في 6 سبتمبر 1876م، أصدر الإمبراطور أمرًا بدراسة النظم الدستورية المختلفة، والعمل على وضع مشروع للدستور الياباني، ونتيجة لذلك أنشئ «مكتب دراسة النظم الدستورية» في صورة لجنة منبثقة عن مجلس الشيوخ، وقد بدأ المكتب عمله على الفور.
وفي 22 يوليو 1878م، صدر مرسوم إمبراطوري بتنظيم مجالس المحافظات عن طريق الاقتراع، وبذلك وُضِعت قاعدة الحكم النيابي الذي أقيم بعد ذلك باثني عشر عامًا، وبموجب ذلك المرسوم، مُنِح حق الاقتراع لجميع الذكور ممن بلغوا العشرين عامًا على الأقل، بشرط أن يكون الناخب ممن يدفعون ضريبة أطيان لا تقل عن خمسة ينات سنويًّا (وكانت تلك الضريبة تُدفع على ما يقرب من الفدانين)، وأصبح مِن حق مجلس المحافظة أن يقر الموازنة الخاصة بالمحافظة، ويحدد طريقة جباية الضرائب. ثم استُكملت هذه الخطوة التمهيدية لإقامة الحكم النيابي بصدور مرسوم يناير 1880م، الخاص بإنشاء مجالس الأحياء والمدن بنفس الطريقة.
وعندما قام جرانت — أحد الرؤساء الأمريكيين السابقين — بزيارة اليابان (يونيو 1879م)، حرص الإمبراطور الياباني على استشارته فيما يتعلق بالحكم النيابي، في وقت كانت حركة المطالبة بالحكم النيابي قد بلغت ذروتها، فأشار الرئيس جرانت على الإمبراطور بأنَّ مِن مصلحة بلاده الاعتماد على حكومة ينتخبها الشعب، ومجلس نيابي يراقب الشعب من خلاله عمل الحكومة ولكنه حذر الإمبراطور من عواقب التراجع عن الحكم الدستوري بعد إقراره؛ لأن حرمان الشعب من هذا الحق — بعد منحه له — قد يؤدي إلى كارثة، ومن ثَم وجب على الحكومة اليابانية أن تتوخى الدقة عند إعداد الدستور.
وفي 6 يوليو 1881م، قدم رئيس الوزراء إلى «مجلس الشيوخ» تقريرًا طالب فيه بأن يصاغ الدستور الياباني على نسق الدستور الألماني وليس الإنجليزي، وقد تأثَّرت سياسة الحكومة الرامية إلى إقامة مجلس نيابي في ظل نظام دستوري بالأفكار التي طُرِحت بذلك التقرير، نظرًا لما يوفره النموذج الدستوري الألماني من ضمانات للنخبة الحاكمة، ولانطباقه على الإطار السياسي لنظام الحكم في عصر مايجي، ولذلك استُبعدت نهائيًّا فكرة الاستفادة من النظامين الإنجليزي والفرنسي عند صياغة الدستور الياباني.
ولما كانت دراسة النظم الدستورية الغربية تتطلب الوقوف على أسلوب تطبيقها، فقد أوفدت بعثة من الوزراء إلى أوروبا لدراسة تلك النظم على الطبيعة (مارس 1882م) وقبل أن تُغادِر البعثة اليابان، وضعت في اعتبارها دراسة النظام الدستوري الألماني.
وعندما وصلت البعثة إلى ألمانيا، استمع أعضاؤها إلى محاضرات من فُقَهاء الدستور هناك، واقتنعت البعثة بالنظام الدستوري الألماني من حيث الأخذ بمبدأ ثنائية السلطة التشريعية (من خلال إقامة مجلسَين نيابيين)، واشتراط نصاب معين من الملكية فيمن يتمتع بحق الاقتراع، مع الاحتفاظ للإمبراطور بسلطات سياسية وعسكرية واقتصادية واسعة، وعدم الميل إلى إقامة حكومات حزبية تجعل من الهيئة السياسية مصدرًا للقوة السياسية.
وعادت البعثة من أوروبا — في صيف 1883م — بعد غيبة دامت أكثر من العام، وقد توثقت عرى الصداقة بين إيتو — رئيس البعثة — وبسمارك المستشار الألماني، وأصبح إيتو على يقين تام أن ألمانيا وحدها تستطيع أن تُقدِّم لليابان النموذج الدستوري الملائم لظروفها، ومِن ثَم أصبحت القومية والعسكرية والبيروقراطية الألمانية مثلًا يُحتذَى عند إعادة تنظيم أداة الحكم في اليابان، ووجه إيتو الدعوة إلى العديد من الأساتذة والخبراء الألمان، وأسند إليهم بعض الوظائف في الوزارات المختلفة، وفي مارس 1884م، أنشأ مكتبًا لدراسة النظم الإدارية أُسنِدت إليه مهمة إعداد مشروع الدستور ومراجعة اللوائح الخاصة بإدارات الحكومة، ووضع المقترحات الخاصة بإصلاح النظام الإداري، وتولى إيتو رئاسة هذا المكتب، بالإضافة إلى منصبه كوزير للبلاط الإمبراطوري.

الإمبراطور «مايجي» يعطي رئيس الوزراء الدستور الجديد سنة 1889م.
وكخطوة أولى في الطريق إلى تنظيم أداة الحكم، وضع إيتو نظامًا يقضي بإقامة «هيئة النبلاء» صدر به مرسوم خاص في 7 يوليو 1884م، جعل هيئة النبلاء اليابانية تحاكي مثيلتها في ألمانيا، فضمت خمس مراتب: أمير، ماركيز، كونت، فسكونت، بارون، ووضع تصنيفًا لرجال الدولة لتسكينهم على تلك المراتب، فأصبحت «هيئة النبلاء» تضم: نبلاء البلاط القدامى، وحكام المقاطعات السابقين، وصغار الساموراي الذين تقلدوا الوظائف الكبرى، وبلغ عدد أفراد الأرستقراطية الجديدة ما يزيد على 500 عضو، وتم استبعاد بعض الشخصيات السياسية التي أدت خدمات جليلة للدولة؛ لأنها كانت — عندئذٍ — تتصدر صفوف المعارضة السياسية.
ومِن الجَلي، أن إقامة تلك الهيئة الأرستقراطية كانت مناورةً سياسيةً بارعة، قُصِد بها خلق طبقة جديدة ذات امتيازات خاصة يكفلها القانون لتكون عونًا للحكومة على تطبيق سياستها، بعدما انفض صغار الساموراي من حولها، واشتركوا في قيادة وتوجيه المعارضة السياسية، ووفرت إقامة تلك الأرستقراطية — في نفس الوقت — العضوية اللازمة للمجلس الأعلى، الذي جعل منه الدستور رقيبًا على سلطات وأعمال «المجلس الأدنى» الذي يضم نواب الشعب، وبذلك خرجت الحكومة على مبدأ المساواة بين الطبقات الذي روجت له في بداية العهد، فكان تشكيل هيئة أرستقراطية بمثابة نكسة للحياة السياسية وردة عن طريق تحقيق المساواة بين المواطنين التي تم إقرارها عندما أُلغِي نظام الطبقات الاجتماعية في مطلع العهد.
وخلال عامي 1886-1887م، واصلت لجنة إعداد مشروع الدستور عملها — بسرية تامة — مستعينة بأحد فُقَهاء القانون الدستوري الألماني هو الدكتور هرمان روسلر، الذي عمل مستشارًا للجنة، التي فرغت من عملها في ربيع 1888م، وتم تشكيل مجلس — بطريق التعيين — لبحث مشروع الدستور وإقراره عُرف باسم «المجلس الخاص»، اقتصر عمله على دراسة مشروع الدستور والقوانين الخاصة بالمجلسين النيابيين ومجلس البلاط، ومجلس النبلاء، واختير أعضاء المجلس الخاص من كبار رجال الدولة، ومن طبقة النبلاء الجديدة، وكان بمثابة مجلس استشاري للإمبراطور، عليه أن يقدم المشورة له فيما اتصل بتفسير الدستور والقوانين المتعلقة به، ووضع مشروع التعديلات الدستورية، ووضع نصوص القوانين وتعديلها ومراجعتها، ووضع الخطط الخاصة بالتنظيم الإداري، وصياغة نصوص المراسيم الإمبراطورية الهامة، والفصل في المنازعات المتعلقة بموازنة الدولة وحساباتها، وتولى إيتو رئاسة «المجلس الخاص» الذي أصبح مصدر السلطة الحقيقية في البلاد.
وبدأ المجلس الخاص النظر في مشروع الدستور، وراء أبواب مغلقة داخل القصر الإمبراطوري في سرية تامة، حتى لا يتسرب شيء إلى الصحافة والرأي العام، قد يؤدي إلى قيام موجة من النقد تعوق إنجاز الدستور على النحو الذي تريده الدولة، وحرص الإمبراطور على حضور الجلسات، والمشاركة في مراجعة مشروع الدستور مراجعة دقيقة … وانتهى المجلس من مهمته في يناير 1889م، وأعلن صدور الدستور (في 11 فبراير) في حفل متواضع حضره ممثلو الدول الأجنبية، وكبار رجال الدولة، ورؤساء مجالس المحافظات.
وقد نصَّ الدستور على إقامة هيئة نيابية أطلق عليها «المجلس الإمبراطوري» (الدايت)، تتكون من مجلسين: أحدهما مجلس النواب، والآخر مجلس النبلاء، وركزت السلطة كلها في يد الإمبراطور فكان من حقه إصدار مراسيم بقوانين دون الرجوع إلى الدايت، بشرط أن يحصل على موافقة «المجلس الخاص» عليها (وهو مجلس معين وليس مجلسًا منتخبًا) يُختار أعضاؤه من الموالين للإمبراطور، واحتفظ الإمبراطور لنفسه بحق الاعتراض على قرارات الدايت بمجلسَيه، ولم يكن مِن حق الدايت النظر في المعاهدات التي تُبرَم مع الدول الأجنبية، فقد كان ذلك حقًّا خالصًا للإمبراطور وحده، يقرره بعد استشارة «المجلس الخاص».
وكانت صلاحيات الإمبراطور — وفقًا للدستور — لا تحدها حدود، فهو الذي يدعو الدايت بمجلسَيه إلى الانعقاد، وله أن يحل مجلس النواب متى شاء، وأن يُغَيِّر ويبدِّل في مؤسسات الدولة المختلفة، وله حق تعيين وعزل كبار الموظفين والوزراء الذين كانوا مسئولين أمامه وحده، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، له حق إعلان الحرب وإبرام الصلح، وإعلان الأحكام العرفية ومنح الألقاب المدنية والرتب العسكرية، وتعيين القضاة وعزلهم مِن مناصبهم، ولا رقيبَ على الإمبراطور في سلطته تلك، وله — إذا شاء — أن يرجع إلى مستشاريه فيما يعنُّ له من أمور، والإمبراطور يمارس السلطات التي كفلها له الدستور — بشخصه — ممارسةً فعلية، ولكنه مارسها من خلال كبار رجال الدولة الذين أداروا دفة الحكم باسمه ومن خلاله.
ورغم إقرار الدستور لمبدأ الفصل بين السلطات تمتع مجلس الوزراء بسلطات فاقت تلك التي كانت للسلطة التشريعية، واختُص «المجلس الخاص» بإقرار دستورية القوانين واللوائح الإدارية، بدلًا من إعطاء ذلك الحق للمحكمة العُليا، وأُقيم «مجلس المحاسبة» الذي نص الدستور على تأسيسه للاضطلاع بعبء مراجعة حسابات الحكومة، (مايو 1889م)، ثم أصبح من حقه — بعد ذلك بعشر سنوات — أن يتولى مراقبة تنفيذ الموازنة العامة للدولة.
وهكذا كان الدستور الياباني عصريًّا شكلًا لا موضوعًا، فدعم حكم الأوليجاركيه التي أمسكت بزمام الحكم بيد من حديد منذ مطلع عصر مايجي، وبافتتاح الدايت عام 1890م، بدأ الحكم الدستوري في اليابان.