يعتقد كل شَعب أن لغته تتميَّز عن لغات غيره من الشعوب؛ بكمالها، أو بقُدسيَّتها، أو باستطاعتها استيعابَ نصوص وآداب أكثر براعةً، كما يعتقد أن غيره من الشعوب يظل أقلَّ قدرةً منه على امتلاك ناصية التعبير بالكلمات عن المعنوي واللا مرئي والغائب.
والنظر إلى اللغة الأم ولغة الآخر على هذا النحو، هو جزء من خيالٍ وصفيٍّ عام يتمركز حول الذات، ويشي بتوضيع الآخر على أطراف مسارات التواصُل، سالبًا منه قدرته على الإسهام في تفعيل هذه المسارات؛ فالآخرون في مثل هذا الخطاب، القائم على نزع الاعتراف، تعوزهم على الدوام خصائص الاكتمال، وهم يتدرَّجون من مرتبة أدنى تُنزَع عنهم فيها صفتهم البشرية إلى مراتب أكثر اعتدالًا تصفهم بالتخلُّف أو الجهل. ومبدأ هذا الخطاب ما زال يواصل اشتغاله إلى يوم الناس هذا، إلا أنه قديم قِدَمَ اكتشاف البشر لاختلاف ألسنتهم، ويمكننا التفكير في الكثير من الشواهد التي أنتجتها الحضارات كافَّة، إلا أنني أُحيلُكم إلى بليني الأكبر، الذي نقل عن هيرودوت أغرب ما يمكن أن يقرأه المرء في تاريخ معرفة الآخر، وأضاف إليه الأكثر غرابة و«إتحافًا». يقول بليني: إن قبائل لِيبيَّة من سكان الأطلس لا لسان لها، وإنها «تُهَمْهِم» و«تُومئ» كي تتمكن من التواصل. وهناك بالطبع صور أخرى (مثل أن قبائل أخرى لا ترى أحلامًا في منامها)، ولكن هذا الاقتباس يفي بالغرض.
ومن أقدم الأمثلة على مبدأ سلب الاعتراف بالآخر، أن قدماء المصريين ميَّزوا أنفسهم باعتبار أنهم «الناس» وحدهم، في مقابل اللِّيبيين أو الآسيويين أو الأفارقة؛ فكلمة «أُناس» كانت تعني المصريين وحدهم متى وردَت، لا غيرهم. وخطابهم: نحن «البشر» الذين لا يعوزهم شيء من الإنسانية، أمَّا الآخرون فلا. كما أن كلمة «الأرض» لم تكن لتعني سوى أرض مصر نفسها.
هكذا أطلق الإغريق كلمة barbaros على غيرهم من الشعوب التي لم تتَّصل لغويًّا بها، وهي كلمة كانت تدلُّ، قبل أن يجري وقفُها على هذا المعنى، على العِيِّ وعدم استطاعة الكلام بطلاقة، المعنى الذي نكتشفه من مقارنة هذا اللفظ باللفظ اللاتيني balbus الذي يدلُّ على مَن يُتَمْتِمُ إذا تكلَّم. وفي مثالٍ حديثٍ فإن الروس وصفوا الألمانَ بأنهم أصحاب الألسنة المعقودة أو البُكْم.
لكن لغات الأغراب في الأوصاف المصرية والإغريقية واللاتينية، لم تكن في الغالب تشمل أولئك الذين يهاجرون ليتوطنوا مصر أو أثينا أو روما، ولم يكن الشعور السائد نوعًا من «الإكزنوفوبيا» أو كُره الغريب، بل مسألة جغرافيا وعُرْف وعادة، حتى إن الذين هاجروا إلى مصر ليستقِرُّوا بها، يتحدثون لغة شعبها، ويؤمنون بمعتقداتهم، ويمارسون أنماط إنتاجهم، ويرتدون أزياءهم، ويقبلون أنظمة حياتهم؛ كانوا يتحولون تلقائيًّا إلى جزء من «الناس» في عُرف المصريين، بل قد يُتاح لهم الوصول إلى السلطة ليصبح أحدهم ملكًا-إلهًا، يمتلك البلاد والعباد.
كلمة «بربر»، إذن، لم يخترها الأمازيغ أنفسهم، وهي في ذلك مثل كلمة شُومر أو سُومر، التي استعملها الأَكَديون لوصف جيرانهم. وأعتقد أن المصريين القدماء هم من أطلقها بمعنى الحُلفاء، من su أي الناس، البشر، وmer أي الأصدقاء. وأرى أن بحث الأركيولوجيين عن هذه المدينة في العراق سينتهي بلا طائل؛ لأن سُومر ليست سوى صفة لسكان المُدُن القديمة: أور، وأوروك، وشروباك … وغيرها، دون أن يعني ذلك مكانًا بعَينه. كلمة بربر هي أيضًا مثل كلمة عرب، التي يمكن تأصيلها سُومريًّا. والقاعدة العامة هي أن أسماء الشعوب مستعارة، وأنها نادرًا ما تكون من ابتكار الشعوب نفسها.
لكننا، بالاستفاضة في تأمُّل هذه الكلمة، يمكننا مقاربة مظهر من مظاهر التواصل اللغوي، وما أودُّ الإشارة إليه هنا هو العلاقة بين بربر وبابل (أو باب-إل bab-el ) التي استقرَّ تأويلها في الذاكرة الإنسانية بالعودة إلى البَلْبَلَة من خلال الشُّرَّاح اليهود والعرب.
فالإبدال بين صوتَي الراء واللام ظاهرة تسود المتوسط وجواره وما هو أبعد، فكأنما اللسان بإطلاقه قابل دائمًا لإبدال الصوتَين أحدهما بالآخر، بما يتوافر له من تهيؤ اجتماعي وثقافي، وفي ذلك أمثلة عديدة لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ﻓ Barber وBabel إذن هما هما. وللعرب في تأكيد هذه التسمية — كما كان لليهود — دور ولا بدَّ؛ لقد جعلوا بابل من بلبل، قيل: بلبل الله ألسنتهم. أي أنشأ فيها الرَّطانة فلم يعُد أحدٌ يفهم أحدًا. وذلك هو أصل التسمية «بربر»، ارتحل إلى اليونانية Barbaros.
أما العرب فإنهم جعلوا من الشعوب المحيطة بهم أصحاب رَطانات غير مفهومة؛ فوصفوا الروم بالعَجَم، وهي كلمة تشترك في الجذر نفسه مع الأعاجم، أي الحيوانات البَكماء. وأنزلوا لغتهم مَنزِلة مُقدَّسة؛ فجعلوا لها أصلًا إلهيًّا؛ بها كلَّم الله أول خَلقه، وبها أنزل كتابه، وبها سيتكلم يوم القيامة، ولهم في وصفها وتبجيلها، ببيان تَميُّزِها، مُصنَّفات كثيرة. كما جعلوا منها أصل اللغات، وهو ما يشتركون فيه مع الطورانيين، واليهود … وغيرهم من الشعوب التي رأت في لغاتها أُصولًا تفرَّعت عنها لغات الأرض، وهو توجُّهٌ مِيثيٌّ رفَده البحث العلمي بالركون إلى أصلٍ افتراضي كلما جِيء إلى بحث التآثر اللغوي، كما في مثالَي: الهندوأوروبية الأم، والسامية الأم؛ فالقرابة بين اللغات أدت على الدوام إلى فرضية الأصل الغائب الذي حاول الجميع اكتشافه في لغتهم، وترجيح أمثلته وشواهده بالاعتماد على ثلاثة افتراضات ضمنية؛ الأول: هو الأسبقية الزمنية، أي افتراض وجود لغة مكتملة النُّمو مؤهَّلة لأن تُضفي تأثيرها على غيرها من اللغات؛ والثاني: هو افتراض نسَق أُحادي الاتجاه يسمح بالتأثر أو التأثير بين اللغات، لا التآثر المشترك؛ والثالث هو قصْر العلاقة بين اللغات على المستويَينِ المعجمي والصَّرْفي، أي ضمن حدود اللغوي فقط، دون التركيز على دَور المعطيات الأنثروبولوجية والإثنية والمعتقدية والتاريخية في هذه العلاقة.