هناك ثلاث مجموعات من الآيات حول الآثار الوضعية للطلاق، أي مسؤولية الضمان والمال:
1. الآيات المؤسسة للأصل، والتي تدلّ بصورة مطلقة على وجوب دفع الزوج مقداراً من المال إلى زوجته حين الطلاق: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241].
ولم يرد أي حديث في هذه المجموعة من الآيات عن دفع كامل المهر أو نصفه، بل تم الاكتفاء بذكر دفع المال.
وكلمة (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ) [البقرة: 241] التي هي جمع محلّى بالألف واللام، تشمل جميع النساء المطلقات المدخول بها، ذات المهر المعيّن، وغير المدخول بها والتي ليس لها مهر (معيّن). لكنها لا تشمل النساء اللاتي انتهت منهنّ علاقة الزوجية بسبب وفاة الزوج أو الفسخ أو العيب.
وجدير بالذكر أن مفردة (حَقًّا) [البقرة: 241] في جملة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] هي مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (حق)، وهو إشارة إلى وجوب دفع المتاع لا استحبابه، مثلما يفهم العرف من جملة (حق في ذمة فلان) مطلوبيته؛ فيكون ذكر كلمة المتقين قد جاء بسبب احترامهم للقانون الإلهي ودفعهم لحقوق الآخرين، لا أن معنى ذلك أن الناس غير المتقين ليسوا مشمولين بوجوب دفع المتاع إلى النساء المطلقات.
وما ذكرناه عن جملة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] ينطبق أيضاً على جملة (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236] في الآية التي هي مورد البحث.
2. الآيات الكثرى تحديداً من جهة الموضوع من المجموعة الأولى؛ لأنها تختص بطلاق المرأة التي لم تتم مباشرتها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ) [الأحزاب: 49] لكنها مثل المجموعة الأولى مطلقة يتم تقييدها بالمجموعة الثالثة لأن المرأة المطلقة التي لم تتم مباشرتها إما أن يكون لها مهر معين أو لا يكون، وعلى هذا الأساس يكون دفع المتاع والمال للمرأة المطلقة واجباً؛ لأن (فَمَتِّعُوهُنَّ) [الأحزاب: 49] (أمر) وهو ظاهر في الوجوب.
ولا ضير في الإشارة إلى أنّ كلمة (نكاح) في جملة (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [الأحزاب: 49] تشير إلى النكاح المصطلح الفقهي (عقد الزواج) بقرينة جملة (مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: 237] لا إلى معناها اللغوي، أي (المساس) و(المباشرة)، على الرغم من إمكانية حمل الكلام على المعنى اللغوي أحياناً طبقاً لشاهد داخلي أو خارجي.
3. الآيات التي تبين حدود وقيود المجموعتين الأولى والثانية، وتفرّق إحداهما عن الأخرى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: 236-237].
فبناء على الآية الأولى يجب على الزوج أن يدفع إلى المرأة التي طلقها مبلغاً من المال بالمقدار الذي تعارف الناس عليه وبما يتناسب مع مكانة الزوجين سواء كان المهر المعيّن مذكوراً في عقد الزواج أم لم يكن، وسواء باشرها أم لم يباشرها. وعلى هذا فدفع المتاع المعروف. وهذا الدفع يستفاد من فعل (وَمَتِّعُوهُنَّ) [البقرة: 236] لا من المصدر الذي هو مفعول مطلق ـ يعود إلى المرأة المطلقة التي لم يتم تعييين مهر لها في نص العقد؛ لأنه إن شككنا في أن مرجع ضمير (هن) في (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) [البقرة: 236] هو كلمة (النساء) في (إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) [البقرة: 236] والحكم الوضعي تبينه جملة (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] أو أنّ ذلك الضمير وضمير (هن) في (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) هو مرجع واحد، والعبارة الأخيرة لا تبيّن إلّا الحكم الوضعي، فالقدر المتيقن هو الاحتمال الثاني.
وعلى هذا الأساس فجملة (وَمَتِّعُوهُنَّ) [البقرة: 236] هي التي تبين الحكم الوضعي لعبارة (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] التي تغطي صورتين من صـور عـدم حرمة الطلاق الأربعة. وهكذا تكون الآية الأولى قد أوجبت على الرجل أن يعطي مـا تعارف الناس عليه من مبلغ إلى المرأة المطلقة التي لا مهر لها كي يرضيها.
وإضافة إلى القدر المتيقن الذي هو دليل لبّي، فالآية الثانية التي هـي مـورد البحث: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: 237] تقيد الآية الأولى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ) [البقرة: 236] كما أنها تقيد المجموعتين الأولى والثانية من الآيات الخاصة بموضوع الحديث، والتمتيع في هاتين المجموعتين من الآيات هو دفع المهر المسمى؛ لأنّ منطوق الآية الثانية التـي هـي مـورد البـحـث يشير إلى وجوب ضمان الزوج لدفع نصف المهر عند طلاق المرأة التي لها مهر معين في نص العقد ولم يتم مباشرتها، كما أن مفهوم الآية يدل على وجوب دفع الزوج كامل المهر إلى المرأة المطلقة التي لها مهر معين في نص العقد وتمت مباشرتها.
كما أنه بناءً على آية (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) [النساء: 20] فلا يحق للزوج أن يأخذ ـ في مقابل الطلاق ـ شيئاً من المال الذي أعطاه للمرأة، إلّا في طلاق الخلع والمباراة الذي يجوز فيـه أخـذ المهر المسمى. ومن هنا لا يكون وجوب دفع المتاع مطلقاً كي يوجب على الزوج أن يدفع إلى المرأة مالاً إضافياً على مهرها، بل إنّ ذلك خاص بالمرأة التي لم يتم تعيين مهر لها في نص العقد، حيث تقول الروايات[1] إنّه في حالة وقوع المباشرة فالتمتيع ودفع المال هنا يطابق دفع مهر المثل، وفي حالة عدم المباشرة يتمثل بالتمتيع ودفع المال المتعارف الذي يرضى به العقل والنقل والعرف.
وتقابل الآيتين الأولى والثانية التي هي مورد البحث هـو شـاهـد آخر أيـضـاً على عدم وجوب التمتيع بصورة مطلقة؛ لأنّ الآية الأُولى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] تبين الحكم الوضعي للطلاق في حالة عدم تعيين المهر في نص العقد، والتقابل المذكور قرينة على أنّ المراد من (وَمَتِّعُوهُنَّ) [البقرة: 236] في الآية الأولى هو وجوب التمتيع وإعطاء المال في الطلاق المقترن بعدم تعيين المهر في نص العقد.
وهناك شاهد آخر أيضاً، هو صدر الآية الأولى التي هـي مـورد البحث: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) [البقرة: 236] لأن الحرف (على) يفيد وجوب التمتيع، كما أن الغني والفقير سواء في الطلاق عندما يكون المهر معيناً في نص العقد؛ إذ يجب على الغني أن يدفع المهر المعين، أما الفقير فيجوز له في قضية دفع المهر المعين أن يعمل بهذه الآية: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ) [البقرة: 280]. لكن عندما لا يكون المهر معيّناً، فهنا يجب التمتيع، أي تمتيع المرأة بالمال، وهنا يجب مراعـاة إمكانية الرجل كي لا يكون أفراط هناك ولا تفريط، كما هي الحال في الطلاق الرجعي الذي يجب أن يكون الإنفاق والإسكان فيه بمقدار وسع الرجل:، (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: 6]. (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7].
وخلاصة الكلام أنّ آيات المجموعتين الأولى والثانية التي اعتبرت التمتيع واجباً، وبعد خروج حالات دفع المهر المسمى، وما ذكرتـه الـروايات من دفـع مهل المثل عند عدم وجود المهر المسمّى وتحقق المباشرة الزوجية، لا تبقى مشمولة بالتمتيع الواجب. الذي يختلف عن المهر المسمّى ومهر المثل ـ إلا المرأة المطلقة الفاقدة للمهر المسمّى والتي لم تتم مباشرتها.
وفي ختام هذا القسم نشير إلى أنّ المرأة المتوفى عنها زوجها ليست مشمولةً بأي مجموعة من مجاميع الآيات الثلاث المذكورة؛ لأنّ موضوع هذه الآيـات هـو النساء المطلقات، في حين لا تعتبر زوجة المتوفّى مطلقة. ولا شك في أن المرأة التي لم تتم مجامعتها بعد عقد النكاح وتوفّى عنها زوجها في هذه الحالة، رغم عـدم شمولها بأدلة التمتيع. لأن دفع المتاع لا يكون إلا في حالة الطلاق ـ إلّا أنّ زواجها لو كان بتفويض البضع بمعناه المشروع. الذي سوف نوضحه لاحقاً ـ فرغم عدم تمتعها بمهر المسمّى أو مهر المثل أو نصف ذلك، إلا أنها مشمولة بحق الإرث لشمول أدلّة إرث الزوجة لها، كما أنها محكومة بمراعاة عدة الوفاة؛ لأن إطلاق دليل عدة الوفاة يشمل المرأة التي لم تتمّ مجامعتها أيضاً.
[1] وسائل الشيعة، ج 21، ص 269.