0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

النظام السياسي الجديد (فوكوزاوا يوكيتشي)

المؤلف:  رؤوف عباس

المصدر:  التنوير بين مصر واليابان

الجزء والصفحة:  ص 52 ــ 58

2026-08-04

8

+

-

20

فبالنسبة لليابان نجد العباراتِ الأولى في القسم الأول من كتاب فوكوزاوا «تشجيع التعليم» على النحو التالي: «لقد قيل إن السماء لا تخلقُ إنسانًا يعلو على غيره، أو إنسانًا أدنى من غيره؛ لأن ذلك يعني أن الناس عندما وُلدوا كانوا سواسيةً لا فرق بينهم في المنزلة» (1).

بتلك العبارات نأى فوكوزاوا بنفسه تمامًا عن جوهر الفكر السياسي التقليدي؛ فقد كانت هناك فجوةٌ كبيرة بين الأفكار التقليدية المتعلقة بالحكومة وتبرير سلطتها، وأخذ فوكوزاوا على عاتقه نشر الأفكار الخاصة بالمساواة، وأكَّد أن التفاوت في الثروات بين الناس إنما جاء نتيجة عملهم وليس بقرارٍ من السماء؛ لأن الثروة والقوة والعظمة كلها أمور تلعب دورًا فعالًا في تغيير أحوال الناس؛ ومن ثم يجب على الناس أن يحبوا بعضهم بعضًا، وأن يحترم بعضهم بعضًا؛ فمن حق كل إنسان أن يمارسَ واجباته وأن ينالَ ما يشتهيه ما دام ذلك لا يمسُّ حقوق الآخرين، ولتوضيح ذلك كتب فوكوزاوا: «إذا أمعنَّا النظر في التوازن بين العلاقات الإنسانية، فسنكتشف أن الناس جميعًا متساوون، قد يختلفون في المظهر ولكن المساواة إنما تكون في الحقوق، وقد تكون هناك اختلافات بين البشر من حيث المظاهر الخارجية، كالغِنى والفقر والقوة والضعف والذكاء والغباء، ومهما كانت أوجه الاختلاف بين الناس، كالاختلاف بين السُّحب في عَنان السماء والأوحال في الأرض، فإن ذلك لا يبرِّر التمييز بين الناس في الحقوق؛ فهم فيها سواسية، وهي التي لا تعرف تفرقةً بين عظيم وحقير » (2).

وإلى جانب ذلك، أكَّد فوكوزاوا أن المظاهر الخارجية للثروة الوطنية والنفوذ لا تتحدَّد بقرار من السماء، بل تأتي نتاجًا لما يبذله الناس من جهد «إذا قام اليابانيون بالسعي سعيًا جادًّا لتحصيل العلم والمعرفة من أجل تحقيق استقلالهم الشخصي، وإثراء أمتهم وتقويتها، فلماذا نخشى الدول الغربية؟ إننا سنُحقق استقلالنا الوطني إذا نجحنا في تحقيق الاستقلال الشخصي لكل فردٍ ياباني، ولكن إذا كان أفرادُ الأمة لا يتمتَّعون بروح الاستقلال فإن حقَّ الأمة في الاستقلال لا يمكن أن يصبح حقيقةً واقعة» (3).

وبذلك عبَّر فوكوزاوا عن المبادئ الأساسية للعصر الحديث بعباراتٍ بسيطة، يستطيع كل قارئ أن يفهمها؛ فكيف يستطيع مَن لا يقدرون على الاعتماد على أنفسهم والاستقلال عن غيرهم أن يتمسَّكوا بحقهم بالاستقلال عن التبعية للأجانب؟ (4) «يجب أن تسود اليابانَ روحُ الاستقلال، إذا كان علينا أن ندافع عن بلادنا ضد التهديد الأجنبي، فعلى كل فردٍ أن يتحمل مسئوليته تجاه الأمة، بغض النظر عن وضعه أو مكانته، يجب علينا أن نتعامل مع التراب الوطني تعامُلَنا مع بيوتنا، وأن نضحِّي بأرواحنا وأموالنا من أجل الوطن، كذلك ما تُمليه علينا واجباتُنا الوطنية» (5).

ومن أجل تلك الأهداف الوطنية يجب أن يحرصَ الناس على استقلالهم الشخصي، وأن يساعدوا غيرهم على ذلك؛ فتحرير الإنسان وحصوله على نصيبه من أفراح الوطن وأتراحه أفضل كثيرًا من مبادرة الحكام الذين يُخضِعون الأغلبية لمشيئتهم، ويتحملون وحدهم أعباء الحكم (6).

ولم يمضِ وقتٌ كبير حتى قام عددٌ كبير من الناس الذين تأثروا بأفكار فوكوزاوا في تنظيم الحركة المطالبة بالحرية وحقوق الشعب التي كان هدفها نشر روح الحرية في البلاد، ولكن فوكوزاوا نفسه اتبع سبيل التوفيق مع الحكومة الذي ينعكس على منطقه الخاص بالعلاقة التعاقدية بين الحكومة والشعب (7).

وحدث ذلك عندما حاول فوكوزاوا أن يطبِّق فكرة القانون الطبيعي، التي قامت عليها نظرية العقد الاجتماعي، على الأوضاع القائمة في اليابان، فكتب يقول: «تقع على عاتق كل مواطن مسئوليتان؛ أولاهما الخضوع للحكومة بعقلية الضيف، وثانيتهما أن يتحدَ مع غيره من المواطنين في صيغةٍ من صيغ المشاركة يُقال لها الأمة للعمل على تطبيق قوانين الأمة. وحتى يواجه المواطنون مهمتهم الأولى بعقلية الضيوف، فإن عليهم أن يحترموا قوانين البلاد، وألا ينسَوا مبادئ المساواة، فإذا كنتُ لا أريد أن يعتديَ أحدٌ على حقوقي فيجب ألَّا أمسَّ حقوق الآخرين، فإذا نظرنا إلى وضع المواطنين كسادة فإن ذلك لا يعني أن أبناء الأمة جميعًا قد أصبحوا حكامًا؛ لأن ذلك ما تنوء به كواهل الفرد، وما لا يستطيع أن يمارسه جميع الأفراد؛ ومن ثَم يركنون هذه المهمة إلى الحكومة التي تتعهَّد بخدمة الشعب، وبذلك يصبح الشعب هو السيد وهو الرئيس، وتُعَد الحكومة ممثلةً له، تدبِّر أمور الوطن لحسابه.»(8).

كانت الفكرة القائلة بأن الحكومة قد جاءت نتيجةَ علاقةٍ تعاقدية مع الشعب تُعَد فكرةً ثورية؛ لأنها تقوم على افتراض أن حقوق السيادة للشعب — وحده — كما أن ذلك يعني أن تلك الحكومة يمكن تغييرها في أي وقت (9). ولكن فوكوزاوا دعا إلى استمرار الحكومة، والقَبول بدرجةٍ معيَّنة من الخضوع لها، ونبذ المقاومةَ العنيفةَ الموجَّهة ضد الحكم الظالم، وبعد أن ناقَش الخيارات الثلاثة الممكنة … الخضوع، والمقاومة المسلحة، والتضحية بالنفس من أجل تحقيق مبدأ العدالة، رأى أن الخيار الثالث هو الخيار الأفضل، وفي ذلك يقول: «إذا وقع ضغطٌ متزنٌ على الحكومة، فإن ذلك لن يُلحقَ الضرر بالإدارة الجيدة القائمة أو بالقانون، وبذلك ما لا يمكن إنجازه هذا العام يصبح هناك فرصةٌ لإنجازه في العام التالي، أضف إلى ذلك أن المقاومة المسلحة للحكومة قد تؤدِّي إلى تحطيم مائة شيء من أجل تحقيق هدفٍ واحد، ولكن المطالبة المتعلقة بالإصلاح تؤدِّي إلى إزاحة المساوئ جانبًا دون التسبُّب في المزيد من المشاكل، ولمَّا كان الغرضُ من ذلك وضع نهاية لمظالم الحكم، فإن النقد يتوقف بمجرد عودة الحكومة إلى طريق الصواب، كما أن اللجوء إلى المقاومة المسلحة يؤدِّي إلى شيوع الغضب والعنف المضاد؛ فبدلًا من أن تُعيدَ الحكومة النظر في المساوئ تتمسك بموقفها ويزداد طغيانها. ولمَّا كانت الحكومة الظالمة ورجالها من أبناء الأمة ذاتها، فإن حرص مواطنيهم على الدعوة إلى الحق في صورةٍ سلمية، واستعدادهم للتضحية بأرواحهم من أجل مبادئ العدالة، يؤديان إلى كسب رجال الحكم إلى جانبهم، وبمجرد أن يحدث ذلك فإنهم سوف يرجعون عن غيِّهم ويتخلَّصون من عنجهيتهم، ويُصلحون من شأن طريقتهم في الأداء» (10).

هذا الاتجاه التوفيقي مع الحكومة لا صلة له بنظرية العقد الاجتماعي، ولكننا عندما نأخذ في اعتبارنا السياقَ والأوضاعَ التاريخية التي كُتبَت في ظلها تلك المقالات عام 1874م، عندما كانت هناك دعوة لإقامة مجلسٍ نيابي تزعَّمَتْها حركة الحرية وحقوق الشعب، فإن الأفكار التي طرحها فوكوزاوا بدت وكأنها تراجعٌ تكتيكي عن نظرية العَقْد الاجتماعي، تماشيًا مع الوضع السياسي الراهن عندئذٍ؛ فقد عالج بشيءٍ من التفصيل العلاقة بين الحكومة والشعب، واعتبر أن الخلاف حول نقاطٍ بعينها، وتفسير تلك النقاط، يُساهم في تدعيم النظام الاجتماعي، وإصلاح أحوال الحكومة، من خلال إصدار القوانين الوطنية (11)،ولكنه لم يلمسْ من قريبٍ أو بعيدٍ قضية الطريقة التي تكسب بها الحكومة ثقة الشعب، وتحصل من خلالها على تفويضه، والمجال الذي يدور حوله الجدل مع الحكومة (المجلس النيابي مثلًا) كما أنه لم يوضح الإطار القانوني الذي تلتزم به الحكومة فيما أسماه بالقوانين الوطنية (مثل الدستور الذي تقبل به الأمة) وبدلًا من ذلك ركَّز فوكوزاوا على فكرة الواجب التي تجعلُ التزامَ الناسِ بقوانين الدولة تحملُ قدرًا من التسامح نحو طغيان الحكم ما دام الناس ملتزمين بالدعوة إلى التعقل والمطالبة بالعدل (12).

ورغم أن عددًا كبيرًا من الزعماء الرئيسيين لحركة الحرية وحقوق الشعب كانوا متأثرين بأفكار فوكوزاوا الخاصة بالمساواة الاجتماعية وبالعقد الاجتماعي، فإن فوكوزاوا أبدى نفورًا من الحركة بنفس الدرجة؛ ففي سلسلة المقالات التي نشرها بعنوان «الدايت الوطني والظروف التي أدت إلى قيامه» وصف دعاة الحرية وحقوق الشعب بأنهم مجموعةٌ من الانتهازيين الذين يتطلَّعون إلى الحصول على المناصب الحكومية، وقال في هذا الصدد: «إني مُضطَر أن أُعلنَ أن اليابان ما زالت تفتقر إلى حركةٍ حقيقيةٍ لحقوق الشعب، وأن ذلك الجدل المزعج الذي نسمعه من وقتٍ لآخر ليس إلا محاولاتٍ من جانب الساموراي العاطلين والمثقَّفين الذين أصابهم الإحباط بعدم توليهم مناصب بالحكومة، فأخذوا يسبِّبون لها الإزعاج بإثارة مشاكلَ مصطنَعة، وإنني أرى أن أولئك الناس لا حول لهم ولا قوة، ولا قِبل لهم بمواجهة الحكومة، وحتى لو لجَئوا إلى إثارة الشعب فإن حركتهم كالتراب تذروه الرياح»(13).

وفي نفس تلك المجموعة من المقالات ذكَر فوكوزاوا أن الدايت لا يمكن أن يُقام تحت ضغط أناس من خارج الحكومة، ولكن رغبة رجال الحكومة هي التي أدت إلى قيامه؛ لأن الدايت لا يسبِّب ضررًا للأسرة الإمبراطورية؛ لأنها تختلف عن ملوك البلاد الأخرى؛ فقد خُلقوا ملوكًا قبل أن تُوجَد اليابان نفسها، وسوف يظلون كذلك إلى الأبد؛ فهم يتمتَّعون بالقداسة (14).

ولكن هذا التقدير للبيت الإمبراطوري الذي عبَّر عنه فوكوزاوا كان له ما يبرِّره؛ فقد رأى في البيت الإمبراطوري رمزًا للأمة اليابانية وللشخصية القومية أمام العالم الخارجي، في ذلك يقول: «يجب أن يظل البيت الإمبراطوري رمزًا للأمة يوجِّه أرواح جنودهم في الجيش والبحرية، ويحدِّد الغاية لتضحياتهم، ويعمل على رفع مستوى الأمة الأخلاقي، ويقود عملية التشجيع على التعليم، والاعتراف بالعلماء المتميزين لدعم استقلال التعليم، وتشجيع الفنون من أجل إثراء الحضارة» (15).

ونخلُص من ذلك أن فوكوزاوا رأى في البيت الإمبراطوري الحارسَ الأمين للثقافة اليابانية عامة، الذي يجب أن يظل بمنأًى عن السياسة؛ ومن ثم يعكس بطريقةٍ غيرِ مباشرة وجهةَ النظر الليبرالية في السلطة.

وعلى كلٍّ، كان فوكوزاوا يعارض التعجُّل في إقامة المجلس النيابي أو الإطاحة بالحكومة الأوتوقراطية على يد حركة الحرية وحقوق الشعب، واعتبَر نظام مايجي حكمًا تقدميًّا، ودعا إلى إقامة نوعٍ من التوازن بين الحكومة والشعب (16).

وأيقن فوكوزاوا أن إغفال أهمية تحقيق ذلك التوازن سوف يؤدي إلى إضعاف اليابان؛ لأن الناس قد اعتادوا الخضوع للحكومة، وافتقدوا روح الاستقلال؛ ومن ثم أخطَئوا كثيرًا في تقديرهم المبالَغ فيه لأهمية دَورهم في مقابل دَور الحكومة، وتصوَّروا أن الحكومة تحسن أداء الأشياء أكثر منهم، وأن عليهم أن يتركوا المسائل المهمة للحكومة لتتولى معالجتها. وعندما تشتعل فيهم الرغبة في أن يأخذوا الأمور في أيديهم، فإنهم يتصوَّرون أن عليهم أن يصبحوا حكامًا حتى يحقِّقوا ما يريدون، وقد يذهب العلماء المستقلُّون إلى حد مناقشة كل المسائل المتصلة بالتجارة والدين واللغة والتعليم ومختلف الأنشطة التي تدخل في مجال الشعب، ولكن اتخاذ الإجراءات بشأن تلك الأمور يجب أن يُترك للحكومة (17).

وذهب فوكوزاوا إلى أن مهام الحكومة يجب أن تقتصرَ على الأمور العسكرية، كالحرب والسلام، وإصدار القوانين التي تهدف إلى حفظ النظام في البلاد، وحماية مصالح الشعب، للحيلولة دون وقوع ما يُسيء إليهم، وقد تُصدِر أحيانًا القوانين التي تخدم مصالح الشعب، وتُزيح العقبات التي تقف في طريق تقدُّمه، ويؤدي رجال الحكومة واجباتهم شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أبناء الشعب، ولكن ذلك لا يعني أنهم يجب أن يُعامَلُوا معاملةً خاصةً من الإجلال والتقدير، ما دامت تلك المعاملة لا يحظى بها غيرهم من أبناء الشعب، الذين يؤدُّون واجباتهم في مجالات عملهم، فليس هناك ما يلزم الناس أمام الحكومة سوى سدادهم للضرائب، في مقابل حفظ الحكومة للأمن والنظام.

ويترتَّب على ذلك أن يمارسَ الناسُ مختلفَ الأنشطة التي تقع خارج مجال الحكومة، كالتجارة والصناعة واستصلاح الأراضي والنقل والتعليم والنشر والصحافة، وغير ذلك من ألوان النشاط التي لا تدخل في اختصاص الحكومة، وأنه من الضروري ألا تتداخلَ المجالات بعضها في بعض؛ مجال الحكومة، والمجالات الخاصة كالدين والتعليم والصناعة والزراعة والتجارة، كما أن الشعب لا بد أن ينأى بنفسه عن مجال الحكومة، فلا يعطي لنفسه حقَّ إصدار القوانين.

وبرَّر فوكوزاوا تلك الأفكار بأن التوازنَ الدقيقَ بين الحكومة والشعب سِرٌّ من أسرار التقدُّم الحضاري؛ فالأنشطة التي تقع في مجال الشعب لا بد أن تتزايد وتتنوع، وأن تكون مثارًا للجدل والتجربة والحيوية والمبادرة والتقدُّم، أما مجال الحكومة فيتمثل في عدم استخدام السلطة للحد من الحركة في مجال الشعب أو تبديد حيويته (18).

وتماشيًا مع موقفه التوفيقي، وفكرة التوازن بين الحكومة والناس، ذهب فوكوزاوا إلى أن أُطر الحكومة سوف تتطور تدريجيًّا نحو تحقيق الانتقال من الأوتوقراطية إلى الديمقراطية، وفي ذلك يقول: «إن الدراسة الدقيقة للأمور السياسية سوف تبيِّن لنا أنه لا تُوجد قوة تحول دون تحول الأوتوقراطية إلى الحرية؛ فكما تجرى المياه من أعلى إلى أسفل فلا بد أن يحدث ما يغيِّر من مجراه، وتُشير الحقائق التي لا مراء فيها والاتجاهات التي طال أمدُها عبْر آلاف السنين، إلى أن الملكية تُفسِح الطريق للديمقراطية، والاستبداد يُفسِح الطريق لليبرالية (19).

ويرتبط بهذا الاتجاه التطوري عند فوكوزاوا أفكاره الخاصة بعلاقة اليابان بغيرها من الأمم؛ فقد دعا في البداية إلى فتح أبواب اليابان للتعامل مع الأجانب، ولكنه ما لبث أن أبدى مخاوفه من مخاطر العدوان الأجنبي. وذهب عام 1876م إلى أن العلاقات بين الأمم لا تخضع لقاعدة المساواة التي تحكم العلاقات بين البشر؛ لأن الدول لا تفوِّت الفرصة التي تُتاح لها دون أن تحقِّق من ورائها مغنمًا على حساب غيرها؛ ومن ثم تصبح مجموعةٌ من المدافع أجدى نفعًا من مئات المجلَّدات في القانون الدولي. وفي العام التالي ذكَر أن الأمة لا ترقى فوق غيرها من الأمم لأن الحق في جانبها، وإنما يكون الحق في جانبها عندما تعلو على غيرها من الأمم، وأنه يصعُب تصديق أن القانون الدولي تخضع له جميع الأمم دون تمييزٍ إذا نظرنا إلى الطريقة التي تتعامل بها الدول الغربية مع البلاد الشرقية. وابتداءً من عام 1882م وحتى نهاية الحرب الصينية اليابانية ركَّز فوكوزاوا جهودَه على إقناع الشعب بأهمية قوة الدولة (20).

وإذا كان موقف فوكوزاوا السلبي من حركة الحرية وحقوق الشعب لصالح تقوية الدولة في تلك الفترة يبدو موقفًا غريبًا، فإن السياسة التي رأى أن تتبعها اليابان تجاه الدول الآسيوية الأخرى كانت إمبرياليةً خالصة؛ فدعا إلى ضرورة أن تتحد البلاد الآسيوية معًا لمقاومة الغرب، ولمَّا كانت اليابان هي الدولة الوحيدة القادرة على قيادة بلاد الشرق الأقصى، فإن على اليابان أن تبسُط جناحَها على البلاد الآسيوية الأخرى لتحميها من الغرب. وفي عام 1885م نشر فوكوزاوا مقالًا بعنوان «افتراق السبل مع آسيا» طالب فيه بضرورة أن تنأى اليابان بنفسها عن أصدقاء السوء في آسيا، وأن السياسة اليابانية يجب ألا تُضيع الوقتَ في انتظار نهوض البلاد المجاورة لها لتشترك معها في تنمية آسيا، وأنه يجبُ عليها أن تنالَ نصيبَها من تلك البلاد، شأنها في ذلك شأن الدول الغربية المتحضرة، وأنه ليس لزامًا عليها أن تقدِّم اعترافًا قانونيًّا بالصين وكوريا لمجرد كونهم بلادًا مجاورة، بل يجب أن تعاملَهم مثلما يعاملهم الغرب؛ لأن الصحبة السيئة تجلب السمعة السيئة؛ ولذلك يجب على اليابان أن تنأى بنفسها عن أصدقاء السوء في شرق آسيا (21).

وبعبارةٍ أخرى، فإن فوكوزاوا غيَّر من آرائه ليبرِّر حركة التوسُّع الخارجي على حساب الجيران بأن اليابان «المتحضرة» عليها أن تعمل على تحضير جيرانها المتبربرين في شرق آسيا. وبعد ذلك بعشر سنوات نجحت اليابان في إلحاق الهزيمة بالصين، فامتلأ فوكوزاوا بالبهجة والسرور، وكتب يبشِّر مواطنيه بأن نظام مايجي قد حقَّق أهدافه، وأن ذلك النصر كان نصرًا للحضارة اليابانية (22).

ورغم أن فوكوزاوا لم يشغل أيَّ منصبٍ حكومي طوالَ حياته، فقد لعب دورًا هامًّا في تدعيم نظام مايجي من خلال تبريره لسياسة الحكومة، ولكنه انفرد بين غيره من رجال العصر بالدعوة إلى الاستقلال الوطني، والاعتماد على الذات، واحترام النفس، وتنقية الموروث الثقافي، ورفض القيم التي تدعم استبداد الحكم على حساب الشعب (23). 

 

...............................................

(1) Fukuzawa, An Encouragement of Learning, trans. David A. Dilworth & Umeyo Hirano, Sophia University, Tokyo, 1969, p. 1.

(2) Ibid., p. 10.

(3) Ibid., p. 16.

(4) Irokawa Daikichi, The Culture of the Meiji Period, trans. & ed. Marius B. Jansen, Princeton University Press, 1985, p. 61.

(5) Fukuzawa, An Encouragement of Learning, p. 17.

(6) Ibid., p. 20.

(7) Ibid., p. 62.

(8) Fukuzawa, op. cit., pp. 41-42.

(9) Irokawa, p. 63.

(10) Fukuzawa, pp. 45-46.

(11) Ibid., p. 71.

(12) Irokawa, p. 64.

(13) Fukuzawa, The National Diet, Fukuzawa Yukichi Nenkan, vol. 14. pp 7-8.

(14) Ibid., p. 33.

(15) Fukuzawa, On Education, p. 145.

(16) Irokawa, op. cit., p. 54.

(17) Blacker, p. 110.

(18) Ibid., pp. 107–9.

(19) Ibid., p. 112.

(20) Ibid., pp. 122–137 passim.

(21) Fukuzawa, On Departure from Asia, Fukuzawa Yukichi Nenkan, vol. 11, p. 4.

(22) Irokawa, p. 213.

(23) Ibid., p. 67.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد