ترجع الدعوة إلى بناء إمبراطورية آسيوية باعتباره ضرورة حيوية لليابان، إلى الأفكار التي طرحها بعض المفكرين اليابانيين المتطرفين في وطنيتهم في أواخر عصر طوكوجاوا، وكانت مبررات هذه الدعوة أن التوسع عن طريق ضم جزر الكوريل، وجزيرة سخالين وشبه جزيرة كمتشكا، وبعض مناطق سيبريا، إضافة إلى منشوريا وكوريا وفورموزا من شأنه أن يحوِّل اليابان إلى قوة إقليمية مهيبة تحسب لها القوى الكبرى ألف حساب.

الساموراي والتفاني في الحرب.
وعندما طُرِحت تلك الأفكار كانت تبدو مُجرَّد أضغاث أحلام، غير أنها أثَّرت على فكر النخبة التي صنعت عصر مايجي، وألهمتها استراتيجية التوسع الإمبريالي على حساب الجيران التي وضعت في منتصف الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وما كاد يحل عام 1890م، حتى كان العسكريون ومجلس الوزراء على يقين من أن اليابان لا تستطيع المحافظة على استقلالها، إلا إذا توفرت لديها القدرة على الانضمام إلى محفل الدول الكبرى التي تسعى إلى الحصول على مطالب وامتيازات في آسيا، وبحلول عام 1894م، أصبحت الرغبة في الاستيلاء على أراضي آسيا ذات الأهمية الاستراتيجية موضع اهتمام مجلس الوزراء والعسكريين وعندما نشبت الحرب مع الصين، أصبح الهدف الاستراتيجي لليابان: الاستيلاء على شبه جزيرة لياوتونج، وضمان استقلال كوريا واتخاذ فرموزا قاعدة بحرية يتحكم منها الأسطول الياباني في الطرق البحرية المؤدية إلى سواحل الصين، وتلك التي تؤدي إلى اليابان.
وكان من بين الدوافع التي وجهت السياسة اليابانية صوب التوسع الإمبريالي، التنافس الروسي-البريطاني في شرق آسيا.
وقدر مجلس الوزراء الياباني أن ذلك التنافس سوف يؤدي إلى زيادة الاضطرابات في المنطقة، وخاصة أن الدولتين طورتا تجارتهما ومراكزهما العسكرية بما يحقق لكل منهما مزايا استراتيجية. ولما كان الروس يفكرون في مد خط حديدي يخترق سيبريا ويصل إلى المحيط الهادي، قُدِّر له أن يتم عام 1911م، كان على اليابان أن تأخذ الأمر مأخذ الجد، وتتأهب عسكريًّا، لمواجهة وصول السكك الحديدية الروسية إلى المحيط؛ لأن الروس سيسعون عندئذٍ إلى فرض سيطرتهم على آسيا.
ولما كان التنافس البريطاني-الروسي سيقود إلى صدام بين القوتين، فقد رأى مجلس الوزراء الياباني (1886م) أن تكون اليابان على درجة من القوة العسكرية تمكنها مِن أن تُقرر ما يلائم مصالحها؛ فتبقى على الحياد، أو تنضم إلى أحد الطرفين المتنازعين ضد الآخر.
ورأى ياماجاتا (رئيس الوزراء) أنه في حالة تعرض كوريا للغزو فلن تَسلَم اليابان من الخطر، وكانت سياسة اليابان تهدف إلى الاحتفاظ بكوريا كدولة مستقلة لا ترتبط بالصين بروابط التبعية، والحيلولة دون قيام أيٍّ من الدول الأوروبية باحتلالها؛ لأن ما تتمتع به شبه جزيرة كوريا من موقع جغرافي يجعل مَن يحتلها في مركز القوة الذي يمكنه من التحكم في شرق آسيا، وتهديد سلامة الأراضي اليابانية، كذلك كان من الأهداف السياسية اليابانية إعاقة أية محاولة من جانب الصين لبناء جيش عصري قوي لأن ذلك يضر بأمن اليابان.
وفي نوفمبر 1890م، قرر مجلس الوزراء ضرورة أن تكون اليابان على أتم استعداد للدفاع عن خطين: خط السيادة، وخط المصالح.
أما الخط الأول فهو حدودها، وأما الخط الآخر فيمر عبر أراضي جيرانها، أو المناطق التي تلامس خط السيادة (على حد تعبير رئيس الوزراء) وحتى تحافظ اليابان على استقلالها يجب أن تجد لنفسها موضعًا بين الدول الكبرى، وأن تخطو خطوة واسعة نحو الدفاع عن خط المصالح القومية الذي يشمل كوريا، وبذلك تصبح اليابان في وضع أفضل من الاكتفاء بالوقوف خلف «خط السيادة».
وهكذا ركز ياماجاتا (رئيس الوزراء) على الأهمية الاستراتيجية للتوسع في القارة الآسيوية على حساب جارات اليابان باعتباره «ضرورة أمن قومي» للدفاع عن استقلال اليابان، بل نجده في أواخر أيامه (عام 1915م) يؤكد أن منشوريا هي المجال الطبيعي للتوسع الياباني في القارة الآسيوية، وأنها تُعَد شريان الحياة بالنسبة لليابان؛ لأن اليابانيين لا بد أن يسكنوا آسيا والتوسع في منشوريا يحل مشكلة السكان في اليابان، كما يوفر — على حد زعمه — الحماية للآسيويين.
وراح بعض مفكري عصر مايجي يبرر حركة التوسع الياباني على ضوء نظرية دارون بالقول بأن البقاء للأقوى في عالم تسوده شريعة الغاب، وبأن التوسع في أراضي الجيران ليس عدوانًا أو اغتصابًا، ولكنه «مهمة حضارية» هدفها حماية تلك الشعوب، ومساعدتها على تحقيق التقدم وبلوغ درجة التحضر.