تعددت الاقوال حول (الامة الواحدة) على النحو الاتي: 1. ان الجميع كانوا مهتدين وعلى الحق. 2.ان الجميع كانوا من الضالين. 3. ان الجميع كانوا على شريعة العقل. 4. التوقف في تعيين الوحدة وإيكال ذلك الى الدليل المنفصل[1].
كان الناس الاوائل يشتركون في رؤيتهم وسلوكهم انطلاقا من تفكيرهم وفطرتهم البسيطة بمعنى أنهم كانوا ينظرون الى العالم (الوجود والعدم) من زاوية واحدة مثلما كانوا ينهجون نهجا مشتركا في تشخيصهم للحق والباطل والمصالح والمفاسد (الوجوب والحرمة) ومن هنا أثنى الله عليهم باعتبارهم أمة واحدة.
و(الامة) تطلق على الجماعة التي تجتمع على مقصد خاص وتسعة الى مقصود وهدف معين[2]. وورود الصفة التأكيدية (واحدة) في (أُمَّةً وَاحِدَةً) هو الاخر يشير الى أن الناس كانوا ينطلقون من فطرتهم الاولى ويتجهون اتجاها واحد لا يشوبه ما يستحق الذكر من الشقاق في ما بينهم إذ كان الاختلاف الفكري والعلمي بينهم منعدما أو أنه كان ضعيفا جدا اذا افترضنا وجود مثل ذلك الاختلاف كما أن الاختلافات العملية اذا وجدت طريقها اليهم كانت تحل حسب ما تمليه الفطرة التوحيدية وهداية العقل ونصائح الانبياء الماضين من نبي الله آدم الى نوح عليهما السلام لأن وحي السماء ضمن حدود التوجيهات البسيطة والمواعظ كان كافيا في رفع الاختلافات.
إن انعدام الاختلاف والمشاجرات المهمة في أوساط الناس الأوائل، لا يمكن أن يتحقق إلا في حالتين:
كالملائكة واصلين إلى فعليتهم وكمالهم، ومن فإما أن يكونوا جميعهم الواضح أن مثل هؤلاء الأفراد لا يمكن العثور عليهم إلا في جنة عدن لا في الدنيا.
أو أنهم كانوا يعيشون في البساطة ولم يكونوا قد تحرّكوا نحو الكمال حتى يصطدم بعضهم بالبعض الآخر. فالنبات الذي لم يصل حتى الآن إلى مرحلة الفعلية ولا يزال يراوح في حدود النواة والحبّة والنمو الابتدائي ولم يصل إلى مرحلة الساق والغصن والعنقود الكبير، ينعدم النزاع والتزاحم بين أجزاءه؛ لأنّ امتلاكه الجميع هذه الكمالات إنّما هو (بالقوة) أو ما يقارب الفعل لا (بالفعل). أما البذرة التي بدأت بالإنبات وتحرّكت نحو الكمال فإنّها ربما جابهت في طريقها عدداً من المزاحمات، أو تصادمت أغصانها في ما بينها لأن كل واحد منها يريد الوصول إلى الفعلية. وإذا أُطلق لفظ (المشاجرة) على اختلاف الناس في ما بينهم فإنما ذلك للشبه الموجود بينه وبين تنازع أغصان الأشجار.
كان النزاع منعدماً بين الناس الأوائل، كما هو الحال في النمو الابتدائي للبذرة الجامدة؛ وذلك لبساطتهم في نظرتهم إلى العالم والبيئة التي يعيشون فيها والعلاقات الاجتماعية السائدة بينهم، ولم تكن حياتهم نتجاوز حدود الحياة الحيوانية، أي إن أحدهم كان حيواناً بالفعل وإنساناً بالقوة، ولم يكونوا محتاجين إلى الوسائل الزراعية والرعوية والصناعية المتطوّرة، ولم يكن الحصول على المواد الغذائية شاقاً عليهم لعدم حاجتهم إلى تخزينه أو حمله ونقله إلى أماكن قاصية. كما أن حياتهم البسيطة البعيدة عن الزخارف والمقترنة بالتفكير البدائي هيأت أمامهم أرضية وحدتهم واتحادهم حتى بدأت الخلافات العلمية والعملية تشق طريقها إليهم تدريجياً نتيجة التطوّر العلمي والفكري والصناعي واتساع العلاقات الاجتماعية وهكذا توفرت دواعي بعثة الرسل أولو العزم ونزول الكتاب الحاوي للحقوق وكتابة القوانين.
ملاحظة: منذ عهد سحيق أشار البعض – كالطبري في تفسيره الى اصطلاح (تفسير القرآن بالقرآن) وقد تجلى هذا العنوان بين آونة واخرى في النصوص التفسيرية ومن هذه التجليات ما ذكره محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الاندلسي عند محاولته اثبات الحذف والتقدير في الاية التي هي مورد البحث وأن مفادها هو (كان الناس أمة واحدة ثم اختلفوا فبعث الله الانبياء) حيث لجأ الى الاستشهاد بالآية: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا[3])، ثم قال: والقرآن يفسر بعضه بعضا[4].
[1] راجع التفسير الكبير مج3 ج6 ص11-14بتصرف
[2] مفردات ألفاظ القرآن ص86 (أ م م)
[4] تفسير البحر المحيط ج2 ص135