مظهر آخر من مظاهر التفاعل المعتقَدي، يتمثل في أن شمال أفريقيا قد ترسَّبت فيه المعتقدات الأُمومية، التي تُعَدُّ عبادةُ الإلَهة تانيت، ربة الخصب والنماء، أبرزها وأكثرها انتشارًا، ويمكننا هنا أن نلجأ إلى مُستويَينِ في فهم التفاعل الأفروآسيوي في هذا الإطار:
(1) بالتواصل مع المعتقدات الأمومية (المترياركية) في مراحل ضاربة في القِدم، وخاصة تلك التي كانت سائدة في بلاد الرافدين، المتمثلة في تجسيد الإلَهة الأُم وعبادتها Mother Goddess، نشأت عبادة تانيت؛ فارتحال طقوس هذه العبادة وتنقُّلاتها بين المنطقتَين (شرق المتوسط وشمال أفريقيا) يكاد يكون أمرًا مجهولًا الآن وغير قابل للتتبُّع والملاحَقة، بفعل الافتقاد إلى المدوَّنات اللازمة، سوى ما نجد من نقوش فَخَّارية يمكن استشفاف التصوُّرات المعتقَدية عن طريقها. ومجال ذلك يمكن تقديره اعتمادًا على شواهد أركيولوجية بمُدة تمتد منذ القِدم إلى الألف السادسة ق.م.
(2) ظل تبجيل الإلهة تانيت سائدًا في شمال أفريقيا، حصرًا وبشكل مباشر، بين أواسط ليبيا الحالية وأواسط الأطلس شمالًا، ومعظم مدن الصحراء الكبرى وواحاتها جنوبًا، وهو ما أُعرِّفُه بميثولوجيا الساحل والصحراء. بالإضافة إلى دخول معتقَدات بطرياركية جديدة؛ مثل عبادة بَعْل، الذي قُرن عادةً بتانيت؛ فصحراء الجزيرة كانت

علامات تانيت (قَرطاج).
أكثر انفتاحًا على تغير المعتقَدات فيها وتطورها بتأثير الشمال، حتى إن كعبة مكة أصبحت «بانثيون» عربيًّا يضم مئات الآلِهة، بالإضافة إلى «كعبات» أُخرَيات، لعل أشهرها «الحديقة» في جنوب الجزيرة.
هذا بالإضافة طبعًا إلى التأثير المصري. إننا، بتوفر ما يكفي من الشواهد، نستطيع الحديث عن تواصل معتقدي بين مصر وصحراء الجزيرة، كما نجد أن حركة ترحال القبائل الليبية القديمة إلى مصر كانت متصلةً، إنْ على شكل هجرات جماعية، وإنْ على

علامات تانيت (بيروت) وهي أكثر قِدَمًا وأقلُّ إتقانًا من نظيراتها القَرطاجية.

الأبجديات الليبية والتارقية مقارنة بالإغريقية ذات الأصل الفينيقي. (المصدر: ليبيا القديمة)
شكل غزو، عادة ما كان ينتهي باندماج هذه القبائل سلميًّا في الجسم الاجتماعي من مصر القديمة. ويبدو أن نوعًا من السجلِّ النسابي كان سائدًا هناك إلى الحد الذي يحتفظ فيه «الأجنبي» بنسابته، حتى وإن وُلد في بلاط الفِرعون، ولعلَّ مثالنا الأشهر على ذلك هو شيشنق، الفرعون الذي صاهر سليمان النبي، وعبَرت جيوشه بلاد ما بين النهرين، خالقًا بذلك أوَّل فضاء قارِّي أفروآسيوي مُوحَّد، ومجال مرحلة هذا الترحال هي المدة الواقعة بين أربعة آلاف وألفَيْ سنة ق.م.
(3) في مرحلة لاحقة، كانت الجزيرة قد شهدت ظهور الديانتَين المُوسَوية والعِيسَوية، قبل مئات السنين من ظهور الديانة المحمَّدية، وهو ما أنتج تعاظُم الحَراك الاجتماعي-الثقافي بين المنطقتَين، ومهَّد لانتشار بُؤَر اليهودية والمسيحية في مدن الساحل والصحراء وواحاتها، ولا نكاد نعثر على واقعة ذات أهمية تدلُّ على الصراع والاقتتال بين الديانات السابقة، الأُمومية (المترياركية) بتأثير أبويٍّ (بطرياركي) غير مكتمل، وبين الديانتَين البطرياركيتَين الجديدتَين؛ لقد انسحبت اليهودية لتصنع لها معاقل منتشرة هنا وهناك، وما إن أصبحت المسيحية دينًا رسميًّا للإمبراطورية الرومانية، حتى تحولت إلى دِين شعبي في شمال أفريقيا. وعلى عكس المرحلة السابقة تمامًا، فإن الكثيرين من أبناء شمال أفريقيا أسهموا في جعل هاتين الديانتَين تنتشران وتتَّسِمان بأول أبعادهما القارِّية، بل إن بعضهم قد أمدَّ المسيحية بروح جديدة جعلت استمرارها ممكنًا بعد أن تخاطفت أطرافَها الخلافات المذهبية والإقليمية، أعني سانت أوغسطين. على أن اعتناق هذه الديانة في أثناء ظهورها مثَّل أمام الليبيين سبيلًا للخلاص من الاحتلال الروماني، وقد رأينا، على سبيل المثال، سمعان القوريني Simon of Cyrene وهو يهودي تعود أصوله إلى قورينا، ورد ذكره في الإنجيل، وتُرجمت صفته باللغة العربية إلى «القيرواني»، وهي ترجمة خاطئة. يُذكر في الأدبيات المسيحية أن الجنود الرومان أمروه بحمل صليب المسيح (متى، 27: 32؛ مرقس، 15: 21؛ لوقا 23: 26)، بعد أن خرَّ المسيح إعياءً. ويُعَدُّ أول قدِّيس مسيحيٍّ من شمال أفريقيا، وقد كان المنكِرون صلبَ المسيح يقولون إن سمعان أخذ صورة المسيح وصُلِب بدلًا منه.
ولعل ظهور أريوس Arius مؤسَّس المذهب الأريوسي، وهو ابن أمونيوس الليبي، من مواليد قورينا سنة 256م، قد مثَّل أحد أكبر الانشقاقات في المسيحية الإمبراطورية، وكان قد أنكر أُلوهيَّة المسيح ودعا إلى أُقْنُوم واحد، فأدانه المَجمَع المسكوني الأول بدعوة

سمعان القوريني يساعد المسيح. كاتدرائية سان روفائيل، أيوا، الولايات المتحدة.
من الإمبراطور، ولكن انتشار أتباعه في أرجاء كثيرة من الإمبراطورية أرغم الرومان على إزاحته، مع عدم الإقدام على قتله.
وقد عاصر آريوس الأب الثَّوري دونا، مؤسِّس المذهب الدوناتي، والأرجح أنهما كانا متَّصلَين، وتتفق الأريوسية مع الدوناتية في التوحيد وإنكار التثليث، وفي القول بطبيعة المسيح الإنسِيَّة (واحديَّة الأُقنوم)، في مقابل عقيدة الرومان، أي الكاثوليكية التي تؤمن بالتثليث وبالطبيعتَين الإنسِيَّة والإلهية في كيان المسيح (ثُنائية الأُقنوم).
مجيء الإسلام بعد ذلك قلب الموازين رأسًا على عَقِب؛ لقد آمنَت به الغالبية العُظمى، وبقدرته على توظيف المقولات، وأشدُّها أثرًا وفعاليَّة هي مقولة النَّسخ في المأثَرة التي تقول:

الإمبراطور قسطنطين يحرق كتب الأريوسيين. (رسم يعود لعام 825م)
الإسلام يَجُبُّ ما قبله. أصبح عدم الإيمان به عبئًا على الكاهل، في حين أن الانتماء إليه يُضفي عددًا من المزايا الاجتماعية على الأفراد، وهكذا شهد الساحل والصحراء الأفريقيَّين تحوُّلًا تدريجيًّا، بعد عمليات الفتح القليلة، الموزَّعة هنا وهناك، التي تُصوَّر لنا على يد المستشرقِين على أنها اكتساح شامل لم يترك — بقوة السيف — شيئًا يصمد في طريقه.