قال عليه السلام في «نهج البلاغة» أيضاً: وإنِّي لعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، ومِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي، وإنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِحِ ألقُطُهُ لَقْطاً.[1]
انْظُرُوا أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ! فَالزَمُوا سَمْتَهُمْ، واتَّبِعُوا أثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدى، ولَنْ يُعِيدُوكُمْ في رَدَى، فَإنْ لَبِدُوا فَالْبُدُوا، وإنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا! فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، ولَا تَتَأخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا![2]
وكذلك قال عليه السلام فيه: عِتْرَتُهُ خَيْرُ العِتَرِ، واسْرَتُهُ خَيْرُ الاسَرِ، وشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ في حَرَمٍ، وبَسَقَتْ في كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوالٌ وثَمَرَةٌ لَا تُنَالُ. فَهُوَ إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى.
سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ. سِيَرتُهُ القَصْدُ، وسُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وكَلَامُهُ الفَصْلُ، وحُكْمُهُ العَدْلُ.[3]
وقال فيه: بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ، وتَسَنَّمْتُمْ العَلْيَاءَ، وبِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ. وَقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةَ.[4]
يريد الإمام من قوله: بِنَا اهْتَدَيْتُمْ رسول الله وهو نفسه، إذ كان رفيق دربه في مراحل التعليم والإرشاد والهداية والهجرة والجهاد وتحمّل المشاكل والمصاعب.
وقال في خطبة بعد بيان فضائل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: أيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الكَدَرِ.[5] والمراد علومه عليه السلام التي تمثّل ينبوع المعارف الزلال الصافي.
وقال في خطبة أيضاً بعد بيان زهد رسول الله وإعراضه عن زينات الدنيا: نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ومَحَطُّ الرِّسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ المَلَائِكَةِ، ومَعَادِنُ العِلْمِ، ويَنَابِيعُ الحِكَمِ. نَاصِرُنَا ومُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وعَدُوُّنَا ومُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ.[6]
ونقل صاحب «الصواعق المحرقة» فيه عن ابن عبّاس أنّه قال: نَحْنُ أهْلَ البَيْتِ شَجَرةُ النُّبُوَّةِ ومُخْتَلَفُ المَلَائِكَةِ وأهْلُ بَيْتِ الرِّسَالَةِ وأهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، ومَعْدِنُ العِلْمِ.[7]
وخطب الإمام عليه السلام خطبة تحدّث فيها عن بعثة الأنبياء، ووصف أهل البيت، ثمّ تطرّق إلى فريق آخر فقال: أيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ دُونَنَا، كِذْباً وبَغْياً عَلَيْنَا؟ أنْ رَفَعَنَا اللهُ ووَضَعَهُمْ، وأعْطَانَا وحَرَمَهُمْ، وأدخَلَنَا وأخْرَجَهُمْ. بِنَا يُسْتَعْطَي الهُدَى، ويُسْتَجْلَي العَمَى. إنَّ الأئِمَّةَ مِنْ قُرَيشٍ، غُرِسُوا فِي هَذَا البَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لَا تَصْلَحُ عَلَى سِوَاهُمْ، ولَا تَصْلَحُ الوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ. (مِنْهَا) آثَرُوا عَاجِلًا وأخَّرُوا آجِلًا، وتَرَكُوا صَافِياً، وشَرِبُوا آجِناً.[8]
نلاحظ في هذه العبارات التي يتحدّث فيها الإمام صلوات الله عليه عن الأنبياء، ثمّ عن ولاية وخلافة بني هاشم خاصّة لا قريش كلّها، يتبعه ذمّ الآخرين من غير بني هاشم ممّن ظلموا وغصبوا الخلافة - أنّ الإمام يقصد الخلفاء الثلاثة الماضين الذين أدانوا الأنصار في السقيفة باستدلالهم إنّ الأئمّة من قريش، بَيدَ أنّهم خانوا، إذ لم يذكروا فرع بني هاشم خاصّة، فلهذا عند ما بلغ الإمام استدلالهم، قال: احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وأضَاعُوا الثَّمَرَةَ.
وقال عليه السلام في سعادة ونجاة المتمسّكين بولاية أهل البيت: فإنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وحَقِّ رَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً ووَقَعَ أجْرُهُ عَلَى اللهِ، واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ. وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وأجَلًا.[9]
[1] ذكر الشيخ محمّد عبده في شرحه أنّ الإمام سمّي اتّباعه لمنهاج الحقّ لقطاً، لأنّ الحقّ واحد والباطل ألوان مختلفة، فهو يلتقط الحقّ من بين ضروب الباطل.
[2] من الخطبة 95، طبعة مصر، بتعليق الشيخ عبده، ج 1، ص 189.
[3] الخطبة 92، طبعة مصر، بتعليقة عبده، ج 1، ص 185.
[4] من الخطبة 4، طبعة مصر، بتعليقة محمّد عبده، ج 1، ص 38.
[5] من الخطبة 102، طبعة مصر، بتعليقة محمّد عبده، ص 201.
[6] من الخطبة 107، طبعة مصر، بتعليقة عبده، ج 1، ص 215.
[7] «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتميّ، ص 142 في آخر باب خصوصيات أهل البيت. ونقل علماء العامّة هذه العبارات عن ابن عبّاس في كتبهم.
[8] من الخطبة 142، طبعة مصر، بتعليقة الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 262.
[9] من الخطبة 158، طبعة مصر، بتعليق الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 368.