَسَنَةٍ تَكونُ لَهُم))(7).
4. الموت: تحوّل وتغيير
الموت تحول وتغيير؛ تغيير يكون لبعض الناس أسهل من خلع لباس وسخ واستبداله بثوب فاخر طيب الرائحة، وللبعض الآخر، كمن يخلع ثوباً فاخرا ليرتدي لباسًا قذرا خشنًا. وهذا التغيير ناتج عما قدّمه الإنسان في دنياه. وقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في جوابه عن سؤال: ((ما الموت؟)) أنه قال: ((للمُؤمِنِ كنَزع ثيابِ وَسِخَةٍ قَمِلَةٍ وفَك قيودٍ وأغلالٍ ثَقِيلَةٍ والاستبدال بأَفخَرِ الثَّيابِ وأطيبها روائح وأوطأ المَرَاكِبِ وَآنَسِ المنازِلِ؛ ولِلكافِرِ كخَلعِ ثِياب فاخِرَة والنَّقْلِ عَن مَنازِلَ أنيسةٍ والاستبدال بأوسَخِ الثَّيابِ وأخشَنِها وأوحَشِ المَنَازِلِ وأَعظَمِ العذاب))(8).
ج. قبول الموت
إن كثيرا منا لا يستطيعون تقبل حقيقة الموت، وعند الإمكان ينكرون كلّ ما يذكرهم به ويتجنبونه، والأهم من ذلك أنهم يسعون جاهدين إلى تأخير وقوعه. ويبدو أن تحنيط الأجساد عند بعض الأقوام كان تعبيراً عن محاولة لتحقيق نوع من ((عدم الموت)). وقد ذكرت حتمية الموت ولزوميته مراراً في القرآن الكريم، وأشارت إليه نصوص روائية كثيرة. وتركيز هذه التعاليم يتمثل في الدعوة إلى قبول الموت بصدق وبكامل الوعي، والاستعداد لهذه المرحلة من الحياة وللمراحل التالية التي لا شك في وقوعها. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الموت، الموت! ألا ولا بُدَّ مِن المَوتِ، جاءَ المَوتُ بما فيه، جاءَ بالرَّوح والرّاحَةِ والكرَّةِ المُبارَكَةِ إِلى جَنَّةَ عالية لأهلِ دَارِ الخُلُودِ، الَّذِينَ كَانَ لَهَا سعيهُم وفيها رَغبَتُهُم. وجاءَ المَوتُ بما فيه بالشِّقوَةِ والنَّدامَةِ وبالكرة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دارِ الغُرورِ؛ الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعِيهُم وفيها رَغبَتُهُم))(9).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8]: تَعُدُّ السنينَ، ثُمَّ تَعُدُّ الشُّهور، ثُمَّ تَعُدُّ الأَيامَ، ثُمَّ تَعُدُّ السَّاعَاتِ، ثُمَّ تَعُدُّ النفس: {فإذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقدِمونَ}(10).
والموت بهذه الخصائص يقترب منا كل يوم أكثر فأكثر، ولا خيار أمامنا سوى أن نعده واقعا من حقائق حياتنا.
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بعبارة بليغة حيث قال: ((لو أنَّ أحَدًا يجدُ إلى البقاء سُلَّمًا، أو لدفع المَوتِ سَبيلاً، لكانَ ذلك سُلَيمانُ بنُ دَاوُدَ (عليه السلام)؛ الَّذِي سُخَّرَ لَهُ ملك الجِنِّ وَالإِنسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوفِى طُعْمَتَهُ وَاسْتَكَمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتَهُ قِسِيِّ الفَناءِ بِنبالِ المَوتِ وأصبَحَتِ الدِّيارُ مِنْهُ خالِيةٌ والمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَومٌ آخَرُونَ))(11).
د. الموت مهدد لوهم السيطرة
إن من الوظائف الأساسية للدين هو ((إحساس السيطرة)).
ومفهوم السيطرة أمرٌ ذهني، وعدم الشعور بالسيطرة قد يؤدي إلى الشك واليأس. غير أنّ بعض الأشخاص، بدلاً من أن يمتلكوا شعورًا حقيقيًّا بالسيطرة يعيشون في ((وهم السيطرة))، فيظنّون أنهم سيبقون أحياء إلى الأبد، وأنهم متحكمون في كل شيء، مهيمنون على الزمان والمكان.
ولهذا، فإنّ هؤلاء، رغم مشاهدتهم لفقدان أعز الناس إليهم وأقربهم، فإنّهم يستمرون في نهجهم السابق، وكأن الموت وحده هو الذي ينهي وهمهم في السيطرة والاستعلاء. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في هذا الصدد: ((ما رأيتُ إيمانًا مَعَ يقين أشبه مِنْهُ بشَك على هذا الإنسانِ؛ إِنَّهُ كلَّ يومٍ يَوَدِّعُ إِلَى القُبُورِ ويَشَيعُ وإلى غُرُورِ الدُّنيا يرجِعُ وعَنِ الشَّهَوَةِ وَالذُّنوبِ لا يقلعُ، فَلَو لَم يكن لابنِ آدمَ المسكينِ ذَنب يتوكفهُ ولا حِسَابٌ يَقِفُ عَلَيْهِ إِلَّا مَوتٌ يَبَدَّدُ شَملَهُ وَيُفَرِّقُ جَمعَهُ ويَوتِمُ وُلدَهُ، لَكَانَ ينبغي لَهُ أَن يحاذِرَ ما هو فيهِ بِأشَدَّ النَّصَبِ وَالتَّعَبِ))(12).
إننا نعد الموت أعظم خطر يهدّد شعورنا بالسيطرة؛ فالموت هو العدو النهائي لهذا الإحساس أو بتعبير آخر، لوهم السيطرة.
إن الحقيقة التي تؤكد أنّنا لم نُخلق للدنيا بل للآخرة، وأن الدنيا مجرد ممر لا مقرّ، وأنّها للسفر لا للبقاء، وللموت لا للحياة، كلها تدعونا إلى أن نتخلى عن أوهام السيطرة والهيمنة على أحوال الزمان، وندرك حقيقة الموت كما هي. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الإمام الحسن (عليه السلام): ((اعلم يا بني! أَنَّكَ إِنما خُلِقتَ لِلآخِرَةِ لا لِلدُّنيا وللفَناءِ لا للبقاء ولِلمَوتِ لا للحياة وأنَّك في قلعة ودار بلغَة وطريق إلى الآخِرَةِ وأَنَّكَ طَريدُ المَوتِ الذي لا ينجو منه هارِبُهُ ولا يفوتُهُ طَالِبُهُ ولا بُدَّ أَنَّهُ مُدرِكَهُ، فكن مِنْهُ عَلى حَذَرِ أن يدركك وأنتَ على حالِ سَيئة، قد كنتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنها بِالتّوبَةِ فَيَحولُ بَينَك وبَينَ ذلك، فإذا أَنتَ قَد أهلكت نَفسَك))(13).
إن فائدة الشعور بالسيطرة ليست خفيةً، إذ من خلاله يستطيع الفرد تحسين أدائه الشخصي والاجتماعي، وحتى الإيحاء بوجود هذا الشعور يساعد الناس. لكن يبدو أن الأوهام البعيدة عن الواقع، التي تخلق وهم السيطرة والتحكم، قد تبتعد بالإنسان عن الواقعية وتضعف حياته العقلانية.
هـ. الموت وإشباع الحاجة إلى الخلود
إن فكرة الفناء المطلق تُعدّ مروّعة لغالبية البشر؛ ولهذا السبب، هناك حاجة ملحة في جميع المجالات لأن نقنع أنفسنا بأن الحياة لا تنتهي أبدًا. وقد تحدّث ليفتون عن الحاجة العامة لدى البشر إلى التواصل المستمر مع الحياة وتجاوز الموت، مستخدما تعبير الخلود الرمزي، وطرح خمس طرق لتحقيق هذا الهدف: الخلود البيولوجي، الخلود الديني، الخلود الإبداعي، الخلود في الطبيعة والخلود العرفاني. وقد توصل جوكمن وفانتازيا إلى أنّ الشكل الديني للخلود هو الأقوى لدى الأفراد المؤمنين.
إن الإيمان بالحياة بعد الموت يمكن أن يلبي حاجة الإنسان إلى الخلود بصورة رمزية ويكون الموت حينئذ بمثابة معبر نحو الحياة الأخرى، فلا يكون فناءً أو عدما، بل يصبح نوعا من التغيير والتحوّل. وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) لأصحابه في شأن الموت: ((فَمَا المَوتُ إِلَّا قَنطَرَةٌ تَعبُرُ بِكُم عَنِ البُوْسِ وَالضَّرَاءِ إِلَى الجِنانِ الواسِعَةِ وَالنَّعِيمِ الدّائِمَةِ، فَأَيكم يكره أن ينتَقِلَ مِن سِجنٍ إلى قصر؟ وما هُو لِأَعدَائِكُم إِلَّا كَمَن يَنتَقِلُ مِن قَصر إلى سجن وعَذابٍ. إِنَّ أَبي حَدَّثَنِي عَن رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): أَنَّ الدُّنيا سجن المُؤمِنِ وَجَنَّةُ الكافِرِ والمَوتُ جِسْرُ هَؤُلاءِ إِلَى جَنَّاتِهِم وَجِسْرُ هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذَبتُ ولا كذِبتُ))(14).
و. المواجهة الفكرية مع الموت
كيف ينبغي أن نواجه الهجوم الفكري والهموم الذهنية بشأن الموت بالفرار أم بالمواجهة؟ هذه المسألة تواجه كثيرين؛ فالهروب من فكرة الموت أو الغرق فيها حتى حدود الوسواس المزمن لا يزيد الأمر إلا صعوبة ولن يحل المشكلة. أمّا مواجهة ما نخافه بدقة، والتفكير في الموت، وإبقاء ذكره حيا، فإنه يجعل حقيقة الموت أكثر وضوحًا ويخفف من الهواجس الذهنية، ويؤدي إلى تنظيم السلوك. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((أَفضَلُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيا ذِكرُ المَوتِ وَأَفضَلُ العِبَادَةِ ذِكرُ المَوتِ وأفضَلُ التَّفكرِ ذِكرُ المَوتِ، فَمَن أثقَلَهُ ذِكرُ المَوتِ وَجَدَ قَبره رَوضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ))(15).
إن تذكر الموت يجعلنا أكثر واقعية من ذي قبل، ويزيل الخوف الزائف المرتبط به. وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((ذكر المَوتِ يَميتُ الشَّهَوَاتِ فِي النَّقْسِ ويقلَعُ مَنابِتَ الغَفْلَةِ ويَقَوِّي القَلبَ بِمَوَاعِدِ اللهِ ويَرِقُ الطَّبَعَ ويَكسِرُ أَعلَامَ الهَوى وَيَطْفِئُ نَارَ الحرص ويحقرُ الدُّنيا(16).
ز. المعتقدات الدينية
من الوظائف الأساسية للعقائد الدينية تقليل خوف الأفراد من الموت. فكلما زاد الالتزام الديني، قل قلق الموت. وقد تبين أن الاعتقاد بالحياة بعد الموت يرتبط سلبًا بتوتر الموت أكثر مما يرتبط به مجرد التدين. ويؤكد بعض الباحثين أن الإيمان بالحياة بعد الموت يشكل محور المقاومة ضد الحزن على الموت والاكتئاب الناتج عنه. وفي دراسة شملت قرابة 1200 مسلم إيراني، تبين أن قلق الموت والاكتئاب كان أعلى بين ضحايا الحرب والمهجرين الأقل تدينا، مما يشير إلى أن الدين كان يعمل كوسادة صدمات عبر تعزيز الإيمان بالحياة بعد الموت. ويواجه الإنسان، ولا سيّما في مراحل التقدم في السن، تساؤلاً أساسيا: ما هو معنى الحياة أساسا؟ وهذه من أبرز أهداف الدين؛ إذ يمنح الموت معنًى ويضفي تفسيراً على المجهول. فنحن بالكاد نتحمل الغموض، ولدينا أسئلة والدين يزودنا بالإجابات. ويبدو أن الإيمان يحمي كبار السن من هواجس الموت المبكر، ليس فقط عبر ضمان حياة ما بعد الموت بل أيضًا عبر إضفاء القيمة والاحترام لشخص الإنسان في هذه الدنيا. ويعتقد كونك أن الدين يعمل كوسادة صدمات ضدّ قلق الموت، لأنه يمنح الفرد الأمل بأن الموت ليس نهاية الحياة.
ح. الحفاظ على العلاقات والمسؤوليات
يعتقد بعض الباحثين أن الأفراد مع تقدمهم في العمر يبدأون تدريجيا بالاستعداد للموت. وبحسب هذه الرؤية المعروفة باسم ((نظرية الانفصال))، فإنّ الأشخاص مع الشيخوخة يبتعدون تدريجيًّا عن التعلقات الدنيوية، فيتجهون نحو الموت. وعادةً ما ترتبط هذه الظاهرة بمشكلات صحيّة. غير أن انتشار المراكز التي تقدم برامج رياضية ودورات تقوية الفكر والذاكرة ساهم بشكل متزايد في الحد من انسحاب كبار السن.
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يشارك المسنون في الأنشطة الدينية. ويتضح الأثر الإيجابي لهذا السلوك: فالمسنون المتدينون يُظهرون قلقًا أقل تجاه الموت.
إن تعويض المشاغل الدينية محلّ المسؤوليات الاجتماعية المفقودة يعدّ من الأمور التي تثبت فعالية الفرد وكفاءته. وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((بَقيةُ عُمرِ المُؤْمِنِ لَا قِيمَةَ لَهَا؛ يُدرِكَ بِها ما قد فات ويحيي ما مات))(17).
وقد اعتبر (عليه السلام) أن بقايا عمر المؤمن هي أغلى من الكبريت الأحمر: ((لَيسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنَ الكبريت الأحمرِ إِلَّا ما بَقِي مِن عُمرِ المُؤْمِنِ))(18).
ط. الغمر (الغرق العلاجي)
في أسلوب الغمر، بدلاً من تعويد الفرد تدريجيًا على الموقف المخيف، يُعرض مباشرةً وبشكل مفاجئ للموقف المرعب. وقد أرشدنا الإمام علي (عليه السلام) إلى هذا الأسلوب لمواجهة المخاوف غير المبررة، إذ إنّ الهروب منها يزيد من تعقيد المشكلات. قال (عليه السلام): ((إذا هِبْتَ أَمْرًا فَقَعْ فِيهِ، فَإِنْ شِدَّةَ تَوقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ))(19).
إن مواجهة المواقف المرعبة تؤدي إلى تعويد النفس عليها.
وفيما يتعلق بالخوف من الموت، يمكن استخدام طريقة ((الغمر التخييلي))، حيث يقوم المعالج أو شخص يؤدي دوره بتصوير الموقف المخيف ويطلب من الفرد وصفه بدقة كما لو كان يحدث في الواقع. إنّ مواجهة المنبه المخيف ضمن بيئة آمنة تؤدي إلى تكييف الفرد مع مواجهة الخوف من دون هلع أو قلق مفرط.
وسواء تم تخفيف حساسية الموقف القلق عبر التدرج المنظم أو الغمر المباشر، فإنّ النتيجة واحدة: التغلب على المشكلة، إذ تؤدي المواجهة إلى تقليل الأفكار والسلوكيات الهلعية. وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((إذا خفتَ صُعوبَةً أَمرٍ فَاصْعُب لَهُ، يذِلَّ لك وخادعِ الزَّمانَ عَن أحداثِهِ تَهُن عَلَيك))(20).
ي. الاقتداء (التقليد السلوكي)
من الأساليب المستخدمة في علاج مشكلات الهلع أسلوب ((الاقتداء)). في هذا الأسلوب، يواجه المعالج أو شخص آخر لا يعاني من مشكلة الهلع ويتمتع بسلوك طبيعي المواقف المثيرة للخوف أمام الشخص المصاب، ليظهر له أن خوفه لا معنى له وغير متناسب. ويُتوقع أن يتمكن الأفراد بعد تكرار مشاهدة هذا النموذج السلوكي الطبيعي عدة مرات من التغلب تدريجيا على خوفهم. وقد يتم الاقتداء بشكل مباشر كما ذكر، وقد يتم أحيانًا بشكل غير مباشر، حيث يدرس المصاب سير حياة الأشخاص الأسوياء وردود أفعالهم تجاه المواقف التي يخشاها، فيستبدل سلوكه الهلعي بسلوك طبيعي.
في هذا السياق، يمكن الاقتداء بأولياء الدين (عليهم السلام) في مواجهتهم لموضوع الموت، وفهمهم لطبيعته، وتفسيرهم له، وطريقتهم في التعامل مع فقد الأحبة. فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كلام الإمام الحسين (عليه السلام) عن الموت، حيث شبهه بتشبيه جميل وأكد حتميّته واستقبله بنفس مطمئنة. قال: ((خُط المَوتُ عَلَى وُلِدِ آدَمَ مَخَطَّ القِلادَةِ عَلى جيدِ الفَتاةِ وما أولَهَني إلى أسلافي؛ اشتياق يعقوبَ إلى يوسف))(21).
إن سلوك المعصومين (عليهم السلام) تجاه الموت يشكل نموذجًا مناسبًا للواقعية وللتغلب على سلوكيات الهلع(22).
ك. المواجهة
أسلوب آخر للتغلب على الهلع هو مواجهة الموقف المخيف. وفيما يتعلق بهلع الموت، على الرغم من استحالة المواجهة الواقعية، إلا أنه يمكن القيام بمواجهات مرتبطة بالموضوع مثل حضور مراسم التشييع والدفن أو من خلال التصوير الذهني. بعد ذلك، يتم تحليل الانطباعات والتفسيرات الناتجة عن هذه المواجهات واكتشاف التحريفات المعرفية الكامنة فيها. إن المشاركة في مراسم الدفن تقرّبنا أكثر إلى الواقع، وهو من النتائج الإيجابية لهذه الطقوس. وقد أوصى الإمام الصادق (عليه السلام) أصحاب المصيبة بإخبار الآخرين بوفاة الميت: ينبغي لأولياء المَيِّتِ أن يؤذنوا إخوانَ المَيِّتِ بمَوتِهِ، فَيشْهَدُونَ جَنازَتَهُ وَيَصَلُّونَ علَيْهِ، فَيَكسِبُ لَهُمُ الأَجرَ ويكسِبُ لِمَيتِهِ الاستغفار))(23).
إنَّ المشاركة في هذه المراسم إضافة إلى إحيائها لذكرى الميعاد ونيل الثواب تسهم في زيادة الوعي بالواقع.
والإنسان، بدلاً من الخوف من الموت بحد ذاته، ينبغي له أن يخاف من أفعاله وما قدمه من عمل، وأن يعيد تقييمها بعناية ويسعى إلى إصلاحها.
ل. الاسترخاء الجسدي
يعدّ تعليم الاسترخاء الجسدي من التقنيات السلوكية المستخدمة في علاج الهلع. في هذا الأسلوب، يتعلم الفرد كيف يشد عضلاته ثمّ يرخيها بشكل متناوب، مما يساعده على السيطرة على الأعراض الجسدية المصاحبة للهلع. ويمكن أن يقترن الاسترخاء الجسدي بتنظيم التنفس لاستهداف التركيز الذهني أيضًا.
_________________________
(1) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص 290، ح8.
(2) معاني الأخبار، ص 290، ج 9؛ بحار الأنوار، ج6، ص 156، ح 13.
(3) تجدر الإشارة إلى أن الروايات المتعلقة بحقيقة الموت تذكر تفسيرين للموت، بحسب كون الإنسان مؤمنًا أو غير مؤمن. ونحن بالنظر إلى طبيعة الأشخاص المصابين بالهلع، ستركز على الجوانب الإيجابية للموت دون إشغال هؤلاء بما هو مخصص للكفار وغير المؤمنين، إذ نعتقد أن الإنسان يستطيع في كل لحظة أن يلتحق بصفوف المؤمنين.
(4) معاني الأخبار، ص 288، ح 3.
(5) الجعفريات، ص201.
(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 274، ح 9.
(7) معاني الأخبار، ص 289، ح6.
(8) معاني الأخبار، ح 4.
(9) الكافي، ج 3، ص 257، ح 27؛ بحار الأنوار، ج 71، ص 266، ح 13.
(10) الكافي، ج 3، ص 262، ح 44.
(11) نهج البلاغة الخطبة 182؛ بحار الأنوار، ج 34، ص 126، ح 953.
(12) بحار الأنوار، ج6، ص 137، ح 40.
(13) نهج البلاغة، الرسالة 31.
(14) معاني الأخبار، ص 288، ح 3؛ بحار الأنوار، ج 44، ص 297، ح 2.
(15) جامع الأخبار، ص 473، ح 1334.
(16) بحار الأنوار، ج6، ص 133، ح 32.
(17) الدعوات، ص 122.
(18) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 158.
(19) نهج البلاغة، ص 501، حكمة 175.
(20) غرر الحكم ودرر الكلم، ص 288، ح 4108.
(21) كشف الغمة، ج 2، ص 241؛ الملهوف، ص 126؛ نثر الدر، ج 1، ص333.
(22) للاطلاع، راجع ميزان الحكمة، ج 12، ص 5657، باب الموت.
(23) علل الشرائع، ص 301، ح 1.
الاكثر قراءة في مشاكل و حلول
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)