وتبسط اليونانيون في الهجرة، فعبروا البحر من جزيرتي كريت وتيرة إلى أفريقية، وأسسوا في منتصف القرن السابع قبل الميلاد «قيرينة Cyrene» على الشاطئ الأفريقي مقابل كريت، ثم توسعوا فأنشئُوا في هذه المنطقة نفسها «أرسينوة Arsinoe» و«أبولونية Apollonia» و«برنيقية Berenice» و«طلمسة Ptolemaios»، فعُرفت هذه المدن جميعها ﺑ «المدن الخمس Pentapolis»، وكان الداعي لهذا التوسع خصب الأرض ووفرة غلالها ونمو «السيلفيوم silphium» في براريها، وهو من الأعشاب الطبية الغالية الثمن، ثم اشتهرت هذه المنطقة أيضًا بخيلها (1)، وتهللت لقدوم الإسكندر، وأرسلت وفدًا يرحب بوصوله إلى مصر، فحالفها الفاتح الكبير، أما بطليموس الأول، فإنه ضمها إلى مصر، وظلت ضمن محور البطالسة حتى أوصى بها ملكها بطليموس أبيون إلى رومة، فدخلت في حوزة هذه الدولة بعد وفاته في السنة 96ق.م.
ولم تَفد لقيرينة فائدة من دخولها في حوزة الجمهورية الرومانية سوى تطهير مياهها من القرصنة، فالرومانيون أهملوا أمورها، ووجهاؤها طمعوا بأراضي الملوك، فدخلت في فترة من الفوضى دامت عشرين عامًا، ثم نظر السناتوس في أمرها، فجعلها ولاية رومانية في السنة 76، وربطها بجزيرة كريت في السنة 67 قبل الميلاد.
وقضى برنامج أوغوسطوس بتأمين ولاية أفريقية، وفرض سلطته على قبائل البربر الضاربة عند حدودها الجنوبية، فرأى أن أمور هؤلاء كانت ترتبط بشئون زملائهم عند حدود قيرينة الغربية والجنوبية، فأنفذ في السنة 21-20ق.م. «كورنيليوس بلبوس Balbos» على رأس قوة لتأديب قبائل أفريقية، وفي السنوات الأولى بعد الميلاد نرى حملتين رومانيتين تتجهان جنوبًا، واحدة من ولاية أفريقية بقيادة Cossus Corn. Gaetilicus، وأخرى من ولاية قيرينة بإمرة Sulpicius Quirinius، وتتكلل أعمال الحملتين بالنجاح، ويصل القائدان إلى حل دائم لمشكلة الحدود الجنوبية، ومن هنا، هذان النقشان اللذان وُجدا في قيرينة، وأقيما فيها لمناسبة هذه الأعمال الحربية التأديبية (2).
ويُستدل من الآثار الباقية عند أطراف المناطق المخصبة في أجدابية وسرت، وفي قلب البادية الجنوبية أن السلطات الرومانية أنشأت في وجه القبائل مراكز عسكرية لحماية المناطق المتحضرة، ولا تزال بعض أسماء الجنود السوريين التي حُفرت على الصخور تذكِّر بأعمال الحراسة، التي قاموا بها آنئذٍ (3)، وورود أسماء كتائب «الفرسان اللوسيتانيين Cohors Lusitanorum» و«الإسبانيين Cohors Hispanorum» يدل على أن قوات الحدود هذه تألفت من مشاة وفرسان (4).
وقدرت رومة الحضارة اليونانية قدرها، فاحترمت نظمها ومؤسساتها حيثما وُجدت، فظلت المدن الخمس تتمتع بمجالسها الشعبية اليونانية boule وبمنظماتها العسكرية epheboi وندواتها «الرياضية gymnasion»، واستمرت «المجالس الإدارية nomophylakes» في أعمالها ومعها كتابها وحراس أبوابها، وعطف كل من يوليوس قيصر وأوغوسطوس على الجاليات اليهودية، فسمحا لها ﺑ «مجالسها الخصوصية politeuma»، أما الليبيون أنفسهم الذين عُرفوا بالاسم georgoi، فإنهم ألفوا طبقة رابعة من السكان، واستمروا يطبقون نظام العشائر السائد بينهم (5).
وأوامر أوغوسطوس الخمسة التي وُجدت منقوشة في قيرينة في السنة 1927 تخلد عطف أوغوسطوس على سكان الولايات، وسعيه لحماية مصالحهم وتأمين أعمالهم، وتعود الأربعة الأولى منها إلى السنة 7-6ق.م.، والخامس إلى السنة 4ق.م.، وقد جاء في الأربعة الأولى أن الهيئة القضائية التي تنظر في الجنايات تتألف من قضاة يونانيين ورومانيين، وأن موقف الحكام من المواطنين الرومانيين كان صحيحًا، وأنه يتوجب على اليونانيين الذين ينالون حقوق المواطن الروماني أن يستمروا في تحمل مسئولياتهم اليونانية السابقة، إلا إذا كانوا يتمتعون بامتيازات خصوصية، ونقل الأمر الخامس قرار السناتوس، الذي قضى بوجوب النظر في رومة وأمام السناتوس في تظلم الرعايا من بلص الحكام والجباة (6).
.........................................
(1) ROSTOVTZEFF, M., Soc. and Econ. Hist. of the Hellenistic World, I, 333.
(2) OOIS, 767, Doc. Afr. Ital. Cyren., II, 67.
(3) ann. épig., 1927, 157, 157 bis.
(4) IDRIS BELL, H., Crete and Cyrenaica, Cam. Anc. Hist., XI, 668-669.
(5) JONES, Eastern Cities, ch. XII; ROMANELLI, P., La Cirenaica Romana, (1946).
(6) Supplementum Epigraphicum Graecum, IX, 5:8; VISSCHER, F., de, Les Edits d’Auguste découcerts à Cyrene, (1940).