استقر رأي صنَّاع عصر النهضة اليابانية الحديثة على اختيار النموذج الغربي كإطار للدولة، وهنا واجهتهم مشكلة الاختيار بين دولة ليبرالية ديمقراطية، أو دولة أوتقراطية يستند الحكم فيها إلى بيروقراطية مركزية، فكان النموذج الأخير أكثر تقبُّلًا عندهم، فهو يهيئ للسلطة فرصة إجراء ما تشاء من إصلاحات دون أن تعرقل جهودها عقبات تأتي من جانب المجالس النيابية، كما أن الحكم المطلق والسلطة المركزية أكثر قبولًا لدى اليابانيين بحكم تراثهم الثقافي والسياسي.
ومن ثَم كان النظام الجديد حركةً إصلاحية في إطار الثقافة التقليدية اليابانية، تأثرت دوافعها — إلى حد كبير — بمصالح الفِئات الاجتماعية التي شاركت في صنعها، وإليها يرجع الفضل في تكوين اليابان الحديث.
ولما كان نظام مايجي قد أسقط مِن حسابه المشاركة الشعبية في صنع القرار، وإدارة أمور البلاد من خلال مجالس نيابية دستورية على النمط الغربي، فقد قامت حركة للمطالبين بالدستور عُرِفت باسم «حركة الحرية وحقوق الشعب»، ولعبت دورًا هامًّا في الحركة السياسية.
وكما تزعَّم فريق من الساموراي حركة تصفية نظام طوكوجاوا واسترداد سلطة الإمبراطور، ووضعوا أسس النظام الجديد، كان ثمة فريق آخر مِن مثقفي الساموراي تأثَّر بالفكر الليبرالي الغربي من خلال تعلمهم اللغات الأوروبية الحديثة، ودراستهم للتيارات الفكرية التي سادت في أوروبا في القرن التاسع عشر؛ فلم يكن الساموراي طبقة إقطاعية عسكرية فحسب، بل كانوا على قدر من الثقافة يتلقونها — في عصر طوكوجاوا — في مدارس خاصة بهم، حيث يدرسون المعارف الصينية وتعاليم الكنفوشية والرياضيات، كما التحق بعض أفراد الساموراي بمدارس أخرى للثقافة الحرة ظهرت في أواخر عصر طوكوجاوا، كان يختلف إليها — بالإضافة إلى الساموراي — أبناء التجار وأعيان الريف، وكانت تلك المدارس تُعنَى — في الأصل — بدراسة العلوم والفلسفة الصينية، ثم أصبحت في مطلع القرن التاسع عشر تُعنَى بدراسة «علوم الغرب» وهو مصطلح أطلق على العلوم الحديثة التي تخرج عن دائرة الثقافة التقليدية.

الساموراي وتقويض سلطة الإمبراطور طوكوجاوا.
وتصدى هذا الفريق من الساموراي المثقفين لإدارة دفة المعارضة السياسية في عصر مايجي؛ لأنهم وإن اتفقوا مع مُؤسِّس النظام الجديد على ضرورة تصفية الإقطاع، وتوحيد البلاد تحت حكم إدارة مركزية حديثة، إلا أنهم رأوا ضرورة إقامة النظام الجديد على أساس يَسمح للجماهير بقدرٍ من المُشاركة في السلطة، ومن ثَم اختلف مفهوم «التحضُّر والتنوير» عندهم عنه عند غيرهم، فهم يَرون فيها حركة تجديد شاملة، تغير وجه المجتمع الياباني اقتصاديًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، بينما رأى فيها خصومهم السياسيون سلطة أوتقراطية مركزية مستنيرة تدور حول محور الإمبراطور، باعتباره وحده — وليس الأمة — مصدر السلطات.
والتقت آمال مثقفي الساموراي مع أحلام أعيان الريف الذين كوَّنوا الزعامات التقليدية للريف الياباني في أواخر عصر طوكوجاوا، فكانت ثورات الفلاحين ضد الحكم الإقطاعي تهب بقيادتهم، وساعَد الإصلاح الزراعي الذي طبقه النظام الجديد على إزاحة نفوذ سادة الإقطاع مِن الريف، ففُتِح بذلك الطريق أمام الأعيان للسيطرة التامة على مقاليد الأمور في قُراهم، وتطلعوا إلى المشاركة في السلطة بقدر متكافئ مع ما لهم مِن وزن اقتصادي ومكانة اجتماعية في الريف لا سيما أنهم استمروا يمسكون بزمام قيادة نضال الفلاحين ضد السلطة في مطلع العصر الجديد حتى تم القضاء على ثورة ساتسوما (1877م) فانتهت المعارضة المسلحة للنظام الجديد، وأصبح النضال ضد السلطة المطلقة نضالًا سياسيًّا سلميًّا.
وأصبح أعيان الريف على رأس حركة المعارضة السياسية بما لهم من نفوذ بين صفوف الفلاحين، بالإضافة إلى بعض الأفراد من نُخبة مُثقفي الساموراي الذين كانوا محور المعارضة السياسية بالمدن عامةً، وطوكيو خاصةً، والذين التمسوا في قيادة العمل السياسي ما يعوضهم عن المكانة التي كانت لهم من قبل، والتي جرفها التغيير في مطلع عصر مايجي.