حين ننظر إلى تاريخ العلم الحديث، لا تبدو بعض أسمائه مجرد شخصيات علمية، بل نقاط انعطاف في طريقة فهمنا لما يعنيه أن تكون “حقيقة علمية”. غاليليو جاليلي واحد من هذه النقاط، ليس لأنه اكتشف فقط، بل لأنه كشف شيئًا أعمق من الاكتشاف نفسه: أن المعرفة العلمية لا تعيش في فراغ، بل داخل بنية اجتماعية ومؤسسية تحدد ما يُقبل وما يُرفض في لحظة زمنية معينة.
في أوروبا القرن السابع عشر لم يكن العلم قد استقر بعد كمنظومة مستقلة بالمعنى الحديث. كان ما نسميه اليوم فيزياء أو فلكًا جزءًا من الفلسفة الطبيعية، وكانت السلطة المعرفية موزعة بين التقاليد الأرسطية والمؤسسات الدينية والقراءة الرياضية الناشئة للطبيعة. في هذا السياق لم تكن فكرة أن الأرض مركز الكون مجرد فرضية علمية، بل كانت جزءًا من تصور كوني متكامل يربط السماء بالأرض والمعنى الديني بالبنية الفيزيائية للعالم.
عندما بدأ غاليليو يعتمد على الملاحظة الدقيقة والتلسكوب في دراسة السماء، لم يكن يقدّم مجرد بيانات جديدة، بل كان يغير طريقة إنتاج الحقيقة نفسها. فالقمر لم يعد جرمًا مثاليًا كما تصوره الفلسفة القديمة، والمشتري لم يعد وحيدًا في مركزه، وحركة الأجرام لم تعد تخضع لمنطق فلسفي مجرد، بل لوصف رياضي يمكن التحقق منه. هنا بدأ التحول الحقيقي: انتقال المعرفة من سلطة النص والتقليد إلى سلطة القياس والرصد.
لكن هذا التحول لم يكن مجرد تقدم هادئ في العلم، بل اصطدم مباشرة بالبنية الفكرية السائدة. نموذج مركزية الشمس لم يكن مجرد تعديل فلكي، بل كان يهز مركزية الإنسان في الكون، ويعيد ترتيب العلاقة بين النص الديني والتفسير الطبيعي للعالم. لذلك لم يكن الصراع بين غاليليو ومؤسسات عصره صراعًا بين “صواب وخطأ” فقط، بل بين نموذجين لما يجب أن يكون عليه تفسير الطبيعة أصلًا.
محاكمة غاليليو غالبًا ما تُروى كقصة بسيطة عن عالم حقيقي في مواجهة مؤسسة تقليدية ترفض الحقيقة، لكن هذه القراءة المبسطة تخفي التعقيد الحقيقي للمشهد. فالمؤسسة لم تكن ترفض الرصد بحد ذاته، بل كانت تدافع عن إطار معرفي كامل يرى أن التفسير لا يمكن أن ينفصل عن سلطة فلسفية ودينية أوسع. وفي المقابل، لم يكن غاليليو مجرد متمرد، بل كان جزءًا من تحول أوسع داخل العلم نفسه نحو الرياضيات والتجربة كمعيار للحقيقة.
المثير في هذه القصة ليس أن غاليليو “انتصر” لاحقًا، بل أن ما كان يُعتبر خروجًا على الإجماع في لحظته التاريخية أصبح لاحقًا هو نفسه الإجماع العلمي. هنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في فلسفة العلم: ما يبدو علمًا هامشيًا في زمنه قد يتحول إلى أساس المعرفة لاحقًا، لكن ذلك لا يحدث بشكل تلقائي، بل عبر إعادة بناء كاملة للمفاهيم والأدوات والمعايير.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين مثل هذه الحالات وما يُسمى اليوم بالعلوم الزائفة بطريقة أدق. فالمسألة ليست ببساطة أن هناك أفكارًا صحيحة وأخرى خاطئة، بل أن هناك أفكارًا تقع خارج الإطار الذي يسمح لها بأن تُختبر أو تُدمج في بنية العلم السائد. بعض هذه الأفكار يبقى خارج العلم لأنه يفتقد الأساس التجريبي، وبعضها يظل مرفوضًا لأنه يعيد تعريف ما يعتبر دليلاً أو تفسيرًا أو حتى سؤالًا علميًا.
قصة غاليليو تكشف أن حدود العلم ليست ثابتة، لكنها أيضًا ليست عشوائية. إنها تتشكل عبر تفاعل معقد بين الأدلة، والأدوات، والمؤسسات، واللغة التي نصف بها العالم. ولهذا فإن فهم العلم لا يكتمل فقط عبر دراسة نتائجه، بل عبر دراسة لحظات التوتر التي يُعاد فيها تعريف ما يُعتبر علمًا من الأساس.
في النهاية، لا تظهر قصة غاليليو كحكاية انتصار فرد على مؤسسة، بل كنافذة على الطريقة التي يتغير بها العلم نفسه. فالحقيقة العلمية ليست شيئًا يُكتشف مرة واحدة، بل بناء يتغير شكله كلما تغيرت الأدوات التي نستخدمها لرؤية العالم، وكلما تغيرت المعايير التي نسمح من خلالها للأفكار أن تدخل إلى هذا البناء أو تُستبعد منه.







د. رافع زعاطي عبادي الحيدري المشعشعي
منذ 11 ساعة
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
العنوان سرّ الكتاب
أنا عراقي أين أقرأ ؟
EN