أقرأ أيضاً
التاريخ: 2024-02-04
![]()
التاريخ: 2024-05-18
![]()
التاريخ: 2024-07-15
![]()
التاريخ: 2024-08-25
![]() |
يعد (1) »سيتي الأول» الواقع في وادي الملوك بطيبة الغربية من أضخم المقابر التي نُحتت في صخور هذا الوادي، كما أنه من أحسنها زخرفًا ودقة نحت وتصوير، وأول من كشف عن هذا القبر الأثري «بلزوني» في أكتوبر عام 1817م، ومما يستدعي الأسف أنه قد وُجد منهوبًا نهبًا تامًّا في الأزمان القديمة. وهذا القبر الواقع على مقربة من مقابر الأسرة الثامنة عشرة نُقر في الصخر لمسافة خمس وعشرين وثلاثمائة قدم، وبابه الواسع الشامخ يؤدي إلى سلم ذي سبع وعشرين درجة، ينتهي إلى دهليز منحدر يليه درجات أخرى ومحاط، يتبع ذلك سلسلة حجرات استراحة، وأخرى عظيمة المساحة في الطريق إلى أن يصل الإنسان في النهاية إلى حجرة التابوت العظيمة بسقفها المقبب، وعمدها المربعة، ويوجد خلفها حجرات صغيرة ثانوية، وجدران هذا الضريح الشاسع مزينة بمتون وصور من الكتابين الجنازيين العظيمين الخاصين بالدولة الحديثة، وهما: «كتاب البوابات»، و«كتاب ما في العالم السفلي»، وهذان الكتابان كما ذكرنا آنفًا (راجع ج3) يصفان السياحة الليلية لإله الشمس في العالم السفلي المظلم، وخروجه ثانية منه منتصرًا على عالم الظلام في الصباح التالي، وهكذا على التوالي، وهذه المناظر الجنازية قد حُفرت بنقوش بارزة ثم لُونت، ويظهر فيها نفس دقة الفن، والرسوم الممتازة التي شاهدناها في معبد «العرابة»، وغيره من مباني «سيتي» التي كانت ذات طابع خاص يميزها. وبناء القبر وما يحتويه من دهاليز منحدرة إلى أسفل ودرج؛ يتمشى تمامًّا مع تلك الموضوعات التي صُورت على جدرانه، وبخاصة صور الثعابين الطويلة الملتوية، والشياطين الرجيمة، والجن، والآلهة العابسين الذين تزخرَف بصورهم الجدران؛ مما يجعل الإنسان يحس حقًّا أنه ينحدر إلى عالم سفلي حقيقي. وقد خُصصت مساحة كبيرة للصور الحية الناطقة التي تمثل العذاب الذي ينصب على المغضوب عليهم، والذين ضلوا سبيل الرشاد في الحياة الدنيا، كما تمثل الحرب التي لا ينطفئ لهيبها ولا يهدأ أوارها بين قوى الخير وقوى الشر، ويلفت النظر بين هذه المشاهد صورة الثعبان الهائل المسمى «أبوبي» — عدو إله الشمس — وذرِّيته الملعونة. ويلاحظ كذلك أن الزواحف المؤذية كلها قد غُلَّت، ثم خرجت من الأرض يدًا ضخمة عظيمة قابضة على الأغلال كلها دفعة واحدة مبعدة الثعابين الناهشة. وإنه لمن العسير أن يجد الإنسان مزيجًا له أثره في النفس أكثر مما نشاهده هنا بين قوى الخير وقوى الشر، وأن الخير يتغلب في النهاية على الشر ويصرعه. وقاعة التابوت الشاسعة الشامخة الارتفاع لها تأثيرها الخاص على النفس عندما يمتد البصر في أرجائها، ويلقي نظرة على سقفها المقبب المزين بصور نجوم السماء الشمالية، وهنا كان يأوي الفرعون العظيم إلى تابوته المصنوع من المرمر الجميل، والمحلاة جوانبه بمتون هي رواية أخرى من متون الكتابين الجنازيين السابقين اللذين زُينت جدران القبر بنقوشهما، ولكن في هذه الحالة نجد أن المناظر قد صغرت، والنقوش منحوته بالحفر الدقيق في المرمر الشفيف، وملئت بعجينة زرقاء لتحاكي اللازورد في زرقته البهجة، أما غطاء هذا التابوت فقد نُحتت فيه صورة الفرعون «سيتي» مضطجعًا بوجه صبوح يسود تقاطيعه الهدوء، وهي صورة صادقة لمحياه الأصلي، وقد هشم أولئك المخرِّبون الذين لا روح ولا عاطفة عندهم ذلك الغطاء لينهبوا ما في تابوته، ولكن لحسن الحظ قد أخطأت عين هؤلاء الطغاة التابوت نفسه، وكانت موميته سليمة، ولم يصبها سوى الضرر الطفيف، وقد عثر «بلزوني» على التابوت، وقطع من الغطاء في مكانهما الأصلي، ونقلهما إلى إنجلترا، وهما يعدان الآن أحسن ذخيرة في متحف «جون ساون» في «لنكلنز-ان-فيلدس» (راجع Bonomi and Sharpe. The alabaster Sarcophagus of Oimenephtah; Budge The Egyptian Heaven and Hell II, p. 48–306). ويلاحظ أن بعض حجرات المعبد الثانوية لم يتم نقشها بعد؛ مما يدل على أن «سيتي» قد توفي والعمل لا يزال جاريًا في القبر، وهذا هو نفس المصير الذي حاق بمعظم آثار «سيتي»؛ مما يوحي أن هذا الفرعون الطيب الذكر قد مات فجاءة وعلى غير انتظار، وعلى الرغم من جمال زينة هذا القبر، وما فيه من نقوش ومناظر هامة يسود نواحيه جو قاتم عابس، لم يفلح — حتى إله الشمس — في زحزحته عنه، مع انتصاره على الظلمة، وما تحتويه في جوفها من عوامل الشر. حقًّا إن الأيدي الماهرة التي أخرجت لنا ما نشاهده من التحف العجيبة في مناظر «العرابة المدفونة» هي التي أبدعت مناظر هذا القبر، ولكننا مع ذلك نرى أن الروح الوثاب المتقد هنا يختلف اختلافًا بينًا؛ إذ نجد أن اعتلال هذه المناظر، وما فيها من سقم أقل انتشارًا في مناظر معبد «العرابة»، أو في ضريح «سيتي» السالف الذكر، وفي استطاعتنا أن نتساءل عما إذا كانت المتون الجنازية، وما تحويه من إشارات مستمرة إلى تلك الشياطين القبيحة المنظر، وتلك الثعابين الهائلة الأجسام؛ تحدد لنا إلى حد ما، ما تصفه العقائد الدينية التي اعتنقها «سيتي الأول»، أو أنه لم يضمن هذه المناظر وتلك الصور قبره إلا جريًا على التقاليد الموروثة. أو كان يومئ بها عن قصد لمناهضة تعاليم «إخناتون» التي كانت قد حرَّمت كل هذه التصاوير والمتون في القبور عامة؟ وقد عثر على مومية «سيتي الأول» بين الموميات الملكية التي وجدت في خبيئة الدير البحري، وجسمه يدل على أنه كان رجلًا طويل القامة، نحيل القوام، ولم يكن على ما يظهر قد تخطى نضارة العمر، وإن كان قد وخط المشيب حاجبيه. وتدل تقاطيع وجهه المحفوظة تمامًا على ما بلغه فن التحنيط من الإتقان والمهارة، وتشابه محياه بصوره في نقوش معبد «العرابة»، تلفت النظر بوجه خاص إلى ما كان عليه فن النحت في ذلك الوقت من تقدم بالغ، ويلاحظ أن جسمه قد علاه السواد، وأن أنفه قد تفرطح بعض الشيء من أثر اللفائف التي زُمل بها، غير أن ذلك لم يُنقص من جمال محياه الهادئ الذي تنبعث من قسماته نضرة النعيم، ونبل المحتد، أما عيناه فمفتوحتان بعض الشيء، ويمكن الإنسان أن يشاهد بين الجفنين العينين الصناعيتين المتقنتين اللتين وضعهما المحنطون، وذراعاه مطويتان، ويداه النحيلتان الطويلتان مبسوطتان على صدره، وقد عبث اللصوص بلفائفه المصنوعة من الكتان الجميل عبثًا بالغًا إلى أن حولتها إلى طبقة بالية من الخرق، ومع ذلك فإن كل ما حاق بجسمه من عبث قد عجز عن تشويه الجلال الهادئ الذي أسبِغ على تلك المومية التي تعد أعظم الموميات المحنطة تأثيرًا وروعة، من بين كل موتى المصريين المحنطين.
............................................
1- راجع: Baedeker’s, Egypt. P. 308 ff..
|
|
دخلت غرفة فنسيت ماذا تريد من داخلها.. خبير يفسر الحالة
|
|
|
|
|
ثورة طبية.. ابتكار أصغر جهاز لتنظيم ضربات القلب في العالم
|
|
|
|
|
العتبة العباسية المقدسة توجه دعوة لجامعة القادسية للمشاركة في حفل التخرج المركزي
|
|
|