والغريب أن رومة كانت لا تزال، حتى عهد أوغوسطوس، تتغافل عن الأسطول وتتناساه، فلا تُعنى به إلا عند ظهور الخطر من البحر، فإذا ما زال الخطر زال الأسطول الذي أُعِد لتلافيه، وجاء أوغوسطوس يُؤمِّن الدولة فرأى — على حد تعبير تكيتوس — أن أمور الجيوش والولايات والأساطيل «متشابكة متواصلة cuncter inter se connexa» (1)، ولا غرو فبطولة بومبايوس في البحر كانت لا تزال سارية على الأفواه، وجرأة سكستوس وحصاره البحري، وما نجم عنه من جوع وضيق في رومة نفسها كانت لا تزال في متداول الرواة وتناقل الركبان، وعلى الرغم من أن رومة كانت قد سيطرت على جميع شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وأنها كانت قد قضت على الأسطول الوحيد الباقي فيه أسطول البطالسة، فإن إمكانيات القرصنة كانت لا تزال كامنة في الصدور على أهبة التنفيذ في الظروف المؤاتية.
فأنشأ أوغوسطوس أسطولًا لتأمين البحر الأعلى، وجعل قاعدته في «راينية Rayenna»، وأعد مثله لتأمين البحر الأدنى في مياه نابولي عند «ميسينوم Misenum» (2)، وأنزل إلى البحر في الغرب أسطولًا ثالثًا في مياه «فرايوس Frejus» في ساحل غالية الجنوبي، وخصَّ شرقي المتوسط بأسطولين، أحدهما في مياه فينيقية، والآخر في مياه مصر، وأمن الرين والدانوب بسفن نهرية حربية، ولا نجد في المراجع الأولية ذكرًا لأي إجراء مماثل يتعلق بالفرات.
وشحن أوغوسطوس السفن بالأرقاء والعتقاء «جنودًا classiarii» و«بحارة classici»، وانتقاهم من سكان السواحل الذين عرفوا البحر واخشوشنوا فيه (3)، فأمست الخدمة البحرية أحط قدرًا من خدمة البر (4)، وضبط أوغوسطوس التسلسل في السلطة، فجعل للأسطول صفوف ضباط لإمرة الجنود suboptio، وصفوف ضباط فنيين بحريين، لكل منهم عمل فني خصوصي يشرف عليه، ثم جاء «قادة السفن trierarchus»، و«قادة الإنزال إلى البر centurions classici»، وجاء فوق هؤلاء «الناظر praefectus»، ومعاونه وكبار رجال الملاحة الفنية «الربان navarchus»، واﻟ archigybernes وغيرهما (5).
.........................................
(1) TACITUS, Ann., I, 9.
(2) SUETONIUS, Aug., 49.
(3) DIO CASS, 55:24.
(4) HOMO, L., Emp. Rom., 177-178.
(5) CAMILE DE LA BERGE, Etudes sur l’Organisation des Flottes Romaines, Bull., Epig., 1886; CHAPOT, V., La Flotte de Misène, (1896) ; STARR, C.G., The Roman Imperial Navy, (1941) ; THIEL, J.H., Studies on the Hist. of Rom. Sea Power, (1946) ; MILTNER, F., Seekrieg, Real-Encyc.