الآثار الاجتماعية والنفسية للتفريق القضائي للهجر
المؤلف:
حسن قحطان عبد الأمير صادق
المصدر:
التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة
الجزء والصفحة:
ص133-135
2026-10-27
21
إلى جانب الآثار القانونية والفقهية المباشرة، ينتج التفريق القضائي للهجر آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة قد تطول آمدها بعد حسم الدعوى، إذ قد تعاني الزوجة المفرق بينها وبين زوجها من شعور متضارب بين التحرر من معاناة الهجر وبين الطلاق و وفشل العلاقة الزوجية، وقد يصاب الزوج بحالة من الغضب أو الندم تدفعه أحياناً إلى سلوكيات انتقامية قد نشاهدها في الدعاوى اللاحقة لدعوى التفريق. أما الأبناء فيقعون في دائرة التفكك الأسري فهم الضحية الأولى والأخيرة بعد الحكم بالتفريق القضائي ، مما ينعكس على تحصيلهم الدراسي وسلوكهم النفسي والاجتماعي، وتمتد الآثار إلى العلاقات بين العائلتين الممتدة، حيث تنشأ قطيعة وعداوات قد تستمر لسنوات. وتحاول التشريعات المقارنة تخفيف هذه الآثار عبر آليات مثل الزيارات المنظمة وتقسيط مبالغ الديون بواسطة مديريات التنفيذ وعدم امكانية حبس الزوج عن دين لزوجته عدا النفقة إذا كانت العلاقة الزوجية قائمة ، وغيرها من النصوص القانونية والاجراءات التي تحاول الحفاظ على الأسرة من التفكك.
فتتخذ الآثار النفسية الناشئة عن التفريق القضائي للهجر طابعا مركبا ومتناقضاً في آن واحد بالنسبة للزوجين، ويعود ذلك إلى طبيعة الهجر" بوصفه سلوكاً سلبياً ينطوي على الإهمال ، فالزوجة المهجورة، طوال الفترة التي تسبق رفع الدعوى (والتي حددها المشرع العراقي بسنتين فأكثر) (1)، تعيش في مناخ مأزوم وفقدان الأمان الاقتصادي والعاطفي، وعند صدور حكم التفريق، لا تخرج الزوجة بمركز نفسي مستقر ؛ فمن ناحية، يمثل الحكم لها تحرر قانوني من ضرر محتم ، ومن ناحية أخرى، يصاحب هذا التحرر شعور عميق بالخيبة ، ونظرة ذاتية قد تكون مشوبة بالفشل في الحفاظ على استقرار الكيان الأسري، فضلاً عن صدمة الوصمة الاجتماعية التي تلاحق المرأة المطلقة في المجتمعات الشرقية حتى وإن كانت هي الضحية والمجني عليها بفعل هجر زوجها لها (2).
أما على الجانب الآخر، فإن الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على الزوج تأخذ منحى ينعكس غالباً في صورة سلوكيات انتقامية "كيدية أمام القضاء. ففي الكثير من الحالات يعامل الزوج لجوء زوجته إلى المحكمة لطلب التفريق للهجر بمثابة تحدي ،له وهذا الشعور قد يدفع الزوج إلى إساءة استخدام الحق في التقاضي، فيلجأ إلى إقامة دعاوى مطاوعة أو يقوم بالامتناع العمدي عن تسليم المستندات الرسمية للأبناء، أو المماطلة في دفع الديون المترتبة بذمته للزوجة رغم تبلغه بها من مديرية التنفيذ لإطالة أمد معاناة الزوجة، وخصوصا أن قانون التنفيذ العراقي يعتبر أن القرابة ومن ضمنها الزوجية، أحد موانع الحبس، وبالتالي لا يمكن اجبار الزوج على تسديد الديون المترتبة بذمته لزوجته (3) ، في حين أن الغاية من تشريع موانع الحبس ومن ضمنها الزوجية هو سعي من المشرع العراقي الى ضرورة التلاحم داخل الأسرة وليس من اجل التسهيل على الزوج بالمماطلة واضرار الزوجة. فإذا كان الزوجان يمتلكان بحكم نضجهما العقلي القدرة على استيعاب الصدمة النفسية للتفريق وتكييفها، فإن الأبناء يمثلون الضحية الحقيقية للتصدع الأسري الناشئ عن التفريق و إن الانعكاسات النفسية على الاطفال في دعاوى التفريق للهجر تتسم بالعمق والديمومة؛ فالطفل الذي يعيش في ظل حياة يتخللها الهجر والاضرار المتعمد يفتقد منذ البداية نموذج الأب القدوة والسلطة الأبوية الضابطة للسلوك ، مما يجعله عرضة للإصابة بالاضطراب والقلق والعدوانية كآلية دفاعية للاحتجاج على غياب والده (4).
وقد تنعكس هذه الأزمات النفسية للأطفال على التحصيل الدراسي ؛ فالقلق المستمر والتوتر المشحون داخل بيئة الحضانة المنفردة يستنزف الطاقة الذهنية للطفل، مما يؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، قد ينتهي في كثير من الأحيان بـ التسرب المدرسي". ولما كان قانون الأحوال الشخصية العراقي قد وعى هذه الخطورة، فقد حرص في المادة السابعة والخمسين (الفقرة الثانية ) على إعطاء القاضي سلطة تقديرية لتحديد مصلحة المحضون في العيش مع من تراه المحكمة مناسبا للحضانة (5).
ومن خلال البحث في احكام التفريق القضائي للهجر، وبيان الأحكام الخاصة بالهجر من شروط تحققه من خلال المدة وعدم وجود مبررات للهجر وتحقق حالة الهجر الفعلي فالمدة الموجبة للتفريق والقضائي قد اختلفت في القوانين محل المقارنة ، فالمدة المعتبرة للحكم بالتفريق القضائي سنتين في قانون الأحوال الشخصية العراقي وتكون خاضعة لتقدير المحكمة في المدونة الجعفرية وسنة واحدة في القانون المصري، وصولا الى دعوة التفريق للهجر وإجراءاتها وسبل اثباتها، يتبين أن أحكام القانون العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل مختلفة في كثير من الجوانب الاجرائية والاثباتية في دعوى التفريق القضائي للهجر كونه أكثر مرونة في التعامل مع وسائل الاثبات دعاوى التفريق من القانون المصري.
وكذلك من خلال البحث في الآثار المترتبة على الحكم بالتفريق القضائي نتيجة الهجر، نلاحظ الاختلاف الواضح في التشريع العراقي بين مدونة الفقه الجعفري وقانون الأحوال الشخصية رقم 188، وكذلك اختلافهما مع القانون المصري من حيث نوع الطلاق الحاصل بالتفريق الذي يعد طلاقاً بائناً في قانون الأحوال الشخصية العراقي والمصري بينما ، نجده طلاقاً رجعياً تارة وبائناً تارة اخرى في مدونة الفقه الجعفري.
وكذلك نجد الاختلاف واضحاً بين القوانين المقارنة في مدى استحقاق الزوجة لنفقة العدة والتي تباينت في القانون العراقي ، حيث ان مدونة الفقه الجعفري تمنح الزوجة نفقة العدة إذا كان الطلاق بالتفريق طلاقاً رجعياً بينما لا تستحق الزوجة نفقة العدة في الطلاق البائن ، أما قانون الأحوال الشخصية العراقي والمصري فأنهما يقران بوجوب نفقة العدة على الزوجة المفرق بينها وبين زوجها، وكذلك في استحقاق الزوجة للنفقة الماضية فقد تباينت كذلك بين استحقاق الزوجة لها بصورة مطلقة غير مقيدة المدة في المدونة الجعفرية وبمدة محددة في قانون الأحوال الشخصية العراقي والمصري.
وبالوصول الى النتائج المترتبة على التفريق من اثار تتعلق بالحضانة ، فنجد عدم تأثر احكام الحضانة بالتفريق القضائي، فاستحقاق الأب أو الأم لحضانة الأطفال مقترن بالنصوص القانونية المنظمة لموضوع الحضانة رغم اختلافاتها الواسعة التي أشرنا إليها في القوانين موضوع المقارنة .
نجد أن جميع تلك الاختلافات قد ولدت اختلافات كبيرة في آلية التعامل مع دعوى التفريق القضائي للهجر في القوانين محل المقارنة ، فالاختلاف في احكام المدة وشروط التفريق بالهجر ، واختلاف الآثار المترتبة على التفريق القضائي للهجر بين القوانين المقارنة ، ادى بالضرورة الى اختلافات واسعة في طبيعة دعوة التفريق للهجر والنتائج الكثيرة المترتبة عليها من حقوق والتزامات متبادلة بين طرفي العلاقة الزوجية المفرق بينهما قضائيا .
__________
1- ينظر ذلك: المادة /43 أولاً/ 3 من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
2- مالك جابر الخزاعي، شروط انهاء التفريق للضرر عن طريق الوسائل الالكترونية ووسائل اثباتها مجلة الشرق الأوسط للدراسات القانونية والفقهية، م3 ع1، 2023، ص 151 .
3- ينظر، المادة (41/ثالثا) من قانون التنفيذ العراقي رقم 45 لسنة 1980 المعدل.
4- فيصل مصطفى حسن دار علي انتشار ظاهرة الطلاق وأثرها على امن الاسرة والمجتمع مجلة سلسلة الدراسات الإسلامية وعلوم القرآن، ع 6 م 9، 2025، ص 32
5- ينظر ، المادة ( 257 ) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة