تهب المرأة نفسها في بعض الأحيان إلى أحد الرجال وتبرم عقد النكاح مع مجاناً، ويتفق الرجل والمرأة على عدم استحقاق المهر في كل الأوقات والحالات. قبل المجامعة وبعدها، وقبل الطلاق وبعده. في ما يصطلح عليه باسم (تفويض البضع الخاص). وتفويض البضع بهذا المعنى الخاص لا يجوز إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)[1]: (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: 50] ومثل هذا التفويض يستتبع بطلان الزواج، وتكون نتيجته عدم صدق عنوان المطلقة على المرأة؛ لأن الطلاق يتوقف على تحقق العقد الصحيح[2].
وفي أحيان أخرى يتقبل الرجل والمرأة أصل المهر، لكنهما يتفقان على تعيينه بعد العقد، حيث يكون العقد صحيحاً في مثل هذه الحالة[3]، وقد تم بيان حكمه الوضعي.
كما أنه في بعض الأحيان يتم ذكر المهر ولكن بصورة إجمالية، أما تفاصيله فتترك ليحدّدها أحد الزوجين أو أحد أقاربهما أو غيرهم، وهو ما يطلق عليـه (تفويض المهر[4]). والمراد من جملة (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] هو تفويض المهـر هذا لا تفويض البضع.
والعقد في حالة تفويض المهر يكون صحيحاً، وقد بينا أحكامه الوضعية في ما سبق لأن ظاهر (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] هو صحة الطلاق في الموارد التي لا يكون المهر فيها معيناً بالتفصيل في العقد، وصحة مثل هذا الطلاق دليل على صحة الزواج؛ لأن الطلاق لا يتحقق إلا بعد بعد الزواج الصحيح، مثلما يتوقف فسخ البيع على الانعقاد الصحيح للبيع، وكما يتوقف تحقق أصل البيع على مالية المبيع؛ لأن المبيـع لـو كان فاقداً لأصل المالية لصار البيع غير صحيح، كما أن البيع لو لم يكن صحيحاً فلا يمكن تحقق فسخه أو إقالته.
وعلى هذا الأساس فذكر المهر في نصّ عقدا عقد الزواج ليس ركناً في صحة الزواج، وعند عدم وجود المهر أو تعيين المهر الباطل في العقد يحصل وجـوب التمتيع، حيث يتمثل في حالة حصول المباشرة بإعطاء مهر المثل، وفي غير تلك الحالة بدفع المال المتعارف المراعي فيه مكانة ومنزلة الطرفين.
فالرجل والمرأة ركنان أصليان في عقد الزواج كالثمن والمثمن في عقد البيع، وبقية مسائل عقد الزواج -كالمهر- هي فروع.
وقد تساءل البعض أنه لما كان وطء الشبهة موجباً لمهر المثل فكيف لا يكون هذا المهر واجباً في النكاح الصحيح المفتقر إلى المهر المسمى[5]. وقد أوضحنا سابقاً أن الطلاق بعد المجامعة في العقد التفويضي يكون فيه مهر المثل، وأما الذي ليس فيه مهر المثل -بل يكفي فيه دفع المتاع فقط ـ فهو الطلاق التفويضي قبل المجامعة.
ونقل البعض أن رجلاً من الأنصار تزوّج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهراً، ثم طلقها من قبل أن يمسها، فنزلت آية التمتيع، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): متعها ولو بِقلنسوتك[6].
كما نقل بعض آخر: أنّ زوجاً فقيراً لا يملك شيئاً ولا تتعدى قدرته أكثر من فلس واحد، وقد برأت ذمته بهذا المقدار حيث قبله رسول الله (صلى الله عليه وآله) منه وقال: إنما أردتُ بذلك إحياء سنة؛ أي سنة وجوب دفع المتاع[7].
تنبيه: اعتبر البعض أن المتاع هو حق مالي للزوجة، بحيث يستحقه ورثتها بعد موتها، كما أنه لا يسقط بزواج تلك المرأة[8].
[1] راجع المبسوط، مج 3. 4، ج 4، ص 294؛ جواهر الكلام
[2] راجع جواهر الکلام، ج 31، ص 54.
[3] كشف اللثام، ج 7، ص 433؛ جواهر الکلام، ج 31، ص 61.
[4] قواعد الأحكام العلّامة الحلي، ص 81-82؛ كتاب الخلاف، ج 4، ص 380-381؛ جواهر الکلام، ج 31، ص 66؛ المبسوط، مج 3-4، ج 4، ص 297.
[5] التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 135.
[6] الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3، ص 184.
[7] راجع: رحمة من الرحمن، ج 1، ص 356.
[8] راجع: الجامع لأحكام القرآن، مج2، ج 3، ص 184-185.