0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

أوغوسطوس والشرق (رومة وبرتية)

المؤلف:  أسد رستم

المصدر:  عصر أوغوسطوس قيصر وخلفائه 44 ق.م.– 69 ب.م

الجزء والصفحة:  ص 188 ــ 197

2026-08-26

21

+

-

20

ويرى رجال الاختصاص أن البرتيين لم يحبوا الاعتداء، ولم يبالوا كثيرًا، ولكن بومبايوس أقحمهم إقحامًا بتدخله في شئون أرمينية، وجعلها محمية رومانية، وأنه لو اكتفى بالفرات حدًّا فاصلًا لوفر على نفسه وعلى خلفائه من بعده مشقة وعناءً وإسرافًا (1)، ويرى رجال الاختصاص أيضًا، أن كبار الرومانيين اعتنفوا حروب برتية اعتنافًا، وأن شيشرون قال قولًا صحيحًا، عندما أكد أنه لم يكن للرومانيين عذر يؤاخذون البرتيين به ويعاقبونهم عليه، وأنهم هم الذين أساؤا واعتدوا، والواقع أن بومبايوس قطع ﻟ «فرآتس Pharaates» الثالث ملك برتية وعودًا في أثناء القتال في أرمينية، لم يبر بها عند التصفية، وكان أهم هذه الوعود الاعتراف بسلطة فرآتس على كل ما في الجزيرة حتى الفرات، ثم تآمر أولاد فرآتس عليه وقتلوه في حوالي السنة 57، واختلفوا في الخلافة، وتولى الملك «أورودس Orodes» الثاني، فخرج أخوه الأصغر متراداتس عليه، وسك النقود باسمه، فتدخل القائد سوريناس البرتي، وأعاد الملك لأورودس، ففر متراداتس والتجأ إلى «غابينيوس Gabinius» بروقنصل سورية، فتبنى ممثل رومة قضية المتمرد الثائر وعَبَر الفرات في السنة 55 مدافعًا مقاتلًا، وكان بطليموس الحادي عشر قد أُكره على الخروج من الإسكندرية واللجوء إلى رومة، وكان قد استمال بومبايوس بوعود نجهلها، فكتب هذا إلى غابينيوس موجبًا التفاهم مع بطليموس، فوجد غابينيوس عرض بطليموس مغريًا، فعاد إلى سورية، وقام منها إلى مصر، وأعاد بطليموس إلى عرشه، متقاضيًا عشرة آلاف وزنة، فاستعل سوريناس البرتي الموقف، وحصر متراداتس في سلفكية، وأخذها عنوة، وأمر بمتراداتس فقُتل.

وكان اتفاق الثلاثة لا يزال ساريًا في رومة، فاجتمعوا في لوكة في السنة 55، واتفقوا على أن يتولى القنصلية بومبايوس وكراسوس، وعلى أن يتولى كراسوس شئون سورية، وأن يستولي على برتية ويُدخلها في حوزة رومة، ولعلَّ السبب في ذلك، أن كراسوس كان قد بدأ يشكو من مركب نقص، فكل من زميليه في الاتفاق الثلاثي كان قد أحرز نصرًا بعد نصر، ونال حمدًا بعد ثناء، أما هو، فإنه قد ناهز الستين وثقل سمعه، ولم يكن لديه ما يفاخر به إلَّا المال والثروة، فأحب أن ينال الشهرة والمديح اللذين نالهما زميلاه، ولعله كان لا يزال رغيب العين واسع المطامع، يرغب في الاستيلاء على سلفكية التي على دجلة لاحتكار تجارة الحرير وغيره من سلع الشرق الأقصى، التي كانت تمر في أسواق هذه المدينة (2)، وجاء في التقليد الروماني أنه كان يتشوَّق إلى أبعد من هذا، إلى التوسع في الشرق والوصول إلى المحيط الأقصى، وكان كراسوس ملمًّا بالتاريخ والجغرافية، ولكنه كان يجهل أخبار البرتيين وأحوالهم، فظن أنهم من طبقة الأرمن، وذكر انتصارات لوكولس على هؤلاء، فالتبس عليه وجه الصواب، وتوقع فتحًا يسيرًا.

وصدر في السنة 55 القانون التريبوني (3)، فتولى كراسوس ولاية سورية لمدة خمس سنوات بصلاحيات فوق العادة، وقام يجند فلم يلقَ إقبالًا، وعارضه «الأفضلون Optimates» مؤكدين أن البرتيين لم يسيئوا إلى رومة، وأن الهجوم عليهم يُعد تهجمًا وجورًا، وضُرب اليوم الخامس من تشرين الثاني سنة 55 موعدًا لخروجه من رومة على رأس جنوده، وارتدى بزته الرسمية، وحاول الخروج فجاش الشعب من الحَنَق، وبات يزفر وينفخ، وجلس التريبون «أتيوس كابيتو Ateius Capito» في باب المدينة إلى جانب مجمرة من النحاس ينتظر مرور كراسوس، فلما وصل كراسوس إلى الباب لفظ التريبون لعنات تقليدية هوت بكراسوس إلى مقر آلهة الجحيم، وأقلع كراسوس بجيشه من برنديزي إلى ديراكيوم عبر الأدرياتيك، ثم اتجه شطر سورية فوصلها في ربيع السنة 54، وتسلَّم زمام السلطة وقيادة الجيش فيها من غابينيوس، ونهض بجيشه إلى الفرات، وغزا الجزيرة، ثم عاد إلى سورية منتظرًا ربيع السنة التالية.

وفي ربيع السنة 53، عبر كراسوس الفرات عند «جرابلس Zeugma» بحوالي ثمانية وعشرين ألف ماش وأربعة آلاف فارس، وسار في ركابه كل من ابجر الثاني ملك الرها، و«ألخوذونيوس العربي Alchaudonius» بخيالتهما، وصمد سوريناس بعشرة آلاف فارس عند تقاطع الطرق بين «حران Carrhae» و«خنز Ichnae»، وما كاد كراسوس يصل بقواته منطقة حران حتى أُطبق البرت عليه، فذبحوا عشرة آلاف وأسروا عشرة أخرى، وفرَّ الباقون، وخرَّ كراسوس نفسه صريعًا (4).

وكان سوريناس الرجل الثاني بعد الملك طويل القامة، جميل الطلعة، كثير الموارد، غنيًّا ينفق على فرسانه من جيبه، وكان حاد الذهن، دقيق الفهم، ثَبْت الجنان، رابط الجأش، فلما تقمَّص لباس العز في حرَّان قام إلى سلفكية التي على دجلة، ودخلها في موكب تصاغرت عنده الهمم، فحُمَّ أورودوس له حسدًا، ونظر إليه بعين مريضة، وخشي سوء العاقبة، فأُمر به فقُتل، وتسلَّم قيادة جيشه «بكوروس Pacorus» ابن أورودوس.

واستعاد أورودوس سلطته في الجزيرة حتى الفرات، بما في ذلك نصيبين ومنطقة «غورديانة Gordyane» بينها وبين أرمينية، ونوى غزو سورية في السنة 52، ولكن مقتل سوريناس أفكَّه عن ذلك، ولم يعبر ابنه بكوروس الفرات قبل السنة 51، ولم يكن بكوروس من أكفاء سوريناس ولا من أشباهه، فجلَّ ما فعله أنه أغار على سهول سورية الشمالية، واستنهض همم العناصر المعارضة، ولكن فرسانه لم يقووا على حصون أنطاكية، ولما اقتحموا أنتيغونية الصغيرة في السنة 50 فاجأهم كاسيوس(5) وباغتهم من حيث لم يحتسبوا، فولوا مدبرين واستقروا بضعة أشهر في «القوروشية Cyrrhestice» في شمال حلب وشرقها، ثم أفسد البروقنصل الجديد «بيبولس Bibulus» بين أورودوس وابنه بكوروس، فعبر هذا الفرات بجموعه في تموز السنة 50.

وأدى مصرع كراسوس إلى زعزعة تحالف الثلاثة من الناحية المالية، وإلى اختلال التوازن بينهم، ثم تولى بومبايوس أمور الشرق، ولكنه لم يبرح رومة، فناب عنه في حكم ولايات الشرق ممثلون شخصيون، واهتم يوليوس لشئون الغرب، ولا سيما لثورة غالية، ثم جاءت الحرب الأهلية (49–46) وانتهت بمصرع بومبايوس، وتولى يوليوس أزمة الحكم وانفرد بالسلطة، ثم اغتيل اغتيالًا (44)، فجاء حكم الثلاثة والأخذ بالثأر، وعبر بروتوس وجماعته الأدرياتيك، وباتوا ينتظرون تطور الموقف ووقوع معركة حاسمة، فرأى كاسيوس أن يستعين بالبرت، فأوفد أحد ضباطه «لابيانوس Quintus Labienus» ابن «طيطس Titus» لابيانوس القائد في حروب قيصر، إلى بلاط أورودوس ملك البرت يزف إليه حاجة أسياده، وانتحر كل من كاسيوس وبرتوس بعد معركة فيليبي (42)، فوجد لابيانوس نفسه لاجئًا مقطوعًا في بلاط البرت، وكان عدد من وجهاء تدمر قد لجئُوا إلى البلاط نفسه فتعاون لابيانوس وهؤلاء على إقناع بكوروس بوجوب استغلال الظرف العسكري وخلو آسية الصغرى وسورية من الجند لإدخالهما في حوزة برتية (41)، وكان أنطونيوس قد عين «ديكيديوس سكسة Decidius Saxa» واليًا على سورية، ولكنه لم يرفقه بجنود بررة، فاضطر سكسة أن يستعين بما كان قد بقي في سورية من جنود أفسدت قلوبهم السياسة، فباتوا مضطربين مشوشين، ولم يتجاوز مجموع عددهم الفرقتين.

وعبر لابيانوس وبكوروس الفرات، ودخلا سورية فتخلى قسم كبير من الجنود الرومانيين عن سكسة، فانكسر في الميدان، وخسر «نسره»، واضطر أن يتراجع حتى امباية، وأن يمتنع فيها، ثم استسلمت ابامية وأنطاكية ففرَّ سكسة إلى قيليقية، وقُتل وانتحر فيها أو في قبرس، وانشطر الجيش البرتي شطرين في قيليقية، فتولى لابيانوس قيادة القوات في آسية الصغرى، ونهض بكوروس إلى سورية والجنوب، وكان أنطونيوس قد تشاغل عن تدبير شئون آسية الصغرى، فلم يلقَ لابيانوس مقاومة تُذكر، وتمكن من فرض سلطة البرت على معظم آسية الصغرى، وكان أورودس قد عينه قائدًا، ففاخر هو بهذا اللقب — كما مرَّ بنا — وسك نقودًا نقش عليها العبارة Particus Imperator، وما فتئ متسلطًا حتى كسره «فنتيديوس Vendidius» في السنة 39 وقتله.

وأطل بكوروس على سورية، ودخل مدنها بدون مقاومة، وأيده أمراؤها وصادقه مالك ملك الأنباك، أما صور، فإنها ظلت حرة لمناعة موقعها وقوة رجالها في البحر، ورحب بقدومه متتياس Antigonus ابن أرسطوبولس، وقدَّم ألف وزنة وخمسمائة امرأة من نساء أخصامه ومناظريه، فدخل بكوروس أورشليم، وجلس على العرش فيها، وفرَّ هيرودس صديق رومة، ولجأ إلى كليوبترة في مصر، ثم ركب البحر إلى رومة، واعترف اليهود بفضل البرتيين، واعتبروهم طوال قرن كامل أصدقاء بررة مخلصين.

واندلعت ثورة في السنة 40 نفسها في اليرية، وانطلق «البرتينيون Parthini» باتجاه مقدونية مخرِّبين مهددين، وكادت إمبراطورية رومة في الشرق تنهار انهيارًا، فاضطر أنطونيوس أن يتدبر الأمور بحكمته، وأن يتخذ إجراءات سريعة لإنقاذ الموقف، ولم يكن لديه سوى أربع وعشرين فرقة وعشرة آلاف فارس غالي وإسباني، فوكل القيادة في البلقان إلى «بوليو Pollio»، ووضع تحت تصرفه إحدى عشر فرقة، وأنفذ «فنتيديوس Ventidius» إلى آسية والشرق بإحدى عشرة فرقة أخرى، وظل هو في إيطالية يعالج أمورها.

وجهز فنتيديوس رجاله بالمقاليع، واستبدل حجارتها بقطع من الرصاص، ورأى في هذا السلاح ما يقيه شر النبال البرتية؛ لأن مدى المقلاع كان أطول من مدى السهم، ولم يعلم أن سقوط سوريناس كان قد أعاد نبلاء البرت وخيولهم المدرعة الثقيلة cataphractes إلى الميدان بدلًا من خيول العامة وأقواس فرسانها وسهامهم، وقد يكون الفضل في اعتماد المقاليع لأنطونيوس، وقد يكون لفنتيديوس، ولا نعلم الشيء الكثير عن أعمال فنتيديوس في الشرق، ولا يجوز الاطمئنان إلى أخبارها، فما دوَّنه سلوستوس جاء نقلًا عن فنتيديوس للرد على أنطونيوس، ونقلًا عن أخصام أنطونيوس، الذين مجدوا فنتيديوس للحد من نفوذ أنطونيوس.

وباغت فنتيديوس خصمه، فنزل في ساحل ولاية آسية في أوائل السنة 38، فاضطر لابيانوس أن يتخلى عن كارية، وأن يفر إلى قيليقية، ويمتنع في منحدرات طوروس، ويطلب النجدة من بكوروس من سورية، فاتخذ فنتيديوس مراكز مماثلة، وجمع بكوروس جميع قواته في سورية، وخرج منها إلى قيليقية، وهاجم فنتيديوس منفردًا، فارتد على أعقابه، وتبين أن رصاص المقاليع الرومانية كان يخرق سلاح البرت خرقًا، ثم هاجم فنتيديوس لابيانوس في معسكره ففر وقُتل، وصمد بكوروس في ممرات الأمانوس، ولكنه لم يثبت في وجه الرومان، ففر هو بدوره وعبر الفرات، واتجه فنتيديوس جنوبًا؛ ليقتص من متتياس اليهودي، وينزله عن عرشه، ولكن متتياس رشاه، فعاد إلى شمال سورية متوقعًا هجومًا برتيًّا أو أرمنيًّا، وعاد بكوروس إلى الهجوم في ربيع السنة 38، وعبر الفرات في مجراه الأعلى عند سميساط، واتجه شطر القوروشية، فوجد فنتيديوس صامدًا له في أحد المرتفعات بالقرب من جبل «جندروس Gindarus»، فهجم بكوروس بخيالته على معسكر فنتيديوس، ولكنه مني بالفشل وقُتل، فولى من نجا الأدبار، وعبروا الفرات.

وناءَ مقتل بكوروس بوالده وأرهقه، ففَتَر وضعُف، فعين ابنه فرآتس الرابع خلفًا له، ثم نفد صبر الوريث ففتك بوالده الشيخ واستأثر بالسلطة، فعُرف بالقاسي، وعزا فرآتس الكارثة التي حلت بالجيش في الغرب إلى تدخل الأشراف في شئون الدفاع والحرب وإبعاد المواطنين العاديين الحاذقين في رمي السهام عن متون الجياد وساحات الوغى، فاضطهد النبلاء وأقام «موناسه Monases» حامي الحدود الغربية قائدًا عامًّا، وكان موناسه من أكبر الكبراء وأغنى الأغنياء، فادعى أنه من المغضوب عليهم وقصد أنطونيوس مستجيرًا لاجئًا، فخفَّ أنطونيوس ولبَّى، ومنحه إمارة ألخوذونيوس ووعده بعرش برتية، ولكن موناسه تقوَّى فجأة في ربيع السنة 36، وشَجُعَ وعاد إلى برتية، وتسلَّم قيادة جيشها!

 

figure

قوس روماني جبار catapulta.

وكان أنطونيوس قائد خيالة قديرًا ومناورًا شجاعًا، ولكنه لم يكن كفؤا للقيادة العامة ولوضع الخطط، فإنه هدف إلى إخضاع برتية واحتلالها قبل أن يؤمن خط اتصاله بقواعده في سورية باحتلال أرمينية، واكتفى — فيما يظهر — بوعود «أرتاوسده Artavasdes»، وخضوعه بعد موقعة صغيرة جرت بينه وبين القائد الروماني «كنيديوس كراسوس Canidius Crassus»، ونسي أن مصلحة أرمينية قضت بالتملق للطرفين، والتفريق بينهما عند الاقتضاء، وأن الأرمن كانوا أقرب لتفهم البرتيين والتعاون معهم منهم إلى رومة والرومانيين، ونسي أن الشرق أيضًا كله كان قد سئم أساليب رومة في الحكم، وتفرُّق كلمتها وانقسامها بعضها على بعض وحروبها الأهلية.

figure

منجنيق روماني ballista.

 

وتبنى أنطونيوس خطة يوليوس في السير، فهاجم برتية من الشمال من أرمينية لا من الغرب، وما كاد القتال يبدأ حتى انحرف ملك أرمينية الصديق الموالي إلى جانب برتية، فاستولى البرت على كميات كبيرة من العتاد والمؤن، التي كانت تُنقل عبر أرمينية، وكان أنطونيوس آنئذٍ يحاصر «أفراسبة Phraaspa» عاصمة مادي الصغرى، فوجد نفسه فجأةً مفتقرًا إلى معدات الحصارة، ثم أحاط البرت به من كل جانب، وقطعوا عنه المدد، فاضطر إلى التراجع والانسحاب، وكادت الكارثة تقع، ولكن أنطونيوس تداركها بانتفاضة شديدة، فشارك جنوده الشقاء والتعب، وعاد بهم إلى سورية في السنة 35ق.م. (6)، وكتب إلى كليوبترة يخبرها بما جرى ويطلب معونتها، واستقر في الساحل اللبناني في الجية Leuke Kome بين بيروت وصيدا ينتظر المدد، وطال الانتظار، وبدت علائم القلق، وكاد أنطونيوس يسيئ فهم كليوبترة، ويعتبر تأخرها مُحطًّا بكرامته، وضاق صدره فلجأ إلى الخمر يلتهي بها، فإذا ما استفاق أطل على البحر يبحث في الأفق مرتقبًا طلائع المدد، وبعد انتظار دام طويلًا أطلت فرعونة مصر، تحمل المال والملابس لجنود زوجها الجديد، وفي السنة 34 جند أنطونيوس حملة جديدة على أرمينية استعاد بها بعض ما كان قد فقده من نفوذ في الأوساط العسكرية في الشرق (7).

وجاءت السنة 30 وصفَّى أوغوسطوس حساب أنطونيوس وكليوبترة، وأدخل مصر في حوزة رومة، وأنهى الحرب الأهلية وعاد إلى سورية، فانتظر الرومانيون زحفًا على برتية لمحو العار الذي لحق برومة، ولكن أوغوسطوس قام إلى آسية الصغرى ودبر شئونها قدر المستطاع وعاد إلى رومة، وكان يعلم حق العلم أن ظروف برتية الداخلية كانت موآتية لتجريد حملة عليها، وأن جيشه كان كفؤا لذلك، ولكنه رأى بثاقب نظره واتساع أفقه أن معالجة قضية برتية وأرمينية بالطرق السلمية وبالسياسة أجدى وأنفع، فالحرب الأهلية كانت قد انتهت، وكلمة رومة كانت قد توحدت، وكان «تيريداتس Tiridates» مناوئ فرآتس الملك الجالس لاجئًا مقيمًا في سورية مستعدًا للتدخل في شئون برتية عند أول إشارة تبدو من أوغوسطوس، وكان ارتفسده قد أمسى ملكًا على أرمينية الصغرى، يهدد مناظره «أرتكسه Artaxes» ملك أرمينية الكبرى، وكان أخوا أرتكسه رهينين في قبضة أوغوسطوس، ومن هنا ترحيب أوغوسطوس في السنة (30-29) بوفد فرآتس، وتأكيده أنه لن يسمح لتيريداتس بإزعاج خصمه الجالس على العرش (8)، واكتفى أوغوسطوس بهذا القدر من التفاهم، ولم يحرك ساكنًا قبل السنة 20، ولكنه أبقى في مكان ما في سورية أربع أو خمس فرق تساندها قوات مساعدة، ويجوز الافتراض، بناءً على ما نعلمه عن الأمكنة التي أقام بها الجيش الروماني بعد هذا التاريخ، إن هذه الفرق والقوات المساندة لم تستقر عند الفرات، بل أبعد من هذا إلى الغرب.

وألحت الأوساط الرومانية المثقفة بوجوب إخضاع الشرق كله حتى الهند أو الصين، وإدخال برتية في حوزة رومة (9)، ولكن أوغوسطوس كان أعقل وأبعد نظرًا من هذا، فإنه لمس تجانسًا بين سكان حوض المتوسط ووحدة في طبيعة أرضه ومناخها، ورأى أن رومة كانت قد توصلت إلى حدود هذا الحوض الطبيعية، وأن هذه البلدان جميعها كانت بحاجة إلى أمن وعدل واستقرار أكثر منها إلى توسع وسيطرة، ولولا تطرف بعض الأوساط الرومانية إلحاحها لجعل من مجرى الفرات حدًّا طبيعيًّا فاصلًا بين رومة وبين الشرق وراء الفرات (10).

وكان لوكلوس قد اعترف بالفرات حدًّا فاصلًا، وكان بومبايوس قد وافق على ذلك بادئ ذي بدء، ولكن الرومانيون آنئذٍ آثروا اعتماد أمراء وطنيين في حكم المناطق المتأخرة، أو ما كان منها صعب المنال، ورغبوا في إنشاء دويلات فاصلة عند الحدود، تتحمل صدمات القبائل المجاورة (11)، ورأى بومبايوس أن يجعل من أرمينية دولة فاصلة موالية لرومة، فأورث أوغوسطوس مشكلة لا بد من معالجتها وحلها، ومما زاد في الطين بلة أن الأرمن — كما سبق وأشرنا — كانوا أقرب إلى البرتيين في العادات والأخلاق وطرق المعيشة والدين، منهم إلى رومة (12)، وكان بإمكان أوغوسطوس أن يعتمد واحدًا من حلول ثلاثة: إما أن يتغاضى عن أرمينية، ويطلق يد برتية فيها، ويجعل الفرات حدًّا فاصلًا، وإما أن يدوِّخ أرمينية، ويضمها إلى الدولة الرومانية، وإما أن يضمن ولاءها وإخلاصها ويبقي على استقلالها، فيعتبرها دولة فاصلة، وكان الحل الأول وَعْرَ المرتقى لما كان قد لحق برومة من ذل وهوان في حروب أرمينية وبرتية السابقة، ولم يرَ أوغوسطوس في تدويخ أرمينية وضمها أمرًا سهل المنال، ولم يفكر به جدِّيًّا على الرغم من ظاهر النص في خلاصة أعماله في الجسته  (13)، ومما يؤيد هذا القول أنه لم يكن لأوغوسطوس في أي وقت من الأوقات قوة كافية لحماية الحدود الشرقية حماية مانعة، فلم يبقَ أمامه — والحالة هذه — سوى الحل الثالث الذي اختطه بومبايوس، وتمشى فيه بموجب تقاليد رومة السياسية والإدارية.

وعلى الرغم من الوعد الذي قطعه أوغوسطوس في السنة 30 إلى الوفد البرتي المفاوض؛ بأنه لن يغري تيريداتس — الخصم المناوئ اللاجئ إلى سورية — على إثارة الفتن في برتية، فإن تيريداتس هذا عبر الفرات إلى الجزيرة في السنة 27، وحاول قلب الحكم في برتية، وأخفق في مهمته، فعاد إلى سورية لاجئًا في السنة 26-25، مصطحبًا فرآتس ابن فرآتس الملك، مدعيًا أنه خطفه خطفًا (14)، فأنفذ الملك وفدًا إلى رومة نفسها في السنة 23، يطالب بتسليم تيريداتس وإعادة فرآتس إلى أبيه، فوافق أوغوسطوس على المطلب الثاني وسلَّم فرآتس، وطلب — بالمقابل — إطلاق حرية الأسرى الرومان وإعادة «النسور الرومانية»، التي وقعت بيد البرت في المعارك السابقة، وأكد أنه لن يعاون تيريداتس في أي عمل عدائي ضد برتية (15)، ولكن فرآتس نام عن مطلب أوغوسطوس وتغابى سنة كاملة، فبدأ الشعراء يطالبون باتخاذ موقف حازم من برتية وملكها محافظة على شرف رومة وعزتها، فنهض أوغوسطوس في أواخر السنة 22ق.م. يتفقد شئون صقلية واليونان، ثم قضى شتاء السنة 21 (16) في جزيرة ساموس، ومنها كتب إلى طيباريوس أن يجمع عددًا من الفرق من مقدونية واليرية، وأن يجيء بها إلى أرمينية لمساندة أصدقاء رومة فيها، أي لتأييد «دكران Tigranes» ضد أخيه الأكبر «ارتكسه Artaxes» الجالس على العرش، ولا سيما وأن دكران كان قد قضى عشر سنوات في رومة، وفي ربيع السنة 20ق.م. عبر أوغوسطوس البحر إلى ولاية آسية، ونظر في شئونها وشئون بيثينية، ثم جاء سورية، واستطارت هذه الأخبار استطارة البرق في السماء، واضطربت بها الألسنة، فوصلت إلى فرآتس مجسمة، فخشي الحرب على جبهتين في آن واحد، وأسرع يطلق سراح الأسرى الرومانيين ويعيد النسور، ووصلت هذه إلى أوغوسطوس في الثاني عشر من آيار سنة 20، فنودي به إمبراطورًا للمرة التاسعة،(17)، وظهر خضوع البرت على درع أوغوسطوس22 وعلى نقود سُكت خصيصًا لهذه المناسبة في السنة 18، فحملت العبارة Caesar Augustus signis receptis (18)، واتخذ السناتوس قرارًا بالاحتفال بالنصر رسميًّا، ولكن أوغوسطوس أبى فشيد قوسًا في الفوروم بالقرب من هيكل يوليوس قيصر ظهر بدوره على مسكوكات السنة 18-17، وأعيدت الأعلام النسور إلى رومة، وكرست لمارس إله الحرب، فعُرف هذا الإله بعدئذٍ ﺑ «مارس المنتقم Mars Ultor»، وما فتئ الرومانيون يحتفلون بذكرى هذا الحدث حتى القرن الرابع بعد الميلاد، فكانوا في الثاني عشر من آيار من كل عام، يقدمون الشكر ويقيمون الألعاب السباقية لهذه الغاية (19).

وسهَّل هذا التفاهم بين رومة وبين برتية عمل طيباريوس في أرمينية، فإن أقرباء أرتكسه الملك تألبوا عليه، وقتلوه قبل وصول طيباريوس، فلم يبق على القائد الروماني — والحالة هذه — إلا أن يتوج بيده مرشح رومة وصديقها دكران، فأعلى أوغوسطوس خضوع أرمينية، وأكد أنه يؤثر بقاءها مستقلة في يد ملك صديق، وظهرت النقود تحمل العبارة Armenia capta، ورسم أرمني راكع مسلمًا مستسلمًا، واكتفى أوغوسطوس بهذا القدر، وكتب إلى السناتوس مؤكدًا عدم رغبته في التوسع عبر الحدود(20)، وفي السنة 10 أو 9ق.م. سلَّم فرآتس ملك برتية إلى «تيتيوس Titius» والي سورية أولاده الأربعة وعائلاتهم ليقيموا في رومة (21)، ورأى يوسيفوس أن السبب في ذلك نشأ عن زواج فرآتس من جارية إيطالية Thea Urania Musa قدمها أوغوسطوس له، وأنجبت ابنًا خلفه فيما بعد، وعُرف ﺑ «فراتاكس Phrataces» وعن سعي هذه لإبعاد أولاد زوجها الأربعة الأولين؛ لتضمن الخلافة لابنها (22).

.............................................

(1) ANDERSON, J., The Parthian and Armenian Problems, Cam. Anc. Hist., X, 257.

(2) GILES, P., Proceedings of the Cambridge Philological Society, 1929, 1.

(3) Lex Trebonia, de provinciis consularibus.

(4) TARN, W.W., Parthia, Cam. Anc. Hist., IX, 606–612; GROEBE, P. Hermes, 1907; CICERO, De Div, 1:16.

(5) CASSIUS, “Quaestor pro Praetore” ; DIO CASS., 40:28-29.

(6) DIO CASS. 49:24–31; App. 5:133; Liv. Per. 130.

(7) MOMMSEN, Th., Provinces of the Roman Empire, II, ch. IX, GUNTHER, A., Beitrage zur Gesch. de Kriege zwischen Romer und Parthers, (1922); DEBEVOISE, N.C., Pol. Hist. of Parthia, (1938).

(8) DIO CASS. 51:18.

(9) VIRG. Aen. 7:606; HORATIUS, Odes, 1:12, 53 f.

(10) ANDERSON, J., The Eastern Frontier under Angustus, Cam. Anc. Hist., X, 255–257.

(11) STRABO, 14:671.

(12) TAGTTUS, Ann. 13:34.

(13) RES Gestae, 27.

(14) DIO CASS. 51:18; JUSTIN 43:5, 6.

(15) DIO CASS. 53:33; MAGIE, D., Class. Phil., 1908, 145 f.

(16) DIO CASS. 54:8; Vell. Pat. 2:91; SUETONIUS, Aug. 21.

(17) Cam. Anc. Hist., Plates IV, 148 a.

(18) ibid., 200 a.

(19) OVID, Fasti, 5:597; CIL, I, 229, 318.

(20) DIO CASS, 54:9.

(21) RES Gestae, 32; SUET., Aug., 21, 43; TAGITUS, Ann. 2:1.

(22) JOSEPHUS, Ant., 18:41.

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد