ذكر ابن حجر في «الصواعق المحرقة» هذه الكلمات عن الإمام، وهي قوله: نَحْنُ النُّجَبَاءُ،[1] وأفْرَاطُنَا[2] أفْرَاطُ الأنْبِيَاءِ، وحِزْبُنَا حِزْبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والفِئَةُ البَاغِيَةُ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، ومَنْ سَوَّى بَيْنَنَا وبَيْنَ عَدُوِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.[3]
وقال ابن حجر أيضاً في «الصواعق المحرقة» في تفسير الآية الخامسة من الآيات التي ذكرها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر في فضائل أهل بيت النبيّ، وهي قوله تعالى: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً[4]: ذكر الثعلبيّ في تفسيره عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ دأب الإمام أبي محمّد عليّ بن الحسين زين العابدين وسيّد الساجدين إذا تلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.[5] يدعو الله عزّ وجلّ دعاءً طويلًا يشتمل على طلب اللحوق بدرجات الصادقين والدرجات العلية، ويتضمّن وصف المحن وما انتحلته المبتدعة المفارقة لأئمّة الدين، والشجرة النبويّة. ثمّ يقول: وذَهَبَ آخَرُونَ إلَى التَّقصِير في أمْرِنَا، واحْتَجُّوا بِمُتَشَابِهِ القُرْآنِ، فَتَأوَّلُوا بِآرَائِهِمْ، واتَّهَمُوا مَأثُورَ الخَبَرِ فِينَا.
إلى أن قال: فَإلَى مَنْ يَفْزَعُ خَلَفُ هَذِهِ الامَّةِ، وقَدْ دَرَسَتْ أعْلَامُ هَذِهِ المِلَّةِ، ودَانَتِ الامةُ بِالفُرْقَةِ والاخْتِلَافِ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً واللهُ تَعَالَى يَقُولُ: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ».[6]
فَمَنِ المَوْثُوقُ بِهِ عَلَى إبْلَاغِ الحُجَّةِ، وتَأوِيلِ الحُكْمِ إلَّا أعْدَالُ الكِتَابِ وأبْنَاءُ أئِمَّةِ الهُدَى، ومَصَابِيحُ الدُّجَى، الَّذِينَ احْتَجَّ اللهُ بِهِمْ عَلَى عِبَادِهِ، ولَمْ يَدَعِ الخَلْقَ سُدَى مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. هَلْ تَعْرِفُونَهُمْ أوْ تَجِدُونَهُمْ إلَّا مِنْ فُرُوعِ الشَّجَرَةِ المُبَارَكَةِ، وبَقَايَا الصَّفْوَةِ الَّذِينَ أذهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، وطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً، وبَرَّأهُمْ مِنَ الآفَاتِ، وافْتَرَضَ مَوَدَّتَهُمْ في الكِتَابِ.[7]
وقال ابن حجر أيضاً في «الصواعق المحرقة»: نصّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عليه أيّام خلافته، لمّا بدره رجل من بني أسد فطعنه بخنجر وهو ساجد -و لم يستشهد الإمام على أثر تلك الطعنة، وعاش بعدها عشر سنوات- فقام خطيباً فقال: يَا أهْلَ العِرَاقِ اتَّقُوا اللهَ فِينَا! فَإنَّا امَرَاؤُكُمْ وضِيفانُكُمْ ونَحْنُ أهْلَ البَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: «إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». قَالُوا: ولأنْتُمْ هُمْ؟! قَالَ: نَعَمْ![8]
[1] النجيب هو الرجل المحمود في النظر أو في القول أو في العمل. ويعني أيضاً: الفاضل النفيس في نوعه. وجمعه: النجباء.
[2] الفَرَط: العَلَم يُهتدي به. وجمعه: أفراط. ومن معانيه: المتقدّم قومه إلى الماء ليعثر عليه. ومن معانيه: ما لم يُدرِك من الوُلد، الذي يسبق أباه وامّه إلى الثواب والجنّة... .
[3] «الصواعق المحرقة» ص 142.
[4] الآية 103، من السورة 3: آل عمران.
[5] الآية 119، من السورة 9: التوبة.
[6] الآية 105، من السورة 3: آل عمران.
[7] قال ابن حجر في ص 90 من صواعقه: روى الثعلبيّ في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: نَحن حبل الله الذي قال الله: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولَا تَفَرَّقُوا». وإذا تلا جدّه زين العابدين هذه الآية يقول: ... إلى آخره. وقال القندوزيّ في «ينابيع المودّة» ص 273 و274: وقد أخرج الحافظ عبد العزيز بن الأخضر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة - وهو آخر الصحابة موتاً بالاتّفاق قال: كان عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السلام إذا تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. يقول: اللهم ارفعني في درجات هذه الندبة، وأعني بعزم الارادة حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي. وذكر ما يشتمل على المحن وما انتحلته طوائف من هذه الامّة بعد مفارقتها لأئمّة الدين والشجرة النبويّة. إلى أن قال: وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا ... إلى آخر ما ذكره القندوزيّ في المتن نقلًا عن تفسير الثعلبيّ. وفي آخره قول الإمام: هم العروة الوثقى ومعدن التُّقى وخير حبال العالمين ووثيقها.
[8] «الصواعق المحرقة» ص 137.