الاستثمارات الدولية غير المباشرة:
تتكون الاستثمارات الدولية غير المباشرة من استثمارات محافظ البنوك العالمية وصناديق الاستثمار المشترك الدولية وصناديق التقاعد في الأوراق المالية التي تصدرها الدول والشركات في الدول الكبرى ودول الأسواق الناشئة والتي تحظى بتصنيف ائتماني مقبول لمدراء الاستثمار في هذه المؤسسات.
وتشمل الأوراق المالية هذه أدوات الدين قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل موضوع الفصل الرابع والخامس من هذا المؤلف بالإضافة الى ادوات الملكية المتمثلة في أسهم الشركات المتداولة في أسواق مالية منظمة.
ومن أهم شروط استقطاب الاستثمارات الدولية غير المباشرة وجود سوق اوراق مالية منظمة تعتمد التكنولوجيا المتقدمة في الافصاح وبث المعلومات بسرعة ودقة وشفافية عالية تردع أنظمتها وتعاقب المخالفين لتعليمات تداول الأسهم فيها. وذلك بالإضافة الى توفر السيولة المؤسسية في تلك الأسواق بشكل يتيح للمستثمر الدولي حرية الدخول اليها والخروج منها بسهولة ودون تحقيق خسائر كبيرة.
ومن ثم تأتي أهمية التصنيف الائتماني الدولي للدولة المسـتـقـبـلة لهذه الاستثمارات وشركاتها حيث يعتمد هذا التصنيف على عوامل مادية مثل المديونية الخارجية والاحتياطات الرسمية من العملات الأجنبية ومتانة وكفاءة الجهاز المصرفي وعوامل أخرى مثل صحة السياسات الاقتصادية المتبعة وكفاءة الادارة الاقتصادية. فالمطلوب كما ذكرنا هو تحقيق اعلى العوائد على راس المال المستثمر بأقل حد ممكن من المخاطر.
ومع ان الاستثمارات الدولية غير المباشرة تنحصر في تبادل الأوراق المالية دون توليد انتاج جديد ألا أن تأثيرها غير المباشر من حيث زيادة عمق وسيولة سوق الأوراق المالية يخفض من كلفة الاستثمارات المباشرة ويشجع قيامها، كما ويتيح اصدار أدوات دين أطول أجلاً وأقل كلفة من القروض المصرفية مما يزيد من ربحية الشركات ويزيد من معدلات النمو الاقتصادي بشكل عام.
الا ان تجربة الدول الناشئة في تشجيع استقطاب الاستثمارات الدولية غير المباشرة لم تكن دون مطبات قوية. فأثناء الأزمات ينتاب الهلع وما يتبعه من سعي الى تخفيض المخاطر معظم مدراء المحافظ والصناديق مما يؤدي الى خروجهم المفاجئ من كثير من الأسواق الناشئة كما حدث في أزمة عام 1997 والتي شهدت هروباً واسع النطاق من جميع أسواق جنوب شرق آسيا وترتب عليه انهيارات حادة في اقتصاداتها، سرعان ما بدأ ينتقل الى بقية الأسواق الناشئة مثل روسيا ودول اوروبا الجديدة، لولا تدخل الدول الصناعية الكبرى في كبح جماح البيع المحموم واعادة الاستقرار تدريجياً الى تلك الأسواق. فمنها من تعافى خلال سنتين من الأزمة مثل كوريا وماليزيا ومنها من استمرت معاناته لسنوات عديدة مثل اندونيسيا وتايلاند والفلبين.
وقد تكون زيادة كفاءة الأسواق ومسارعتها الى مكافأة الادارة الاقتصادية الجيدة ومعاقبة الادارة السيئة سبباً في سرعة انتقال العدوى بين مختلف دول العالم، كما وقد تعاقب ادارة اقتصادية جيدة في سوق ناشئة لمجرد توفر فرص استثمار أفضل بمخاطر اقل في الأسواق المتقدمة.
ومن هنا نستطيع القول ان استراتيجية استقطاب الاستثمارات الدولية غير المباشرة لما لها من فوائد اقتصادية هامة يجب ان تتضمن استراتيجية التعامل مع الأزمات التي قد تحدث اذ انه في المحصلة تبقى هذه الاستثمارات اموالاً ساخنة عديمة الـصـبـر وســريعة الحركة، تتأثر كثيراً بمحركي الطمع والخوف اللذين يحركان الاستثمارات حيثما وجدت.