ولم يكن تدويخ إسبانية سهل المنال يسيرًا، فطبيعة أرضها وخشونة سكانها جعلتا من فتحها أمرًا وعر المرتقى، صعب الممارسة، ومع أن رومة بدأت أعمال الفتح في إسبانية في القرن الثالث قبل الميلاد، فإنها عالجت فيه شدة وعانت مشقة، ولم يتم لها ذلك تمامًا قبل عهد أوغوسطوس، فإنه اضطر أن يذهب بنفسه إليها، وأن يبقى فيها مدة من الزمن 26-25ق.م.، ولم تخضع قبائل «الكنتبري Cantabri» قبل السنة 19، وتطلبت مهارة أغريبة نفسه، وفي السنة 15ق.م. غدت «بايتيكة Baetica» المتحضرة في الجنوب ولاية سناتوسية لا تتطلب رقابة عسكرية شديدة، أما سائر أنحاء إسبانية، فإنها قُسِّمت ولايتين إمبراطوريتين «لوسيتانية Lusitania» و«تراكونة Tarraconensis»، واستوعبت خمس فرق كاملة، ثم تعهدها أوغوسطوس بعنايته وحكمته فشق الطرقات، وهدَّم القلاع، وأدخل الإسبانيين في خدمة العلَم، وأبعدهم عن بلادهم، فاستتب الأمن، وجلا الجيش، فلم يبق منه في كل إسبانية بعد السنة 9ب.م. أكثر من ثلاث فرق (1).
ورَقَبَ أوغوسطوس حدَّه الشمالي، ولم يُغفله طَرْفة عين، فإن بعض عشائر جبال الألب كانت لا تزال مُعرضة عن الطاعة مُنكبَّة، فالقائد الروماني «ترنتيوس فارو Terentius Varro» اضطر في السنة 25ق.م. إلى محاربة قبائل «السلاسي Salassi» في عقر دارها في ممرات القديس برناردوس، وإلى إنشاء معسكر دائم فيها في «أوسطة Aosta» الحالية Augusta Praetoria القديمة، فرأى أوغوسطوس أن لا بد من الاستيلاء على جبال الألب لحماية حده الشمالي، فهيَّأ للفتح أسبابه، واستعان بآلاته، وأمر البروقنصل «سيليوس نرفة Silius Nerva» حاكم أليرية أن يستولي على جبال الألب الشرقية في السنة 16ق.م.، وأن يضم مملكة «نوريكوم Noricum» التيرول، ففعل، وفي السنة 15ق.م. فرض طيباريوس ودروسوس سلطة رومة على ما وقع بين جبال الألب ومجرى الدانوب الأعلى، وبعد ذلك بسنة واحدة دخلت جبال الألب الغربية في حوزة رومة، فشيد أوغوسطوس نصب النصر الذي لا يزال قائمًا فوق موناكو، وانتظمت مناطق الألب مُحَصَّليات خمس، يدبر شئونها «محصلون procuratores» يعينهم أوغوسطوس، وهذه المحصليات الخمس هي: الألب البحرية الغربية، والألب الكوتية، والألب البينية، ونوريكة، وراتية (2).

ترميم الليميس الحجري بين الرين والدانوب.
ووصلت جيوش رومة إلى الدانوب الأسفل في السنة 29ق.م.، ولكن سطوة رومة لم تترك أثرًا يُذكر في صدور القبائل والعشائر الضاربة في البلقان، ففي السنة 12ق.م. ثارت تراقية، وتبعها في الوقت نفسه الدلماتيون والبنانيون، فرأى أوغوسطوس أن يجعل الحد الفاصل بينه وبين البرابرة خطًّا قصيرًا نسبيًّا يصل الدانوب بنهر «الألب Elbe» في ألمانية، فأخمد نيران الثورة في تراقية، وغزا جيشه بقيادة «كورنيليوس لنتلوس Cornelius Lentulus» و«آليوس كاتوس Aelius Catos» القبائل المجاورة عبر الدانوب، ونقل كاتوس خمسين ألفًا من «الغيتيين Getae» إلى موسية، وظلت القبائل الداقية تشن غارات عبر الدانوب إلى داخل البلقان، ولكنها لم تقلق راحة المواطن الأول، ولم تستوجب حربًا على نطاق واسع في عهده، ولا نزال نلمس صدى هذه الغارات في مخلفات الشاعر «أوفيديوس Ovidius»، الذي كان آنئذٍ منفيًّا مكرهًا على الإقامة في «توميس Tomis» قسطنزة الحديثة، فقد راعه أمر هؤلاء البرابرة ووجَفَ قلبه واضطرب (3).
وتولى القيادة في الحرب البانونية (13–9ق.م.) «فينيكيوس Vinicius» أولًا، ثم أغريبة، ثم طيباريوس، وتفاقم شر هذه الحرب، فنزع أوغوسطوس عن ولاية اليرية صبغتها السناتوسية، وجعلها ولايتين بانونية ودلماتية وربطهما بشخصه، وفي السنة التاسعة قبل الميلاد، وبعد قتال شديد تمكن أوغوسطوس من فرض سلطته في حوض الدانوب الأوسط وإملاء شروط الصلح إملاءً.

يرى على اليسار في هذا الترميم باب الحصن، والصور الثلاثة الأخرى هي الثكن.
ولا نعلم الشيء الكثير عما جرى في حوض الدانوب الأعلى، أما في ألمانية الغربية، فإن دروسوس عبر الراين مرارًا على رأس خمس فرق رومانية، وغزا بها متجهًا نحو نهر الألب، ولكنه قُتل في السنة 9ق.م.، فأسرع أخوه طيباريوس ليتولى القيادة محله، فوطد سلطته على ضفة الرين الشرقية في السنتين 8 و7ق.م.، وكانت غزوات دروسوس قد أجلت «الماركوماني Marcomanni» عن جنوب ألمانية، فاستقروا في بوهيمية، وامتنعوا فيها بزعامة ملكهم «ماروبودوس Maroboduus»، فكان لا بد من إخضاعهم قبل الاتجاه شطر نهر الألب، ثم حَرَدَ طيباريوس، واعتزل في رودوس، فأنفذ أوغوسطوس غيره لمتابعة القتال والتوسع في ألمانية، فلم يلقوا نجاحًا ملموسًا، وظلت الحال على هذا المنوال حتى خرج طيباريوس من عزلته، وتسلم مقاليد الأمور في السنة 4ب.م.، فشحذ للحرب عزيمته، وتجهَّز لها، وزحف على بوهيمية وماروبودوس في السنة 6ب.م.، وما كاد يبدأ القتال حتى اندلعت ثورة في بانونية، فصالح طيباريوس ماروبودوس، واعتبره صديقًا حليفًا، ووكل إليه أمر الدفاع عن حدود رومة عند الدانوب الأعلى، وقام هو إلى بانونية، وبعد قتال دام ثلاث سنوات تمكن من إخضاعها (4).
وما كادت البشرى بإخماد الثورة في بانونية تثلج صدور الرومانيين، حتى ضاف الهم وسادهم وأسهرتهم أخبار ألمانية، فإن «فاروس Quinctilius Varus»، القائد الروماني الذي تولى شئون ألمانية بين الرين والألب أساء التصرف، فأوغر صدور زعماء القبائل واستوقد غيظهم، فحكموا بالمقاومة قولًا واحدًا، ووافقوا «أرمينيوس Arminius» زعيم قبيلة «الشيروسكي Cherusci» على الحرب، وفي أواخر صيف السنة 9ب.م.، تظاهر بعضهم بشق عصا الطاعة، فساق فاروس الفرق السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة إلى غابة «توتوبورغ Teutoburg»، حيث كمن العصاة، فحلت به وبرجاله هزيمة شنعاء، انتهت بمجزرة مخيفة وبانتحار فاروس، ولم يتمكن أوغوسطوس من حشد ما يكفي لإعادة هذه الفرق إلى حيز الوجود، وتغاضى عن الوصول إلى نهر الألب، وجعله الحد الأقصى لسلطته في ألمانية، وظلت الأرقام 18-19 أرقامًا بدون مرقم، ونشأ عن ذلك تقليد روماني قضى بعدم إعادة تنظيم الفرق التي تفنى في الحرب وتضيع نسرها (5).
وسبق أوغوسطوس غيره إلى تعيين الحدود الشمالية، ولكنه لم يشيد «ليميسا limes» كما فعل تريانوس وأدريانوس في مصب الدانوب وفي الجزر البريطانية بعده، وكان دوميتيانوس أول من أنشأ سلسلة متسلسلة من الحصون عند حدود الإمبراطورية في أوروبة، والليميس الحجري المتسلسل الذي وقى الإمبراطورية بين الرين الأعلى والدانوب الأعلى من أعمال خلفاء دوميتيانوس.
........................................
(1) BOUCHIER, E.S., Spain under the Rom. Empire, (1914) ; SUTHERLAND, C., Aspects of Roman Imperialism in Spain, Jour, Rom. Stud., 1934; SYME, R., The Spanish War of Augustus, Am. Jour. Philol., 1934.
(2) APP., Illyr., XVII; DIO CASS., 53:23, 54:24; HOMO, L., Haut-Empire, 99–101; OBERZINER, G., Le Guerre di Augusto contre i Popoli Alpini, (1900).
(3) EPISTOLAE ex Ponto; DIO CASS., 51:23–27, 54:3, 20; STRAB., Geog., III, 10.
(4) DIO CLASS., 55:29–34; YELL. PAT., Hist. Rom., II, 108-109, 110–116; SUET., Aug. 25; ABRAHAM, A.F., Zur Gesch der germ. und pann. Kriege unter Augustus, (1875); BAUER, A., Zum Dalmatisch-pannonischen Krieg, (1894); RAU, R., Zur Gesch. des Pannonisch-dalmatischen Krieges, Klio, 1924.
(5) FRANKE, A., Saltus Teutoburgiensis, Real-Encyc., V, A, 1166–1171.