كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (6)
بقلم: أحمد السراي
حين انصهرَتِ الأرواحُ
لم تكن كربلاء يوماً ساحةً اصطّفَتْ فيها الأجسادُ خلفَ رايةٍ واحدةٍ فحسب، بل كانَتْ محكاً إلهيّاً انكشفَتْ عندَهُ حقائقُ النفوسِ، وتساقطَتْ فيه الأقنعةُ والألقابُ، وذابَتِ الفوارقُ التي طالما تفاخرَ بها البشرُ، حتى لم يبقَ في عاشوراءَ إلّا جوهرُ الإنسانِ العاري أمامَ الحقيقة.
هناكَ على الثرى الذي ارتوى بدماءِ الطاهرين، وبينَ خيامٍ كَانَتْ تستعدُّ لاحتضانِ الخلودِ، اجتمعَتْ ثُلةٌ لم يجمعها نسبٌ واحدٌ، ولا وطنٌ واحدٌ، ولا لونٌ واحدٌ، ولا طبقةٌ واحدةٌ، اجتمعَ الشيخُ الذي خطَّ الشيبُ رأسَهُ، والغلامُ الذي لم يكتملْ ربيعُ عمرِهِ، والسيدُ الذي نشأ في بيوتِ العزةِ، والعبدُ الذي أثقلَتِ الدُّنيا كتفيه بقيودها، والغني الذي تركَ وراءَهُ متاعَ الحياةِ، والفقيرُ الذي لم يكن يملكُ سوى قلبَهُ، والعربي الذي نشأ في فصاحةِ الصحراءِ، والأعجمي الذي اختلفَ لسانُهُ، لكنّ روحَهُ نطقَتْ بلغةٍ واحدةٍ...
كأنَّ القدرَ أرادَ أن يجمعَ عندَ الحسين (عليه السلام) خلاصةَ الإنسانيةِ كلها، لتقفَ أمامَ التاريخِ وتعلنَ أن طريقَ الحقِّ لا تصنعُهُ الأنسابُ، بل تصنعُهُ المواقفُ...
كانوا مختلفينَ في كلِّ شيءٍ إلا في الحسين (عليه السلام)، مختلفينَ في الأعمارِ، والهيئاتِ، واللغاتِ، والطبائعِ، والمساراتِ التي جاءَتْ بهم إلى كربلاء، لكنهم حين وقفوا تحتَ شمسِ عاشوراء، انصهرَتْ تلك الاختلافاتُ كما ينصهرُ الثلجُ في حضرةُ النورِ، وسقطَتِ المسمياتُ التي يتزاحمُ عليها الناسُ، فلم يعد أحدهم يُعرفُ بلونِهِ أو أصلِهِ أو جاهِهِ، بل صاروا جميعاً يعرفونَ بعنوانٍ واحدٍ: أنهم أنصارُ الحسين (عليه السلام)، وهل بعدَ هذا الشرفِ شرفٌ؟
كأنَّ الأرواحَ هناك قد خرجَتْ من أثوابها الأرضيةِ، وتطهّرَتْ من أثقالِ الدُّنيا، فلم يعُد يُرى منها إلا صفاؤها الأول، أرواحٌ أشرقَتْ عليها شمسُ الحسينِ، فذابَتْ فيها كما تذوبُ القطرةُ في البحرِ، حتى بدا وكأنَّهم قلبٌ واحدٌ يخفقُ في صدورٍ متعدّدةٍ، ونفسٌ واحدةٌ تتوزّعُ على أجسادٍ كثيرةٍ، وغايةٌ واحدةٌ تتجسّدُ في عيونِ الجميعِ...
ولهذا لم يكن الحسين (عليه السلام) ينظرُ إليهم بعينِ الفوارقِ التي يصنعها البشرُ، فجون مولى أبي ذر لم يكن عندَهُ عبداً أسودَ البشرةِ، بل روحٌ بيضاءُ غسلها الإيمانُ بماءِ اليقينِ، وحبيب بن مظاهر لم يكن شيخاً أثقلَتْهُ السنون، بل كان قلباً فتياً يركضُ نحوَ الشهادةِ بشوقِ المحبِّ إلى محبوبِهِ، والقاسمُ لم يكن غلاماً صغيراً، بل كان بدراً يتهيأ للغيابِ في أفقِ الخلودِ، وعلي الأكبر لم يكن ابن الحسين فحسب، بل صورةٌ من النبوّةِ تمشي على الأرضِ...
كانوا جميعاً سواءً في ميزانِ الفداءِ، متساوينَ في حضرةِ الحبِّ، متشابهين في الشوقِ إلى الله(تعالى)، وكأنَّ عاشوراء نزعَتْ عنهم الأسماءَ كلها، وألبستهم اسماً واحداً من نورٍ، وحين نقرأ كلماتهم، نشعرُ أنَّنا لا نقرأ حديثَ رجالٍ يستعدونَ للموتِ، بل نقرأ تراتيلَ أرواحٍ أبصرَتْ ما وراءَ الدُّنيا، فهذا زهير بن القين البجليّ رحمة الله عليه يقفُ بينَ يدي إمامِهِ، وقد تجاوزَ حدودَ الجسدِ والترابِ، ليقولَ: "وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ ثُمَّ نُشِرْتُ ثُمَّ قُتِلْتُ، حَتَّىٰ أُقْتَلَ هٰكَذَا أَلْفَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَىٰ يَدْفَعُ بِذٰلِكَ القَتْلِ عَنْ نَفْسِكَ، وَعَنْ أَنْفُسِ هٰؤُلَاءِ الفِتْيَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ". (1)
أيُّ يقينٍ هذا الذي يجعلُ الموتَ أمنيةً؟
وأيُّ نور هذا الذي يجعلُ العذابَ طريقاً إلى الفرحِ؟
إنَّها ليسَتْ كلماتٍ تقالُ، بل مقاماتٌ تعاشُ، ومنازلُ لا يبلغها إلّا من غسلَ قلبَهُ من الدُّنيا، وملأه بحبِّ الله (تعالى)...
ولهذا لم يكونوا يخوضونَ معركةً بالسيوفِ بقدرِ ما كانوا يعبرونَ نحو الخلودِ، كانَتِ السيوفُ تنزلُ على أجسادهم، بينما كانت أرواحهم تحلّقُ أعلى من جراحها، وكانَ الموتُ يقتربُ منهم، بينما كانَتِ الحياةُ الأبديةُ تفتحُ أبوابها لاستقبالهم، حتى بدا يوم عاشوراء كأنّهُ عرسٌ سماوي، زفَّتْ فيه الأرواحُ الطاهرةُ إلى مقاعدِ الصدقِ عندَ مليكٍ مقتدرٍ…
ومن هنا نفهمُ سرَّ خلودهم، فلم تخلّدهم كربلاء لأنهم قاتلوا فحسبُ، ولم تخلدهم لأنهم استشهدوا فقط، بل لأنهم بلغوا من الصفاءِ درجةً تلاشَتْ معها ذواتهم في سبيلِ المبدأ، فلم يعودوا يرونَ أنفسهم، بل كانوا يرونَ الحسين، ولا يرون الحسينَ إلّا طريقاً إلى الله (تعالى)..
وهكذا كلما أقبلَ المحرمُ، وارتفعَتِ الراياتُ السودُ، وسارَتِ المواكبُ نحوَ كربلاء، لا نستحضرُ أسماءَ أولئك الرجالِ فحسب، بل نستحضرُ أرواحاً ارتقَتْ فوقَ حدودِ الأرضِ، أرواحاً أثبتَتْ أنَّ الإنسانَ لا يقاسُ بأصلِهِ، ولا بمالِهِ، ولا بمكانتِهِ، بل بما يحملُهُ من صدقٍ حين يُدعى إلى الحقِّ، ففي كربلاء ذابَتِ الفوارقُ، وتساقطَتِ الألقابُ، وانطفأتِ الأسماءُ الصغيرةُ، وبقيَتْ شمسُ الحسين مشرقةً في أرواحهم، وبقوا هم نجوماً تهتدي بها القلوبُ كلما أظلمت طرقُ الدُّنيا.
———
1-المفيد، الإرشاد، ج2، ص92







د.فاضل حسن شريف
منذ 16 ساعة
كيف تجتهد في دراستك؟
لبيك يا حسين
أم البنين .. صانعة الوفاء وراعية الفضيلة
EN