

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
كلام السيّد محمّد التيجانيّ في تبرئة الشيعة من القول بالتحريف
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج14، ص129-144
2026-04-23
22
يحسن بنا أن ننقل شيئاً ممّا جاء في الكتاب القيِّم: «لأكون مع الصادقين» للصديق الكريم والشابّ الرشيد، المهتدي بنور الولاية، الرافض مراتب البِدَع والانحراف الدكتور السيّد محمّد التيجانيّ شكراً لمساعيه الجميلة وبياناً لمظلوميّة الشيعة في هذا المقام وسائر المقامات التي يحاول فيها بعض الكتّاب السُّنّة المغرضين أن يثيروا نار الفتنة والفساد، معرضين عن السلام والصلح وبيان الحقائق. فهم يتّهمون الشيعة أنّهم يعتقدون بتحريف كتاب الله، مع أنّا رأينا وعرفنا أنّ ساحتهم بريئة من هذه التهمة. ولقد عرض التيجانيّ بحثاً مفيداً رائعاً في كتابه، وأوضح فيه أنّ هذه المسألة لا ترتبط بالشيعة أبداً. وأنّ العامّة والخاصّة فيها سواء من حيث الروايات وغيرها. ونذكر فيما يأتي كلامه نصّاً: القول بتحريف القرآن هذا القول في حدّ ذاته شنيع لا يتحمّله مسلم آمن برسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم، سواء كان شيعيّاً أم سنّيّاً، لأنّ القرآن الكريم تكفّل ربّ العزّة والجلالة بحفظه، فقال عزّ من قائل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.[1] فلا يمكن لأحد أن يُنقص منه أو يزيد فيه حرفاً واحداً، وهو معجزة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلّم الخالدة والذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.[2]
والواقع العمليّ للمسلمين يرفض تحريف القرآن، لأنّ كثيراً من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب. وكانوا يتسابقون في حفظه وتحفيظه أولادهم على مرّ الأزمنة حتى يومنا الحاضر. فلا يمكن لإنسانٍ ولا لجماعةٍ ولا لدولةٍ أن يحرّفوه أو يبدّلوه.
ولو جُبنا بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالًا وجنوباً وفي كلّ بقاع الدنيا، فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان، وإن اختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق وملل ونِحل. فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم ولا يختلف فيه من الامّة اثنان، إلّا ما كان من التفسير أو التأويل، فكل حزب بما لديهم فرحون.
وما يُنسب إلى الشيعة من القول بالتحريف هو مجرّد تشنيع وتهويل، وليس له في معتقدات الشيعة وجود. وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كلّ تحريف.
يقول صاحب كتاب «عقائد الإماميّة»[3] الشيخ المظفّر: نعتقد أنّ القرآن هو الوحي الإلهيّ المُنزَل من الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم، فيه تبيان كلّ شيء. وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف. وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزَل على النبيّ. ومن ادّعى فيه غير ذلك، فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه. وكلّهم على غير هدى، فإنّه كلام الله الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ- انتهى كلامه.
وبعد هذا فكلّ بلاد الشيعة معروفة وأحكامهم في الفقه معلومة لدى الجميع، فلو كان عندهم قرآن غير الذي عندنا لعلمه الناس. وأتذكّر أنّي عند ما زرتُ بلاد الشيعة للمرّة الأولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات. فكنتُ كلّما رأيتُ مجلّداً ضخماً تناولته علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم، ولكن سرعان ما تبخّر هذا الوهم، وعرفتُ فيما بعد أنّها إحدى التشنيعات المكذوبة لينفّروا الناس من الشيعة.[4]
ولكن يبقى هناك دائماً من يشنّع ويحتجّ على الشيعة بكتاب اسمه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب» ومؤلّفه محمّد تقي النوريّ الطبرسيّ[5] المتوفّى سنة 1320 هـ وهو شيعيّ. ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلوا الشيعة مسؤوليّة هذا الكتاب! وهذا مخالف للإنصاف.
فكم من كتب كُتبت وهي لا تعبّر في الحقيقة إلّا عن رأى كاتبها ومؤلّفها، ويكون فيها الغثّ والسمين، وفيها الحقّ والباطل، وتحمل في طيّها الخطأ والصواب، ونجد ذلك عند كلّ الفرق الإسلاميّة، ولا يختصّ بالشيعة دون سواها. أفيجوز لنا أن نُحمّل أهل السُّنّة والجماعة مسؤوليّة ما كتبه وزير الثقافة المصريّ وعميد الأدب العربيّ الدكتور طه حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهليّ؟! أو ما رواه البخاريّ- وهو صحيح عندهم- من نقص في القرآن وزيادة، وكذلك «صحيح مسلم»، وغيره؟![6]
ولكن لنضرب عن ذلك صفحاً ونقابل السيِّئة بالحسنة، ولَنِعْمَ ما قاله في هذا الموضوع الاستاذ محمّد المدنيّ عميد كلّيّة الشريعة بالجامعة الأزهريّة، إذ كتب يقول: وأمّا أنّ الإماميّة يعتقدون نقص القرآن فمعاذ الله، وإنّما هي روايات رُويت في كتبهم، كما روى مثلها في كتبنا. وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها وبيّنوا بطلانها.[7] وليس في الشيعة الإماميّة أو الزيديّة مَن يعتقد ذلك، كما أنّه ليس في السُّنّة من يعتقده.
ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب «الإتقان» للسيوطيّ ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحاً.
وقد ألّف أحد المصريّين في سنة 1948 م كتاباً اسمه «الفرقان» حشّاه بكثيرٍ من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلًا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السُّنّة. وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بيّن بالدليل والبحث العلميّ أوجه البطلان والفساد فيه. فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرت الكتاب، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاً، فحكم القضاء الإداريّ في مجلس الدولة برفضها.
أفيقال: إنّ أهل السُّنّة ينكرون قداسة القرآن؟! أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان، أو لكتاب ألّفه فلان؟!
فكذلك الشيعة الإماميّة. إنّما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات التي في بعض كتبنا. وفي ذلك يقول الإمام العلّامة السعيد أبو الفضل بن الحسن[8] الطبرسيّ من كبار علماء الإماميّة في القرن السادس الهجريّ في كتاب «مجمع البيان في تفسير القرآن»:
فَأمَّا الزِّيَادَةُ فِيهِ، فَمُجْمَعٌ عَلَى بُطْلَانِهَا. وأمَّا النُّقْصَانُ مِنْهُ، فَقَدْ روى جَمَاعَةٌ مِنْ أصْحَابِنَا وقَوْمٌ مِنْ حَشْوِيّةِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ في القُرْآنِ تَغْييراً ونُقْصَاناً.
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا خِلَافُهُ. وهُوَ الذي نَصَرَهُ المُرْتَضَى قُدِّسَ سِرُّهُ واسْتَوْفَى الكَلَامَ فِيهِ غَايَةَ الاسْتِيفَاءِ في جَوَابِ «المَسَائِلَ الطَّرَابُلْسِيَّاتِ» وذَكَرَ في مَوَاضِعَ: أنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ نَقْلِ القُرْآنِ كَالعِلْمِ بِالبُلْدَانِ، والحَوَادِثِ الكِبَارِ والوَقَائِعِ العِظَامِ والكُتُبِ المَشْهُورَةِ وأشْعَارِ العَرَبِ.
فَإنَّ العِنَايَةَ اشْتَدَّتْ والدَّوَاعِي تَوَفَّرَتْ عَلَى نَقْلِهِ وحَرَاسَتِهِ، وبَلَغَتْ إلَى حَدٍّ لَمْ تَبْلُغْهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، لأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةُ النُّبُوَّةِ ومَأخَذُ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ والأحْكَامِ الدِّينِيَّةِ.
وَعُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ قَدْ بَلَغُوا في حِفْظِهِ وحِمَايَتِهِ الغَايَةَ حتى عَرَفُوا كُلَّ شَيْءٍ اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ إعْرَابِهِ، وقِرَاءَاتِهِ، وحُرُوفِهِ، وآيَاتِهِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُغَيَّراً أوْ مَنْقُوصاً مَعَ العِنَايَةِ الصَّادِقَةِ والضَّبْطِ الشَّدِيدِ؟[9]
وحتى يتبيّن لك أيّها القارئ أنّ هذه التُّهمة- نقص القرآن والزيادة فيه- هي أقرب لأهل السُّنّة منها إلى الشيعة- وذلك من الدواعي التي دعتني إلى أن اراجع كلّ معتقداتي، لأنّي كلّما حاولتُ انتقاد الشيعة في شيء والاستنكار عليهم أثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، وعرفتُ أنّهم يقولون صدقاً، وعلى مرّ الأيّام ومن خلال البحث اقتنعتُ والحَمْدُ لِلَّهِ- فها أنا مقدّم لك ما يثبت ذلك في هذا الموضوع:
أخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ أنّ مِن القرآن سورتين، إحداهما هي: بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ. إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك.
والسورة الثانية، هي:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد. إن عذابك بالكافرين ملحق.
وهاتان السورتان سمّاهما الراغب في «المحاضرات» سورتي «القنوت». وهما ممّا كان يقنت بهما سيّدنا عمر بن الخطّاب، وهما موجودتان في مصحف ابن عبّاس، ومصحف زيد بن ثابت.[10]
أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابيّ بن كعب قال: كم تقرءون سورة الأحزاب؟ قال: بعضاً وسبعين آية. قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مثل البقرة أو أكثر منها، وإنّ فيها آية الرجم.
وأنت ترى أيّها القارئ اللبيب أنّ السورتين- المذكورتين في كتابي «الإتقان»، و«الدرّ المنثور» للسيوطيّ، واللتين أخرجهما الطبرانيّ والبيهقيّ، واللتين تسمّيان بسورتي القنوت- لا وجود لهما في كتاب الله تعالى.
وهذا يعني أنّ القرآن الذي بين أيدينا ينقص هاتين السورتين الثابتتين في مصحف ابن عبّاس، ومصحف زيد بن ثابت، كما يدلّ أيضاً بأنّ هناك مصاحف اخرى غير التي عندنا، وهو يذكّرني أيضاً بالتشنيع على أنّ للشيعة مصحف فاطمة، فافهم! (كم هي تهمة باطلة لا داعي لها، لأنّ مصحف فاطمة كان كسائر المصاحف أيضاً!).
وأنّ أهل السُّنّة والجماعة يقرأون هاتين السورتين في دعاء القنوت كلّ صباح. وكنتُ شخصيّاً أحفظهما وأقرأ بهما في قنوت الفجر.[11]
أمّا الرواية الثانية التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده فهي تقول بأنّ سورة الأحزاب ناقصة ثلاثة أرباع، لأنّ سورة البقرة فيها 286 آية، بينما لا تتعدّى سورة الأحزاب 73 آية. وإذا اعتبرنا عدّ القرآن بالحزب، فإنّ سورة البقرة فيها أكثر من خمسة أحزاب، بينما لا تعدّ سورة الأحزاب إلّا حزباً واحداً.
وقول ابيّ بن كعب: كُنتُ أقْرَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ البَقَرَةِ أوْ أكْثَرَ، وهو من أشهر القرّاء الذين كانوا يحفظون القرآن على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم، وهو الذي اختاره عمر ليصلّي بالناس صلاة التراويح.[12]
فهو يبعث الشكّ والحيرة كما لا يخفى.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابيّ بن كعب قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقال: فقرأ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. فقرأ فيها: وَلَو أنَّ ابْنَ آدَمَ سَألَ وَادِياً مِنْ مَالٍ فَاعْطِيَهُ لَسَألَ ثَانِياً. فَلَوْ سَألَ ثَانِياً فَاعْطِيَهُ لَسَألَ ثَالِثاً. ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ ويَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وإنَّ ذَلِكَ الدِّينَ القَيِّمَ عِنْدَ اللهِ الحَنَفِيَّةُ غَيْرُ المُشْرِكَةِ. ولَا اليَهُودِيَّةُ. ولَا النَّصْرَانِيَّةُ. ومَنْ يَفْعَلْ خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ.[13]
وأخرج الحافظ ابن عساكر في ترجمة ابيّ بن كعب أنّ أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق. فقرأ فيها على عمر بن الخطّاب هذه الآية:
إن (إذْ- ص) جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام.[14]
فقال عمر بن الخطّاب: من أقرأكم هذه القراءة؟! فقالوا: ابيّ بن كعب. فدعاه، فقال لهم عمر: اقرأوا، فقرأوا: ولَوْ حَمِيتُم كَمَا حَمُوا لَفَسَدَ المَسْجِدُ الحَرَامُ.
فقال ابيّ بن كعب لعمر بن الخطّاب: نعم، أنا أقرأتهم. فقال عمر لزيد بن ثابت: اقرأ يا زيد، فقرأ زيد قراءة العامّة.
فقال عمر: اللهُمَّ لَا أعْرِفُ إلَّا هَذَا!
فقال ابيّ بن كعب: واللهِ يَا عُمَرُ! إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أحْضُرُ ويَغِيبُونَ. وأدْنُو ويُحْجَبُونَ، ووَاللهِ لَئِنْ أحْبَبْتَ لألْزَمَنَّ بَيْتِي فَلَا أُحدِّثُ أحَداً ولَا اقْرِئُ أحَداً حتى أمُوتَ. فَقَالَ عُمَرُ: اللهُمَّ غُفْراً! إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ عِنْدَكَ عِلْماً، فَعَلِّمِ النَّاسَ مَا عَلِمْتَ!
قال: ومرّ عمر بغلام، وهو يقرأ في المصحف:
النَّبِيّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسِهِمْ وأزْواجُهُ امَّهَاتُهُمْ وهُوَ أبٌ لَهُمْ.[15]
فقال: يا غلام حُكَّها! فقال: هذا مصحف ابيّ بن كعب، فذهب إليه فسأله، فقال له: إنَّهُ كَانَ يُلْهِيني القُرْآنُ، ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ.[16]
وروى مثل هذا ابن الأثير في «جامع الاصول»، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه. وأترك لك أخي القارئ أن تُعلّق في هذه المرّة بنفسك على أمثال هذه الروايات التي ملأت كتب أهل السُّنّة والجماعة، وهم غافلون عنها ويشنّعون على الشيعة الذين لا يوجد عندهم عُشر هذا.
ولكن لعلّ بعض المعاندين من أهل السُّنّة والجماعة ينفُر من هذه الروايات. فيرفضها كعادته، وينكر على الإمام أحمد تخريجه مثل هذه الخرافات، فيضعّف أسانيدها، ويعتبر أنّ «مسند الإمام أحمد» و«سنن أبي داود» ليسا عند أهل السُّنّة بمستوى صحيحي البخاريّ، ومسلم.
ولكن مثل هذه الروايات موجودة في «صحيح البخاريّ»، و«صحيح مسلم» أيضاً، فقد أخرج الإمام البخاريّ في صحيحه[17] في باب مناقب عمّار وحذيفة رضي الله عنهما عن علقمة قال: قدمتُ الشام فصلّيت ركعتين، ثمّ قلتُ: اللهمّ يسّر لي جليساً صالحاً، فأتيتُ قوماً، فجلستُ إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلتُ: من هذا؟! قالوا: أبو الدرداء.
قلتُ: إنّي دعوتُ الله أن ييسّر لي جليساً صالحاً، فيسّرك لي. قال: ممّن أنت؟ فقلتُ: من أهل الكوفة. قال: أوليس عندكم ابن امّ عبدٍ صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟ وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم؟ أوليس فيكم صاحب سرّ النبيّ صلى الله عليه وآله الذي لا يعلم أحد غيره؟ ثمّ قال: كيف يقرأ عبد الله: واللَّيْلِ إِذا يَغْشى؟ فقرأتُ عليه: واللَّيْلِ إِذا يَغْشى، والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وما خَلَقَ الذَّكَرَ والْأُنْثى. قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من فيه إلى في.
ثمّ زاد في رواية اخرى قال: ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستنزلوني عن شيءٍ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.[18]
وفي رواية قال: واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، والنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى، ومَا خَلَقَ الذَّكَرَ والانثَى. قال: أقرأنيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم فاه إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردّوني.[19]
فهذه الروايات كلّها تفيد بأنّ القرآن الذي عندنا زيد فيه كلمة ومَا خَلَقَ.
وأخرج البخاريّ في صحيحه بسنده عن ابن عبّاس أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنّ الله بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم بالحقّ وأنزل عليه الكتاب. فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها وو عيناها، فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللهُ، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا احصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحَبَلُ والاعتراف.
ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم- أو- إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم.[20]
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه في باب لو أنّ لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً،[21] قال: بعث أبو موسى الأشعريّ إلى قرّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن. فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقرّاءهم، فاتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فانسيتها، غير أنّي قد حفظتُ منها: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَي وَادِياً ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ.
وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدى المسبّحات[22] فانسيتها غير أنّي حفظتُ منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة![23]
وهاتان السورتان المزعومتان اللتان نسيهما أبو موسى الأشعريّ: إحداهما تشبه براءة يعني 129 آية، والثانية تشبه إحدى المسبّحات، يعني 20 آية لا وجود لهما إلّا في خيال أبي موسى، فاقرأ واعجب، فإنّي أترك لك الخيار أيّها الباحث المنصف!
فإذا كانت كتب أهل السُّنّة والجماعة ومسانيدهم وصحاحهم مشحونة بمثل هذه الروايات التي تدّعي بأنّ القرآن ناقص مرّة، وزائد اخرى، فلما ذا هذا التشنيع على الشيعة الذين أجمعوا على بطلان هذا الادّعاء؟!
وإذا كان الشيعيّ صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب» الذي كتب كتابه سنة 1320 هـ،[24] أي منذ ما يقرب من مائة عام، فقد تبعه السنّيّ في مصر صاحب «الفرقان» كما أشار إلى ذلك الشيخ محمّد المدنيّ عميد كلّيّة الشريعة بالأزهر.[25]
والمهمّ في كلّ هذا أنّ علماء السُّنّة وعلماء الشيعة من المحقّقين قد أبطلوا مثل هذه الروايات واعتبروها شاذّة، وأثبتوا بالأدلّة المقنعة بأنّ القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي انزل على نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم، وليس فيه زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
فكيف يشنّع أهل السُّنّة على الشيعة من أجل روايات ساقطة عندهم، ويبرّئون أنفسهم، بينما صحاحهم تثبت صحّة تلك الروايات؟!
وإنّي إذ أذكر مثل هذه الروايات بمرارة كبيرة وأسف شديد، فما أغنانا اليوم عن السكوت عنها وطيّها في سلّة المهملات، لو لا الحملة الشعواء التي شنّها بعض الكتّاب والمؤلّفين ممّن يدّعون التمسّك بالسُّنّة النبويّة، ومن ورائهم دوائر معروفة تموّلهم وتشجّعهم على الطعن وتكفير الشيعة، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.
فإلى هؤلاء أقول: اتقوا الله في إخوانكم، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.[26]
[1] الآية 9، من السورة 15: الحجر.
[2] الآية 42، من السورة 41: حم السجدة.
[3] «عقائد الإماميّة» الشيخ محمّد رضا المظفّر، ص 59 و60، منشورات مكتبة الأمين في النجف، سنة 1388، تحت الرقم 21- عقيدتنا في القرآن الكريم.
[4] نقل الشيخ محمّد جواد مغنية في كتاب «مع الشيعة الإماميّة» المطبوع مع كتابين آخرين في مجموعة بعنوان «الشيعة في الميزان» ص 299، عن الاستاذ خالد محمّد خالد في كتاب «الديمقراطيّة» ص 148 أنّه قال: الشيعة لا يعترفون بغير القرآن، بل إنّ لبعض طوائفهم قرآناً غير قرآننا، وهم لا يعترفون بالسُّنّة وأحاديث الرسول التي يرويها وينقلها أئمّة أهل السُّنّة. فأجابه الشيخ قائلًا: لا أدري إذا كان أحد من الشيعة يعرف هذه الطائفة التي لها قرآن غير قرآننا. أمّا أنا فلا أعرف عنها شيئاً، ولم أسمع بها من قبل، ولا أريد أن أتعرّف إليها أبداً، إن كان لها وجود، لأنّي أعتقد أنا ويعتقد كلّ شيعيّ معي أنّ من لا يؤمن بهذا القرآن الذي بين أيدينا، فهو كافر ليس من الإسلام في شيء، لا هو مسلم سنّيّ، ولا مسلم شيعيّ. كما أنّي لا أعرف أحداً من الشيعة يعترف بالقرآن دون السُّنّة وأحاديث الرسول. إنّ الشيعة يعتقدون بأنّ القرآن والسُّنّة شيء واحد من حيث وجوب العمل والاتّباع، وأنّ من أنكر سنّة الرسول فقد أنكر القرآن نفسه لقوله تعالى: ماء اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. وهذه كتبهم في الفقه واصوله، والحديث ورجاله. وهي تعدّ بالمئات تعلن بصراحة أنّ أدلّة الشريعة الإسلاميّة، ومصادر أحكامها أربعة: الكتاب، والسُّنّة، والإجماع، والعقل.
[5] اسم مؤلّف الكتاب: الحاجّ الميرزا حسين، واسم أبيه: محمّد تقي.
[6] إذ إنّ كتاب «فصل الخطاب» لا يُعَدّ شيئاً عند الشيعة، بينما روايات نقص القرآن والزيادة فيه أخرجها صحاح أهل السُّنّة والجماعة أمثال البخاريّ، ومسلم، و«مسند أحمد».
[7] نجد مثل بحث السيّد التيجانيّ في عدم وجود فرق في نسبة تحريف القرآن وعدم تحريفه إلى الشيعة والسُّنّة، في بحث آخر للشيخ محمّد جواد مغنية في كتاب «الشيعة والتشيّع» ص 59إلی 61، وهو یدور حول عدم تحریف القرآن، واتّفاق الشیعة والسّنّة على ذلك. قال: نُسب إلى الإماميّة القول بأنّ عند فاطمة بنت الرسول مصحفاً، فيه زيادات عن هذا القرآن الكريم. وقبل أن نبيّن حقيقة هذه النسبة، نشير إلى عقيدة المسلمين في صيانة الكتاب العزيز: اتّفق المسلمون بكلمة واحدة على أنّه لا زيادة في القرآن، ما عدا فرقة صغيرة شاذّة من فرق الخوارج، فإنّها أنكرت أن تكون سورة يوسف من القرآن، لأنّها قصّة غرام يتنزّه عن مثلها كلام الله سبحانه. ونسب إلى بعض المعتزلة إنكار سورة أبي لهب، لأنّها سبّ وطعن لا يتمشّى مع منطق الحكمة والتسامح. ونحن لا نتردّد، ولا نتوقّف في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن، وأنّ جحود البعض تماماً كجحود الكلّ، لأنّه طعن صريح فيما ثبت عن النبيّ بضرورة الدين، واتّفاق المسلمين. أمّا النقصان بمعنى أنّ هذا القرآن لا يحتوي على جميع الآيات التي نزلت على محمّد، فقد قال به أفراد من السُّنّة والشيعة في العصر البائد. وأنكر عليهم يومذاك المحقّقون وشيوخ الإسلام من الفريقين، وجزموا بكلمة قاطعة أنّ ما بين الدفّتين هو القرآن المنزل دون زيادة أو نقصان للآية 9، من سورة الحجر: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، والآية 41، من سورة فصّلت: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين، وعقيدة لجميع المسلمين، إذ لا قائل بالنقيصة، لا من السُّنّة، ولا من الشيعة. فإثارة هذا الموضوع، والتعرّض لهـ في هذا العصر- لغو وعبث، أو دسّ وطعن على الإسلام والمسلمين. وإذا عذرنا محبّ الدين الخطيب، والحفناويّ، والجبهان، وأضرابهم من المأجورين، فإنّا لا نعذر أبداً الشيخ أبا زهرة، لأنّه في نظرنا أجلّ، وأسمى علماً وخلقاً من ألف خطيب وخطيب من أمثال محبّ الدين. لذا وقفنا حائرين متسائلين: ما ذا أراد فضيلته من إثارة هذا الموضوع في كتاب «الإمام الصادق» مع علمه ويقينه أنّه أصبح في خبر كان، وأنّه لا قائل به اليوم من الشيعة ولا من السُّنّة؟ ما ذا أراد الشيخ أبو زهرة من حملته الشعواء على الشيخ الكلينيّ صاحب «الكافي» الذي مضى على وفاته أكثر من ألف سنة؟ هل يريد الشيخ أن يُدخلنا في جدل عقيم، ونحن نطلب الوفاق والوئام معه ومع غيره؟ وحيثما أجَلْتُ الفكر في سبب هذه الحملة لم أجد لها تفسيراً إلّا التأثّر بالبيئة والوراثة. وهل من شيء أدلّ على ذلك من قوله في ص 36: لا نستطيع قبول روايات الكلينيّ، لأنّه الذي أدّعى أنّ الإمام جعفر الصادق قد قال: إنّ في القرآن نقصاً وزيادة. وقد كذبهـ كذا- كبار العلماء من الاثني عشريّة، كالمرتضى، والطوسيّ، وغيرهما، ورووا عن أبي عبد الله الصادق نقيض ما ادّعاه الكلينيّ. وكرّر هذه العبارة وما إليها في صفحات الكتاب مرّات ومرّات. إنّ أبا زهرة يصوّر الكلينيّ، وكأنّه قد تفرّد بهذا القول دون غيره، وتصويره هذا بالتضليل أشبه، كما يتّضح ممّا يأتي: ولستُ أدري كيف ذهل الشيخ عن وجه الشبه فيما نقله الكلينيّ في «الكافي»، وما نقله كلّ من البخاريّ ومسلم في صحيحيهما؟ قال البخاريّ في ج 8، ص 209، طبعة سنة 1377 هـ: جلس عمر على المنبر. فلمّا سكت المؤذّن، قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي قائل لكم مقالة قد قدّر لي أن أقولها، لا أدري لعلّها بين يدي أجلي. فمن عقلها ووعاها فليحدّث بها، حيث انتهت به راحلته. ومن خشي أن لا يعقلها، فلا احلّ لأحدٍ أن يكذب علَيّ. إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا انزل آية الرجم، فقرأناها وعقلناها وو عيناها، ورجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البيّنة أو كان الحبل، أو الاعتراف. ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ونقل البخاريّ أيضاً في ص 86، ج 9، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: لو لا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتُ آية الرجم بيدي. هذا ما جاء على لسان الخليفة الثاني في «صحيح البخاريّ». وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه، ص 107، القسم الأوّل من الجزء الثاني طبعة سنة 1348 هـ، ولم يذكر فيه: أن لا ترغبوا عن آبائكم ... إلى آخره، مع العلم بأنّ ليس في القرآن ما يُشعر بوجوب الرجم والرغبة عن الآباء.
وقال السيوطيّ في «الإتقان» ج 1، ص 60، مطبعة حجازيّ بالقاهرة: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد. وكان الناس يأتون زيد بن ثابت. فكان لا يكتب آية إلّا بشاهدَي عدل. وإنّ آخر سورة براءة لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت، فقال- أي: أبو بكر- اكتبوها، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب. وإنّ عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها، لأنّه كان وحده.
وإذا كان أبو زهرة لا يقبل أحاديث الكلينيّ، لأنّه روى حديث التحريف- كما قال- فعليه أن لا يقبل أحاديث البخاريّ جملة وتفصيلًا لمكان هذا الحديث الصريح الواضح بالتحريف بشهادة عمر بن الخطّاب. إنّ ما ذكره الكلينيّ في هذا الباب لا يختلف في النتيجة عمّا ذكره البخاريّ ومسلم. فلما ذا تحامل الشيخ على الكلينيّ، وسكت عنهما؟ بل قال أبو زهرة في كتاب «الإمام زيد» ص 245: والبخاريّ ذاته، وهو أصحّ كتب السُّنّة إسناداً قد أخذتُ عليه أحاديث. وما كان ذلك مسوّغاً لتكذيب البخاريّ ولا مسوّغاً لنقض الصحيح الذي رواه، وعدم الأخذ به.
وأيضاً روى البخاريّ في الجزء الرابع باب طفَّة إبليس وجنوده، عن عائشة أنّها قالت: سُحِر النبيّ، حتى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء، وما يفعله. وقد كذّبه في ذلك الجصّاص أحد أئمّة الحنفيّة، قال ما نصّه بالحرف: وقد أجازوا مِن فعل الساحر ما هو أطمّ وأفظع، ذلك أنّهم زعموا أنّ النبيّ صلى الله عليه [و آله] وسلّم سُحِرَ، وأنّ السِّحر عمل فيه، حتى قال: إنّه يخيّل إليّ أنّي أقول الشيء، ولا أقوله، وأفعله، ولم أفعله، إلى أن قال الجصّاص: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين. («أحكام القرآن» للجصّاص، ج 1، ص 55، طبعة سنة 1347 هـ).
[8] الصحيح هو الفضل بن الحسن.
[9] مقال الاستاذ محمّد المدنيّ عميد كلّيّة الشريعة في الجامع الأزهر. مجلّة «رسالة الإسلام» العدد 4، السنة الحادية عشرة، ص 382 و383.
[10] «مسند أحمد» ج 5، ص 132.
[11] قال الشيخ محمود أبو ريّة في كتاب «أضواء على السُّنّة المحمّديّة» ص 254، الطبعة الثالثة، ضمن بيان ثلاث مشاكل: وممّا يشاكل ما نُقِل عن ابن مسعود، (في حذف المعوّذتين من مصحفه) ما نُقل عن ابيّ بن كعب أنّه كتب في مصحفه سورتين تسمّيان سورتي الخلع، والحفد كان يقنت بهما. (و قال أبو ريّة بعد نقل السورتين:) وقد تعرّض القاضي لذكر ذلك في «الانتصار» فقال: إنّ كلام القنوت المروي أنّ ابيّ بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجّة بأنّه قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء، وإنّه لو كان قرآناً لنُقل نقل القرآن وحصل العلم بصحّته، وإنّه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآناً منزلًا، ثمّ نُسخ وابيح الدعاء به وخُلط بكلام ليس بقرآن- ولم يصحّ ذلك عنهـ وإنّما روى عنه أنّه أثبته في مصحفه، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل.
أقول: مرّ بنا قريباً في البحث القيّم لسماحة الاستاذ العلّامة قدّس سرّه أنّ احتمال نسخ تلاوة القرآن وبقاء أصله غير معقول.
[12] «صحيح البخاريّ» ج 2، ص 252.
[13] «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ج 5، ص 131. الحنيفيّة هو الصحيح.
[14] الآية 26، من السورة 48: الفتح، بالنحو الآتي: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ وعَلى رَسُولِهِ وعَلَى الْمُؤْمِنِينَ (الآية).
[15] الآية 6، من السورة 33: الأحزاب. علماً أنّه ليس فيها لفظ: وهُو أبٌ لهم.
[16] «تاريخ دمشق»، للحافظ ابن عساكر، ج 2، ص 228.
[17] «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 215.
[18] «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 216.
[19] «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 218، باب مناقب عبد الله بن مسعود.
[20] «صحيح البخاريّ» ج 8، ص 26، باب رجم الحبلي من الزنا إذا أحصنت.
[21] «صحيح مسلم» ج 3، ص 100.
[22] المسبّحات خمس سور من القرآن تبدأ بالتسبيح، وهي: الحديد، والحشر، والجمعة، والصفّ، والتغابن.
[23] تحدّث الشيخ محمود أبو ريّة في كتاب «أضواء على السُّنّة المحمّديّة» ص 256 و257، الطبعة الثالثة، وهو يستعرض مفتريات الرواية، فقال بعد شرح مفصّل: ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو أخطر من ذلك حتى زعمت أنّ في القرآن نقصاً ولحناً وغير ذلك ممّا أورد في كتب السُّنّة. ولو شئنا أن نأتي به كلّه هنا لطال الكلام، ولكنّا نكتفي بمثالين ممّا قالوه في نقص القرآن، ولم نأت بهما من كتب السُّنّة العامّة، بل ممّا حمله الصحيحان، ورواه الشيخان البخاريّ ومسلم. أخرج البخاريّ وغيره عن عمر بن الخطّاب أنّه قال وهو على المنبر: إنّ الله بعث محمّداً (و يسرد أبو ريّة هنا الرواية كلّها ثمّ يقول:) وأخرج مسلم عن أبي الأسود، عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعريّ إلى قرّاء أهل البصرة (و يورد أبو ريّة هنا الرواية برمّتها، ثمّ يقول:) نجتزئ بما أوردنا وهو كافٍ هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتى في الكتاب الأوّل للمسلمين وهو القرآن الكريم! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تُفصح بأنّ القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه: إنّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون؟ وأيّهما نصدّق؟! اللهمّ إنّ هذا أمر عجيب يجب أن يتدبّره اولو الألباب.
[24] سنة 1320 هـ هي سنة وفاة المرحوم النوريّ، وليست سنة تأليف «فصل الخطاب».
[25] «رسالة الإسلام» العدد 4، السنة الحادية عشرة، ص 382 و383.
[26] «لأكون مع الصادقين» للدكتور محمّد التيجانيّ السماويّ، ص 259 إلى 271، طبعة منقّحة سنة 1993 م. الجملة الأخيرة في كلامه من قوله: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا- إلى آخره جزء من الآية 103، من السورة 3: آل عمران.
الاكثر قراءة في شبهات وردود
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)