يُقدِّمُ لنا المرجعُ الدينيُّ الأعلى سماحةُ السيدِ عليِّ الحسينيِّ السيستانيِّ حُزمةً مِن الوصايا الثمينةِ والرفيعةِ ، وهيَ تُمثِّلُ خبرتَهُ وخُلاصةَ أفكارِهِ المُستمدةَ مِنَ النصوصِ الدينيةِ والعُلمائيةِ والتجربةِ الشخصيةِ ، يقولُ في مُقدّمةِ الوصايا: أمّا بعدُ فإنَّني أوصي الشبابَ الأعزاءَ ـــ الذين يَعنيني مِن أمرِهِم ما يعنيني مِن أمرِ نفسي وأهلي ـــ بثمانِ وصايا هيَ تمامُ السعادةِ في هذهِ الحياةِ وما بعدَها، وهيَ خُلاصةُ رسائلِ اللهِ سُبحانَهُ إلى خلقهِ وعِظَةُ الحُكماءِ والصالحينَ مِن عبادِهِ، وما أفضَتْ إليهِ تجاربي وانتهى إليهِ علمي.
يُشيرُ سماحتُهُ الى أنَّ هذهِ الوصايا تُبَصِّرُ الإنسانَ بالحقِّ وتضمنُ لهُ سعادةَ الدنيا والآخرةِ وهيَ مُختصرٌ لتعاليمِ الدينِ الحنيفِ وما لمَسهُ بنفسهِ وما شعرَ بهِ بوجدانِهِ وعلى أقلِّ التقاديرِ ينبغي لنا أنْ نستمعَ لهذا الرجلِ بهذا العُمرِ والخبرةِ والحكمةِ لنرى ما سيقدِّمهُ لنا مِن رسائلَ وتنبيهاتٍ وقواعدَ ، إذن دعونا نتأملُ ونقرأُ ما في الوصيةِ الأولى:
(لزومُ الاعتقادِ الحقِّ باللهِ سُبحانَهُ والدارِ الآخرةِ، فلا يُفرطنَ أحدُكُم بهذا الاعتقادِ بحال ٍ بعدَ أنْ دلّتْ عليهِ الأدلّةُ الواضحةُ وقضى بهِ المنهجُ القويمُ، فكُلُّ كائنٍ في هذا العالمِ ـــ إذا سبرَ الإنسانُ أغوارَهُ ـــ صنعٌ بديعٌ يدلُّ على صانعٍ قديرٍ وخالقٍ عظيمٍ، وقد توالتْ رسائلُهُ سبحانَهُ من خلالِ أنبيائهِ للتذكيرِ بذلكَ) .
يتّضحُ من كلامِهِ ضرورة أن يعتقِدَ الانسانُ بالخالقِ ويومِ الحسابِ ، فقد قامتْ الأدلةُ على وجودِ خالقٍ للكونِ ولعلَّ المشاهدةَ والوجدانَ يدُلانِ على أثرِ الخالقِ ، وقد تسألُ لمَ يصبحُ الاعتقادُ هذا ضرورةً؟
إنَّ الاعتقادَ بوجودِ اللهِ الخالقِ العظيمِ لهذا الكونِ لهُ فوائدُ جمّةً ، أهمها:
1ـ إنَّ الانسانَ مخلوقٌ ضعيفٌ يحتاجُ القويَّ المُطلقَ ليرتبطَ بهِ وليستعينَ بهِ على مشاكلِ الحياةِ وظروفِها.
2ـ إنَّ هذهِ الحياةَ منتهيةٌ وزائلةٌ وقد يعيشُ فيها الإنسانُ مظلوماً مسلوبَ الحقِّ يحتاجُ الى فرصةٍ أخرى أو حياةٍ تعوِّضُهُ الحرمانَ الذي حصلَ معهُ في هذهِ الدنيا .
3ـ إنَّ الاعتقادَ باللهِ هوَ تلبيةُ نداءِ الفطرةِ فإنَّهُ حقيقةً وليسَ محضَ خيالٍ أو سلوكٍ ترفيّ.
4ـ إذا اعتقدَ الإنسانُ بالخالقِ أقرَّ أنَّ هنالكَ نظاماً ولازمُهُ أنَّ كلَّ أفعالهِ وحركاتهِ مسجلةٌ منضبطةٌ وأنَّ ما يفعلهُ اليومَ سيجدهُ غداً ، فنتيجةُ هذا الاعتقادِ يجعلُ الإنسانَ منضبطاً تجاهَ نفسهِ والآخرينَ ولا يصدُرُ منهُ أيُّ خطأٍ.
5ـ إنَّ الاعتقادَ باللهِ يجعلُ الإنسانَ يتسامى ويرتفعُ عن ماديّةِ الحياةِ ويشعرُ أنَّ هنالكَ ربّاً يرعاهُ ويربيهِ فيطمئنُ بأنّهُ يؤنسهُ في وحشتِهِ وغربتِهِ وما أكثرُ الغرباءِ في يومِنا هذا.
فاذا لم يعتقدِ الانسانُ بوجودِ اللهِ فلا قيمةَ لحياتهِ من الأصلِ ولا فائدةَ من وجودهِ ولا من الأعمالِ التي يعملُها أو الجهدِ الذي يبذلُه ، بل تصبحُ الحياةُ غابةً البقاءُ فيها للأقوى ، فلا يوجدُ قانونٌ أخلاقيٌ يحكمُ الناسَ ولا ضميرٌ بل تنعدمُ الهدفيةُ ، لأنَّ النتيجةَ ستكونُ من الترابِ الى الترابِ ولو تأمَّلَ أيُّ عاقلٍ هذا الأمرَ لرفضهُ جداً.
(وقد أبانَ فيها عزَّ وجلَّ أنَّ حقيقةَ هذهِ الحياةِ ـــ كما رسمَها هوَ ـــ مضمارٌ يبلو فيهِ عبادَهُ أيُّهم أحسنُ عملاً، فمَن حُجِبَ عنهُ وجودَ اللهِ سبحانَهُ والدارَ الآخرةَ فقد غابَ عنهُ من الحياةِ معناهَا وآفاقَها وعاقبتَها وأظلمَّتْ عليهِ المسيرةُ فيها، فليُحافظْ كلُّ واحد ٍ منكم على اعتقادهِ بذلكَ، وليجعلْهُ أعزَّ الأشياءِ لديهِ كما هوَ أهمَّها، بل يسعى إلى أنْ يزدادَ بهِ يقيناً واعتباراً حتّى يكونَ حاضراً عندَهُ، ينظرُ إليهِ بالبصيرةِ النافذةِ والرؤيةِ الثاقبةِ، وعندَ الصباحِ يحمدُ القومُ السُّرى).
يتَّضحُ من كلامِ سماحتِهِ أنَّ الحياةَ مسرحٌ للأعمالِ فمن اعتقدَ باللهِ وعملَ صالحاً فازَ ، وبيّنَ أهميةَ الاحتفاظِ بالعقيدةِ وعدمِ التنازلِ عنها والتهاونِ بها، بل على الإنسانِ أن يتيقَّنَ من عقيدتِهِ بالبحثِ والدرسِ كي لا تتغيرُ قناعاتُهُ بسببِ الجهلِ أو الشكوكِ أو الوسوسةِ فالبصيرةُ النافذةُ في الدينِ تكوّنُ للإنسانِ عقيدةً حديديةً يكافحُ ويجاهدُ من أجلها ، وفي نهايةِ المطافِ، المؤمنُ المعتقدُ باللهِ عزَّ وجلَّ وبيومِ الحسابِ والجزاءِ لا يخسرُ أيَّ شيٍء بل يكونُ في راحةٍ وسرورٍ في هذهِ الحياةِ لأنَّ غيرَهُ يشكُ في أنَّهُ هل سيكونُ هنالكَ يومُ القيامةِ وسيُحَاسَبُ أم لا؟ وهذا الشكُ يجعلُهُ يعيشُ حياةً عبثيّةً وغيرَ آمنةٍ، وهذا بلا ريبٍ مجازفةٌ خطيرةٌ جداً لا يجدُ العاقلُ السويُّ أمامَها إلا أن يعتقدَ ويتخلصَ من قلقِ النفسِ وعذابِ الضميرِ .







د.فاضل حسن شريف
منذ 17 ساعة
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
EN