من الأشخاص الذين ضعّفهم ابن الجوزيّ: عطيّة العَوْفيّ الكوفيّ الذي روى الحديث عن أبي سعيد. وذنبه هو تشيّعه وولاؤه لأهل البيت! يضاف إلى ذلك أنّ كثيراً من أعلام العامّة وثّقوه.[1]
يقول العلّامة مير حامد حسين: ورد هذا الحديث الشريف في «مسند إسحاق بن راهَوَيه»، و«مسند أحمد»، و«مسند عبد حميد»، و«مسند الدارميّ»، و«صحيح مسلم»، و«صحيح الترمذيّ»، و«فضائل القرآن» لابن أبي الدُّنيا، و«نوادر الاصول» للحكيم الترمذيّ، و«كتاب السُّنَّة» لابن أبي عاصم، و«مسند البزّاز»، وكتاب «الخصائص» للنسائيّ، و«مسند أبي يَعلَى»، و«الذُّرِّيَّة الطاهرة» للدولابيّ، و«صحيح ابن خُزَيمة»، و«صحيح أبي عوانة»، وكتاب «المصاحف» لابن الأنباريّ، و«أمالى المَحاملي»، وكتاب «الولاية» لابن عقدة، وكتاب «الطالبيّين» للجُعابيّ، والمعاجم الثلاثة للطبرانيّ،[2] و«المستدرك» للحاكم، و«شرف النبوّة» للخركوشيّ، و«منقبة المطهَّرين»، و«حلية الأولياء» لأبي نُعيم الإصفهانيّ، وكتاب «طُرُق حديث الثقلين» لابن طاهر، وغيرها من الكتب الاخرى. أ لم يكن في هذه الكتب غير الطريق الذي ذكره ابن الجوزيّ؟!
نعم كان، إلّا أنّه شاء أن يخدع ناظر كتابه بأنّ روايته منحصرة بهذا الطريق، وبما أنّ رجاله ضعفاء بزعمه فالحديث إذاً لا يصحّ. هكذا شاء ولَكِنَّ اللهَ كَشَفَ سِرَّهُ وهَتَكَ سِتْرَهُ بِأيْدِي أهْلِ نِحْلَتِهِ وإنْ كَانُوا أصْحَابَ الإخمَالِ وكَفَى اللهُ المؤمِنِينَ القِتَالَ.[3]
وأنا اشبّه اسلوب ابن الجوزيّ في بحثه حول مسألة الثقلين بالمثال الآتي: نفترض أنّ حريقاً شبّ في حيّ من أحياء المدينة، وتصاعد دخانه حتى يراه الإنسان من بعيد، وتحرّكت سيّارات الإطفاء بصفّاراتها وفرقها نحو مكان الحريق، وأعلن المذياع عنه، وكتبت الصحف عن كيفيّة حدوثه، وسبب نشوبه، وطريقة إطفائه، وتحدّث عنه ثقات يسكنون قريباً منه لا يُحْصَون، فشرحوا مواصفاته كلّها من بدايته إلى نهايته، وذكروا الخسائر الناجمة عنه، بَيدَ أنّ أحد الناس يقول: لمّا كان أحد المخبرين فلاناً المجنون، أو فلاناً السفيه، أو فلاناً غير الموثّق، فإنّ هذا الحريق لم يحدث قطّ، وخبره مفتري من أساسه. وهكذا يحاول إنكاره بكلّ صلافة ووقاحة. فهل هذا الاسلوب صحيح؟! وهل هذا الإنكار عقلائيّ؟!
أو نفترض أنّ القمر انشقّ في السماء فأصبح نصفين، وأخبر عنه القرآن الكريم، وتحدّث عنه أهالى المدينة في الأزقّة والشوارع والأحياء، وتعجّب من وقوعه المسافرون الذين دخلوا المدينة وكانوا قد رأوه ليلًا، فهل يتسنّى لأحد أن ينكره ولا يقرّ به لأنّ أحد المخبرين -مثلًا- يهوديّ، وقوله ليس حجّة؟! وهل يسعه أن يزعم أنّه ليس من القضايا المسلّمة الواقعة في التأريخ؟
من الطبيعي أنّه لا يمكنه أن يزعم ذلك، ولا يقرّ بالحادثة، لأنّ قول اليهوديّ لا دور له هنا، ونحن لا نذكره استناداً واستشهاداً فريداً على الحادثة المعهودة. ذلك أنّ القرائن كثيرة والأدلّة المتيقّنة الاعتبار جمّة إلى درجة أنّنا لا نرتاب في حُجّيّة الحادثة سواء أخبر عنها اليهوديّ أم لم يخبر. وبلغت خيانة ابن الجوزيّ عند أولى العلم والدراية حدّاً أنّه أثار الجميع فذمّوه وعابوه، وكأنّ لسان حالهم يقول له: هَبْ أنّ عطيّة ضعيف ومرفوض، وأنّ أحاديث الكوفيّين مناكير، فما عساك أن تفعل بالأحاديث الصحيحة السند المأثورة عن غير طريق عطيّة والكوفيّين؟ وما تقول في الأحاديث التي صرّحوا بصحّتها على شرط الشيخين؟![4]
لقد أحسن العلّامة آية الله مير حامد حسين الهنديّ أعلى الله مقامه في ردّه كلام ابن الجوزيّ والبخاريّ، إذ وفّى الموضوع حقّه. وقال فيما يخصّ البخاريّ: وجملة القول أنّ إعراض البخاريّ عن إخراج حديث الثقلين عامّة، وبالسياق الذي نقله مُسلم خاصّة خيانة عظمى وخُبث كبير. اللهمّ إلّا إذا سوّغنا ذلك الإعراض بأنّ السياق المذكور لم يسلم من تحريف زيد بن أرقم. وكلامه المشتمل على بيان ابتلائه بكِبَر السنّ وقِدَم العهد، والنسيان في أوّل الحديث دليل على ذلك، لهذا تركه البخاريّ رعاية لمزيد الاحتياط وتَحَرُّجاً مِنْ أنْ يَرْوِي حَدِيثاً مُحَرَّفاً! بَيدَ أنّا لا نتوقّع من أهل السنّة المتعلّقين بأمثال زيد بن أرقم من الصحابة الكرام، يبادرون إلى هذا التسويغ مقابلةً لأهل الحقّ، إلّا إذا لم نجد لهذا التسويغ -مع تسليمنا به- وجهاً للإعراض عن الألفاظ والطرق التي أوردها الحاكم النيسابوريّ في كتاب «المستدرك»، واستبانت صحّتها على شرط البخاريّ ومسلم غير كتمان الحقّ وغمط الصدق.
ومن هذا وأمثاله يمكن أن نعرف أنّ مسلماً المسكين ينطق أحياناً بطرفٍ من الحقّ، ولا يعرض عن مثل هذه الأحاديث إعراضاً تامّاً كالبخاريّ. ولهذا السبب لا يبلغ كتابه كتابَ البخاريّ رُتبةً عند المتعصّبين من أهل السنّة،[5] كما أنّ عناده دون عناد ابن الجوزيّ.[6]
[1] إنّ الإشكال الثاني والأربعين بعد المائة الذي سجّله صاحب «العبقات» على البخاريّ في الجزء الثاني من كتابه، ص 892 و893 هو كما يأتي: إنّ قدح ابن الجوزيّ في عطيّة الراوي لهذا الحديث الذي أورده عن أبي سعيد الخُدريّ مرفوض بتوثيق ابن سعد له، فقد قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب»: «قال ابن سعد: خرج عطيّة مع ابن الأشعث، فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم أن يعرضه على سبّ عليّ بن أبي طالب! فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته. فاستدعاه، فأبى أن يسبّ، فأمضى حكم الحجّاج فيه، ثمّ خرج إلى خراسان، فلم يزل بها حتى ولى عمر بن هبيرة العراق. فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفّي سنة 110 هـ. وكان ثقة إن شاء الله تعالى، وله أحاديث صالحة ومِنَ الناس مَن لا يحتجّ به». وليُعلَم أنّ توثيق ابن سعد -مع عداوته الكثيرة وبغضه الشديد لأهل البيت عليهم السلام إلى حدّ ضعّف معه الإمام جعفر الصادق عليه وعلى آبائه وأبنائه المعصومين آلاف التحيّة ما ذرّ شارق، ووصف روايته بالاختلاف والاضطراب، إلى غير ذلك من آيات إعراضه عن أهل البيت والأئمّة الطاهرين منهم- لعطيّة هذا دليل قاطع على صحّة روايته، ومَن لم يحتجّ به فاولئك أشدّ حروريّة واعوجاجاً من ابن سعد، فانتبه ولا تغفل!
[2] لا يخفي علي أهل التحقيق والاطّلاع أنّ جميع الأحاديث التي ذكرها الطبرانيّ في معجمه الكبير أحاديث صحيحة. ذلك أنّه لم يُخرج فيه إلّا ما كان صحيح السند.
[3] «العبقات» ج 2، ص 905 و906.
[4] بلغت خيانة ابن الجوزيّ الدينيّة وجنايته الفقهيّة والعلميّة من العجب درجة أنّ حفيده أبا المظفّر يوسف بن قزغلي المعروف بسبط بن الجوزيّ قال في كتاب «تذكرة خواصّ الامّة» ص 182، الباب الثاني عشر في ذكر الأئمّة عليهم السلام، الطبعة الحجريّة: قال أحمد في «الفضائل»: حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن عليّ بن ربيعة قال: لقيتُ زيد بن أرقم فقلت له: هل سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تركت فيكم الثقلين، واحد منهما أكبر من الآخر؟ قال: نعم، سمعته يقول: تركت فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود بين السماء، وعترتي أهل بيتي. ألا إنّهما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض. ألا فانظروا كيف تخلفونّي فيهما. قال سبط بن الجوزيّ هنا: فإن قيل: فقد قال جدّك في كتاب «العلل الواهية»: أنبأنا عبد الوهاب الأنماطيّ عن محمّد بن المظفّر، عن محمّد العقيقيّ، عن يوسف بن الدخيل، عن جعفر العقيليّ، عن أحمد الحلوانيّ، عن عبد الله بن داهر، قال: حدّثنا عبد الله بن عبد القدّوس، عن الأعمش، عن عطيّة، عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وآله بمعناه. ثمّ قال جدّك: ضعيف، وابن عبد القدّوس رافضيّ، وابن داهر ليس بشيء. قلتُ: الحديث الذي رويناه أخرجه أحمد في «الفضائل»، وليس في إسناده أحد ممّن ضعّفه جدّي. وقد أخرجه أبو داود في سننه، والترمذيّ أيضاً، وعامّة المحدّثين. وذكره ابن رزين في «الجمع بين الصحاح السِّتَّة». والعجيب كيف خفي عن جدّي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم؟ ويبيّن سبط بن الجوزيّ حديث زيد بن أرقم هنا. ويقول في آخره: الثقلان: الخطران العظيمان.
[5] «العبقات» ج 2، ص 933.
[6] يقول ابن حجر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة» ص 148، طبعة مكتبة القاهرة - دار الطباعة المحمّديّة، وقد روى حديث الثقلين عن الترمذيّ، وأحمد بن حنبل مستوعباً ثلثي الصفحة المتقدّمة على الصفحة المذكورة: وذكر ابن الجوزيّ لذلك في «العلل المتناهية» وهم أو غفلة عن استحضار بقيّة طرقه، بل في« [صحيح] مسلم» عن زيد بن أرقم أنّه صلى الله عليه [و آله] قال ذلك يوم غدير خُمّ -و هو ماء بالجحفة- ثمّ روى حديث زيد وقال: وفي رواية صحيحة: إنّي تاركٌ فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي وعترتي. وزاد الطبرانيّ: إنِّي سألتُ ذلك لهما، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. وقال بعد ذلك: وفي رواية كتاب الله وسُنَّتي. وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب، لأنّ السنّة مبيّنة له فأغنى ذكره عن ذكرها. والحاصل أنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب وبالسنّة وبالعلماء بهما من أهل البيت. ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الامور الثلاثة إلى قيام الساعة.