إن مضمون عبارة (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 241] بقرينة عبارة حَقّاً عَلَى المتقين هو إنشاء الحكم التكليفي بالوجوب لأن كلمة (حَقًّا) هي مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (حق)، وهو ظاهر في الوجوب. إذن، فبناءً على مـا يظهر من هذه الآية أن على الرجل أن يدفع مقداراً من المال إلى زوجته قبل أن يطلقها، سواء كان لها مهر وتمت مباشرتها، أم لم يكن لها مهر ولم تتم مباشرتها.
ولكن هل تبقى هذه الآية على عمومها، وهل يستمر ظهورها الأولي أيضاً؟ أم إن هناك ما يطرأ على ذلك ويغيره؟ وهذا الطارئ إما أن يكون بتخصيص عموم (لِلْمُطَلَّقَاتِ) المفهوم من الجمع المحلى بالألف واللام، أو بالتصرف في هيئتها الإنشائية الدالة على الوجوب؟
والجواب على ذلك هو أن الآيات القرآنية الخاصة بالنساء المطلقات هي على عدة أقسام: فالقسم الأوّل منها مثل هذه الآية التي هي مرد البحث التي تؤسس لحكم عام، هو أن كل امرأة مطلقة لها حق على زوجها يتمثل بوجوب قيام زوجها بتمتيعها، وتتكفّل الروايات بشرح وتفصيل هذه الأصول الكلية.
أما القسم الثاني فهو من قبيل آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ) [الأحزاب: 49] الخاصة بالمطلقة غير المباشرة، والتي تكون مطلقة من جهة تعيين المهر سواء كان لها مهر معين أم لا.
والقسم الثالث هو الذي تمثله الآية 236 من نفس هذه السورة (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: 236] وقد مر البحث فيها بالتفصيل في ما سبق.
والذي يستخلص من هذه الأقسام الثلاثة من الآيات وما يستظهر من سائر الآيات التي تدل على أنه لو تمت مباشرة المرأة فالواجب إعطاؤها كامل المهر فهو ما يلي:
1. إذا تم حين العقد تعيين المهر، وطلقت المرأة بعد المباشرة، فالواجب دفع كامل المهر المعيّن (المهر المسمّى) لها.
2. إذا لم يتم تسمية مهر للمرأة، وطلقها الرجل بعد المباشرة، فالواجب دفع كامل مهر المثل لها.
3. إذا تم تعيين مهر للمرأة، وطلقها الرجل قبل المباشرة، فعلى الرجل أن يدفع لها نصف المهر المسمّى.
4. إذا لم يتم تعيين مهر للمرأة، وحصل الطلاق قبل المباشرة، فالواجب تمتيعها: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 236].
وهذه الفروع الأربعة هي المستفادة من مجموع هذه الأقسام من الآيات، وبعد تخصيص العام المذكور وخروج الصور الثلاث المذكورة، فلا يبقى إلا صورة واحدة هي صورة المتاع الواجب للمرأة التي ليس لها مهر معين ولم تتم مباشرتها قبل الطلاق، أي الآية 236 التي تكون مخصصة للآية التي هي مورد البحث، فتكون نتيجة ذلك هي التصرف في مادة وعموم (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) [البقرة: 241] لا التصرف في الهيئة.
وربما لا يتم التصرف أحياناً في مادة الآية التي هي مورد البحث العامة، بل في هيئتها التي هي الوجوب، وتكون النتيجة حمل ظهور الأمر (هيئة الإنشاء) على الاستحباب لا على الوجوب، أي إنّه يستحبّ إعطاء المتاع الجميع أقسام النساء المطلقات والشواهد القرآنية والروائية تؤيّد أيضاً هذا الطريق الثاني، أي طريق الجمع بين الآيات. وفي هذا الفرض، لا وجود للتخصيص أصـلا كي يتوهم تخصيص الأكثر.