0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

سلطة القاضي في إعادة توجيه التكييف نحو تحقيق العدالة الموضوعية

المؤلف:  زكي عادل عبد العالي الظالمي

المصدر:  تطويع منهج الاسناد في القانون الدولي الخاص

الجزء والصفحة:  ص 129-136

2026-10-03

43

+

-

20

يُعد التكييف الأداة الرئيسة التي يحدد من خلالها القاضي الفئة القانونية التي تنتمي إليها المسألة محل النزاع من أجل اختيار قاعدة الإسناد، أي أن التكييف يعد أمراً سابقاً على معرفة القانون الواجب التطبيق، فمن غير الممكن التعرف على الأخير إلا بعد إدخال العلاقة في إحدى الأفكار المسندة المناسبة، يكاد يجمع الفقه والقضاء والتشريعات المقارنة على إخضاع التكييف إلى قانون القاضي (1) ولكن في بعض الفروض قد يجد القاضي نفسه أمام حالة جمود أو عجز عندما يكون قانونه لا يعرف المسألة المطروحة أمامه (استحالة مادية) (2)، أو يعرفها بمفهوم مختلف عن بقية القوانين الأخرى، أو قد يكون قانون القاضي غير مناسب اطلاقا لتكييف تلك العلاقة أو المسألة المطروحة أمامه.
(يقضي بإخضاع التكييف لقانون القاضي مع التوسع في مفهومه وذلك باستخدام المنهج المقارن من ناحية والاستئناس بالقانون الأجنبي من ناحية أخرى)(3).
إن إعادة توجيه الإسناد نحو العدالة الموضوعية، تعني أن القاضي لا يتقيد بحرفية قواعد الإسناد الشكلية التي تكتفي بالإشارة إلى القانون الأجنبي الواجب التطبيق، بل يتدخل لتصحيح مسار الإسناد متى كان من شأن تطبيقه الميكانيكي أن يؤدي إلى نتائج ظالمة أو مناقضة للمبادئ الجوهرية للعدالة. فالقاضي في هذه الحالة لا يقتصر دوره على تحديد القانون المختص، وإنما يسعى من خلال سلطته التقديرية والتفسيرية إلى ضمان أن تكون النتيجة عادلة في مضمونها ومنسجمة مع القيم العامة للنظام القانوني الذي ينتمي إليه، بحيث يصبح الإسناد أداة لتحقيق العدالة الواقعية لا مجرد عملية فنية جامدة (4). وتتحقق هذه الغاية من خلال السلطة القضائية المرنة التي تمكن القاضي من تجاوز الصرامة الشكلية لقواعد التنازع، مثل إعادة تكييف العلاقة القانونية بما يتناسب مع طبيعة النزاع الحقيقية (5).
نعلم أن كل نظام قانوني يحتوي على مجموعة من الأفكار المسندة، مثل المواريث، والأهلية، والوصايا وغيرها، ومن البديهي أن القاضي الوطني يتقيد بهذه الفكر القانونية وهو بصدد الفصل في منازعات وطنية خالصة، أي عندما يطبق القواعد الموضوعية المقررة في قانونه، إلا أن واقع العلاقات الخاصة الدولية يختلف عن واقع الحياة الوطنية (3)، ومن هنا أثير التساؤل عما إذا كان قانون القاضي المرجع في التكييف يجعل للفكرة القانونية المتضمنة فيه مدلولاً أو تكييفاً متبايناً من فرض لآخر بحسب ما إذا كانت المسألة داخلية محضة أو من علاقات القانون الأولي الخاص وهل مدلول الشكل والميراث والأهلية ... الخ، في العلاقات الوطنية الخالصة هو نفس المدلول الذي يعتمده القاضي في شأن العلاقات الخاصة الدولية؟
لقد اعتبر بعض الفقه (6) في فرنسا أن الأصل هو ان يعتمد القاضي أفكار القانون الداخلي عند تطبيق قواعد الإسناد ما لم يوجد على غير ذلك قرينة، وقد يقتضي الأمر تحويراً في فكر القانون الداخلي عند إعمالها في نطاق تنازع القوانين والقاضي الوطني عندما يجري هذا التغيير أو التحوير إنما يجريه نزولاً على مقتضيات تفرضها طبيعة العلاقة الأولية الخاصة وأيضا غاية قاعدة الإسناد، فقواعد الإسناد إنما وضعت لنوع معين من العلاقات هي العلاقات الخاصة الدولية، وهي ليست مماثلة للعلاقات الداخلية الخالصة والحال كذلك ومن المنطق ألا تتطابق في بعض الحالات القواعد القانونية المستخدمة في المجالين الأولي والوطني تتطابق تماماً، فليس من الغرابة فيما لو لم يتطابق معنى الفكرة القانونية الواردة في قاعدة الإسناد مع المعنى المحدد لها في القانون الداخلي، فقاعدة إخضاع شكل التصرف إلى قانون بلد إبرامه يبررها الصعوبات العملية التي يواجهها المتعاقدان في التعامل مع التعليمات المتعلقة بالقانون الخاص بالدولة التي تعقد فيها، وهو غير معروف في العلاقات (7).
وبهذا الصدد فأن تفسير فكرة شكل التصرف تكون أوسع في نطاق العلاقات الخاصة الدولية عما هو موجود في نطاق العلاقات الداخلية، لذلك فمن الصعب مواجهة الواقع الأولي بوسائل مستمدة من النظام القانوني الداخلي، وبحلول غايتها تلبية حاجات مجتمع داخلي يتميز بالتجانس، ولما كان هدف المشرع من وضع قواعد إسناد مختلفة وتحديده للطوائف القانونية للمسائل التي تحكمها قواعد الإسناد إلى إيجاد حل لكافة النزاعات ذات الطابع الأولي المطروحة أمام المحاكم الوطنية، لذلك فأن التمسك بالمفهوم الوطني الضيق للأفكار التي قام في ضوئها هذا التحديد من شأنه أن يرد على المشرع قصده وان يحوّل دون أداء قواعد الإسناد لوظيفتها في مجال الحياة الدولية للأفراد، فمثلاً المسائل الأجنبية التي تطرح على القاضي الوطني والتي في نفس الوقت لا ينطبق عليها الأوصاف القانونية التي حددها المشرع بمفهومه الضيق، وبهذا الصدد فأن القاضي الوطني لا يتسنى له معرفة القانون الواجب التطبيق بهذا الفرض لتعذره في إدخال هذه المسائل الأجنبية في إحدى الطوائف التي وضع المشرع قاعدة إسناد (8).
لذلك فأن التوفيق بين الاعتبارين السابقين يؤدي إلى القول بأن حاجة المعاملات الأولية وتحقيق استقرارها يتطلب أحكام ومبادئ خاصة بها تتميز عن ما هو موجود في المعاملات الداخلية، ولن يأتي هذا إلا بتطويع الفئات القانونية الموجودة في قانون القاضي، وفهم تلك الطوائف بروح المنطق القانوني وروح العدالة المادية، وكذلك ما يمليه التعاون والتعايش بين النظم القانونية في مختلف الدول، لذلك يأتي التطويع إذا استقبل القاضي النظم القانونية الأجنبية ببصيرة واعية وافق واسع (9).
وعلى هذا الأساس، فأن القضاء مطالب بالاجتهاد لتوسيع مدارك الفئات القانونية الموجودة في قانونه، وحتى يقوم القاضي بتطويع الفئات القانونية الموجودة في قانونه عليه أن يتأكد أن العلاقة القانونية المطروحة أمامه قد استجمعت أسس وخصائص محددة تسمح له بعد التطويع بإدراجها في إحدى الفئات القانونية في قانونه، أي يتعين أن يكون هنالك قدر معين من الانسجام في السمات والخصائص بين النظام القانوني المراد في ظله تكييف العلاقة والعلاقة القانونية الأجنبية، وهذا معناه ان للتطويع حدود، وهذه الحدود تتطلب وجود قواسم مشتركة بين العلاقات الخاصة الدولية وقانون القاضي (10).
ومن الأدوات التي يستعين بها القاضي في تطويع الطوائف والمفاهيم الموجودة في قانونه هي كل من القانون الأجنبي والقانون المقارن:
1 - الاستئناس بالقانون الأجنبي:
حتى يتسنى للقاضي إجراء هذا التطويع للفئات القانونية الوطنية، وخصوصاً إذا كانت المسألة المراد تحديد طبيعتها مجهولة في قانونه أو غريبة عن مفاهيمه الوضعية، لذلك عليه أولا أن يستعين بالقانون الأجنبي (11) المحتمل التطبيق الذي يحكم العلاقة الأجنبية. فالتكييف وفق قانون القاضي قد يؤدي إلى أقصاء القانون الأجنبي الذي له أكثر صلة بالعلاقة (12).
لذلك ينبغي على القاضي أن يجعل من القانون الأجنبي واحد من بين أدواته التي يعتمد عليها في تحليل عناصر المسألة المطروحة والوقوف على مقاصدها، حتى يتسنى له فهم ما لها من طبيعة وخصوصية تساعده في الكشف عن التكييف الصحيح، وعلى أساس ذلك يرى الفقه (13) ان عملية التكييف، هي محصلة المرور بمرحلتين متتابعتين: مرحلة التحليل، والتي بموجبها يرجع القاضي إلى القانون الأجنبي حتى يحلل عناصر المسألة محل النزاع وكاشفاً عن خصائصها الجوهرية التي تصطبغ بها، أما مرحلة الحكم أو التكييف، والتي بموجبها يحدد القاضي طبيعة المسألة المطروحة ليدرجها تحت اطار طائفة من طوائف الإسناد، وفي هذه المرحلة يتوجب على القاضي الرجوع إلى قانونه (14).
وقد اتجه القضاء الإنكليزي إلى هذا المبدأ في القضية والمتعلقة بتكييف القانون الألماني الواجب التطبيق على عقد ألماني، إذ كيفه قضاة محكمة أول درجة بالوسائل المطبقة أمام المحاكم الأوربية على أساس شهرتها من دون الرجوع للقانون الألماني وعندما عرضت القضية على مجلس اللوردات قام اللورد برفض نظرية محكمة الدرجة الأولى والثانية، وذهب إلى أنه ينبغي استخلاص تكييف القانون الألماني من النظام القانوني الألماني ذاته ولا يحق للمحكمة أن تحكم بناءً على معلوماتها الشخصية عن القانون الألماني (15). يتضح من الواقعة ان النظام الإنكليزي يتبع الأسلوب الأجنبي في تكييف العلاقة القانونية.
أما إذا بحث القاضي في القانون الأجنبي ولم يجد حلاً لهذه المسألة فما هو الحل الذي يلجأ إليه؟ عندها يرى الفقه أن يستعين بالقانون المقارن والذي سنأتي عليه تباعاً.
2- الاستعانة بالقانون المقارن
من الأدوات التي يستعين بيها القاضي أيضا في تطويع الفئات القانونية الموجودة في قانونه حتى يتحقق إعادة توجيه الإسناد نحو العدالة الموضوعية، هو القانون المقارن، فلا شك في أن القانون المقارن سيعين القاضي على فهم النظم القانونية الأجنبية التي تبدو لأول وهلة غريبة عن فكره القانوني وستكشف له عن أوجه الالتقاء بين تلك النظم ونظامه القانوني، كما في مسائل الأموال والزواج والعقود والإجراءات مثلا ... سيبصر القانون المقارن القاضي بأن هنالك هدفاً مشتركاً بين النظم القانونية لمختلف الدول بشأن تلك المسائل، وهو تنظيم شرعية العلاقات بين الرجل والمرأة، وتنظيم أدوات تبادل الأموال والخدمات، وتنظيم حيازة واستعمال الأموال، وتنظيم كيفية الاتجاه إلى القضاء ، وغيرها (16). فمثلا تحديد الرابطة الزوجية، فلا يتعين على القاضي أن يتقيد بمفاهيمه الوطنية من أجل تكييفها، فلا يشترط ان تكون هذه الرابطة مطابقة في شروطها وتفاصيلها لمفهوم الزواج في قانون القاضي أنما يكفي لقيان هذا الوصف أن يتوفر فيها الأسس العامة لقيام العلاقة الزوجية المعرفة بصفة عامة في النظم القانونية الأخرى، وعلى القاضي الاسترشاد بالأسس التي تقوم عليها مثل هذه الرابطة في النظم القانونية التي تعرفها، ولا شك في أن القانون المقارن هو خير معين للقاضي في توسيع فكرة الإسناد الواردة في القانون الداخلي لتستوعب النظم الأجنبية حتى تحقق قاعدة التنازع وظيفتها استجابة لما تفرضه العلاقات الأولية من مرونة(17).
وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن الاستعانة بالقانون المقارن في هذه الحالة لا يعني إحلال نظرية (رابل) التي تقضي بإخضاع التكييف للقانون المقارن، فالرجوع إلى هذا القانون هو أمر استثنائي يتم على سبيل الاستئناس ويبقى ان الأصل هو الاعتماد على الأفكار المسندة في قانون القاضي (18).
وأن تطويع الفئات القانونية الموجودة في قانون القاضي عن طريق الأدوات التي ذكرنها (القانون الأجنبي، القانون المقارن) له عدة نتائج منها ان الاتجاه نحو توسيع وتعميق فهم الفئات القانونية في قانون القاضي، حتى يمكن استيعاب كافة الروابط العلاقات القانونية الأجنبية الذي يدعمه الفقه في مختلف الدول، والذي بدأ يظهر نتائجه، فالقضاء الإنكليزي، بدأ يعترف بعدة مدة طويلة، بنظام تعدد الزوجات المعروف في الشريعة الإسلامية وبعض النظم القانونية الأخرى، بعد ما كان يكيف الزواج على انه رابطة لا تعدد، وبمقتضاها يبطل الزواج الثاني، إلا أنه وفق التوجه الحديث أخذ يرتب عليه حقوقا ومراكز قانونية كالاعتراف بشرعية نسب الأولاد من الزواج الثاني وحقهم في الميراث وفي التأمين الاجتماعي، وقد أخذ بهذا التوجه كل من القضاء الأسترالي والكندي (19).
ويلاحظ على القضاء الإنكليزي قبل عام 1973 وبالاستناد إلى السوابق القضائية، حيث إنه كان يعط لمفهوم الزواج على سبيل المثال معنى جامداً مرادفاً لمعنى الزواج المسيحي ومن ثم يضيق من مجال الزواج المتعدد، وعلى أثر ذلك ترتبت نتائج شاذة وغريبة خصوصاً مع وجود جاليات مسلمة في إنكلترا، حيث أصبحت الرابطة الزوجية المتعددة خارج نطاق القانون، لأنه لا توجد قاعدة قانونية لاستيعابها، وعلى أثر ذلك تدخل المشرع الإنكليزي (20). ليعترف بالزواج المتعدد إذا كان الزواج قد ابرم خارج إنكلترا ويراد الاعتراف بآثاره فيها (21) ومن خلال هذه التوجه يلاحظ على التشريع الإنكليزي أنه طوع الأفكار المسندة الموجودة في قانونه حتى تتحقق العدالة الموضوعة المنشودة من قاعدة الإسناد.
أما بخصوص القضاء الفرنسي (22) فأنه وسع من مفهوم فكرتي الزواج والطلاق الواردتين في قانونه ولم يلتزم مدلولات النظم القانونية الواردة في قانونه والتي تكتفي بتطبيق القواعد الموضوعية في قانونه، وإنما وسع من نطاقهما، فجعلهما يستوعبان الرابطة التي يمكن أن تتعدد وأن تنحل بإرادة الزوج وحده (23). بعد أن عرفنا أنه يتوجب على القاضي أن يطوع الأفكار المسندة الواردة في قانونه لتكون قادرة على استيعاب النظم القانونية الأجنبية والتي من خلالها تتحقق وظيفة قاعدة الإسناد، والسؤال الذي يطرح بهذا الصدد ما هو السند القانوني الذي يستند إليه القاضي لإجراء ذلك التطويع؟
أن السند القانوني لذلك التطويع يكمن في فرضين الفرض الأول هو ان يأتي المشرع بنص صريح يشير إلى التزام القاضي بتوسيع الأفكار المسندة الموجودة في قانونه حتى تستوعب النظم القانونية الأجنبية، وهذا ما ذهب إليه التشريع الألماني والتشريع التونسي (24) الفرض الثاني، هو ما حاول الفقه (25) إيجاده من خلال نص المادة (17/1) من القانون المدني العراقي (26) القانون العراقي هو المرجع في التكييف عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات..." يلاحظ على هذا النص أن المشرع العراقي قد استخدم صياغة مرنة تسمح له بهذا التوسيع المنشود فلفظ (المرجع) فيها بعض الليونة كما يرى بعض الفقه، فلو جاء النص السابق على هذا الشكل القانون العراقي هو الواجب في التكييف لأصبح النص جامداً، لذلك فأن استخدام المشرع كلمة (مرجع) قصد منها أن القاضي يجري التكييف بالرجوع إلى مبادئ العامة والأصول الجامعة في قانونه، ويرى قسم آخر من الفقه (27) ان السند القانوني لتطويع الأفكار المسندة في قانون القاضي هو نص المادة (30/1) من القانون المدني العراقي، (28) ، فإذا كان من المبادئ الشائعة بين الدول التي تعتنق نظرية (بارتان) أنه يجب الاستعانة بالقانون الأجنبي المحتمل التطبيق وبالقانون المقارن لتطويع الأفكار المسندة في قانون القاضي استجابة للاعتبارات الأولية، وحتى تحقق قواعد الإسناد الغاية منها، كان من المقرر أن في النص السابق المخصص السند قانوني لهذا الحل، فإذا كان للقاضي العراقي المصري بموجب النص أن يخلق قاعدة إسناد جديدة لم يورده المشرع في نصوصه فأنه يملك على الأقل سلطة تفسير الأفكار المسندة بصورة مرنة تسمح لقواعد الإسناد عنده أن تؤدي الوظائف التي وضعت من أجلها (29).
وعلى هذا الأساس، ينبغي على القاضي العراقي عند تكييفه للعلاقة القانونية الأجنبية طبقا للقانون العراقي، أن يأخذ بالمفهوم الواسع (التطويع) ولا يقف عند نصوص الأحكام حرفياً وإنما يفسرها بمعنى أوسع ليستجيب لطبيعة القانون الدولي الخاص(30).
نصل الى نتيجة ، أن القانون الواجب التطبيق على التكييف هو قانون القاضي وهذا ما أكده الفقه وشرعته النظم القانونية في الدول واعتمده القضاء، إلا أن هنالك حالات لا يستطيع القاضي الوطني تكيفها لغرابتها عنه، ففي هذه الحالة أوجد الفقه الحديث والتشريعات والقضاء حلاً منطقياً يتماشى مع نظرية بارتان مع توسيعها قليلا حيث يطبق قانون القاضي على الحالات التي ليست غريبة على القاضي والحالات الغريبة يتم تكيفها حسب القانون الأجنبي أو القانون المقارن على سبيل الاستئناس. إذاً فأن إعادة توجيه التكييف تمثل مظهرا من مظاهر تطويع منهج الإسناد، لأنها تمنح القضاء مساحة تقديرية تمكنه من تكييف العلاقة القانونية بصورة تحقق التوازن بين استقرار المعاملات واحترام الخصوصية الواقعية للنزاع، لذلك لم يعد دور القاضي يقتصر على التطبيق الآلي لقواعد التنازع، وإنما أصبح يساهم بصورة فعالة في توجيه الحل القانوني نحو العدالة الموضوعية، بما ينسجم مع متطلبات العلاقات الخاصة الدولية الحديثة.
ولما كان التفسير القضائي يمثل المدخل الفكري لتطويع منهج الإسناد، فأن فعاليته العملية تبقى مرهونة بما يمتلكه القضاء من وسائل وآليات تمكنه من إعادة توجيه قاعدة الإسناد نحو الحل الأكثر ملاءمة للعلاقة القانونية محل النزاع، لذلك، فأن دراسة دور التفسير القضائي تستدعي بالضرورة البحث في الآليات القضائية التي تعد الأداة التطبيقية لتحقيق هذا التطويع، ..... .
___________________
1- د. سعيد يوسف البستاني، الجامع في القانون الدولي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2009، ص 622. وانظر أيضا د. فؤاد عبد المنعم، سامية ،راشد تنازع القوانين والاختصاص القضائي، دار النهضة العربية، 1994 ، ص 67 ، وانظر أيضا.د. عباس العبودي، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الأحكام الأجنبية، دار السنهوري بیروت، 2015 ، ص73.
2- وبهذا الصدد يوضح القضاء الفرنسي فكرة الاستحالة المادية في التوصل إلى تكييف العلاقة القانونية ((ظهر أثر دعوى رفعها أحد رعايا مالطه أمام محكمة الجزاء طالب المدعي فيها بحق ربع الزوج الفقير وهو نظام قانوني يقره القانون المالطي إلا انه مجهول من قبل القانون الفرنسي المطبق آنذاك في الجزائر وتعذر على القاضي تكييف موضوع النزاع بمقتضى قواعد القانون الفرنسي واضطرت المحكمة تجاه هذه الاستحالة الناشئة من عدم وجود مثل هذا النظام في قانونها إلى أن تتخلى عن التكييف لقانون آخر ألا وهو قانون جنسية المدعي وهنا قانون مالطه)) د. حسن الهداوي، تنازع القوانين وأحكامه في القانون الدولي الخاص العراقي، ط3، مطبعة الإرشاد بغداد، 1972، ص82.
3- د. سعيد يوسف البستاني، الجامع في القانون الدولي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2009 ، ص 622.
4- أستاذنا. د. نظام جبار طالب، تطور قواعد تنازع القوانين التقليدية دروس مستفادة من التحكيم التجاري الدولي بحث منشور في مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية مجلد 11 العدد 37 2018 ، ص. ناتوري كريم، التكييف في تنازع القوانين بين النظرية والتطبيق بحث منشور في مجلة الفكر القانوني والسياسي، مجلد 9، العدد 2، 2025، ص 1159.
5- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 162 .
6- باتيفول ولاجارد، فقرة ،296 ، ص 484 ، نقلا عن د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007، ص 163.
7- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007، ص 163.
8- د. فؤاد عبد المنعم و د. سامية ،راشد مصدر سابق، ص 68. ، د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين، مصدر سابق، ص 164، . د. جابر جاد عبد الرحمن تنازع القوانين، مكتبة النهضة المصرية 1959، ص232.
9- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 403.
10- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 164.
11- قد يعرض على القاضي الوطني، نزاع غريب على نظامه القانوني، بحيث يصعب عليه إدخاله في إحدى الأفكار المسندة القائمة لديه، هنا يحق للقاضي الوطني، أن يتعرف على طبيعة النزاع المعروض عليه، في ضوء مجموعة القوانين التي يرتبط بها النزاع المتقدم والتي يحتمل تطبق إحداها عليه، لا سيما القانون الذي يطالب اطراف العلاقة بإعماله في هذا الصدد، فهذا الأخير سوف يساهم في إفساح الطريق أمام القاضي كي يتوصل إلى تحديد ملامح الأساسية للمسألة المتنازع حولها تمهيداً لإدخالها في إحدى الأفكار المسندة إليه د. هشام خالد القانون الدولي الخاص، المجلد الثاني، دار الفكر الجامعي، 2014، ص 546.
12- ناتوري كريم، التكييف في تنازع القوانين بين النظرية والتطبيق بحث منشور في مجلة الفكر القانوني والسياسي، مجلد 9، العدد 2، 2025، ، ص 1159 ، هشام خالد القانون الدولي الخاص، المجلد الثاني، دار الفكر الجامعي، 2014 ص 564.
13- الفقيه الفرنسي باتيفول وزميله لاكارد ، د. سعيد يوسف البستاني، الجامع في القانون الدولي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2009 ، ص 632 .
14- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007، ص 167 . ، د. هشام علي صادق المطول في القانون الدولي الخاص، الجزء الأول، تنازع القوانين، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2014، ص 564 . ، د. هشام علي صادق المطول في القانون الدولي الخاص، الجزء الأول، تنازع القوانين، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2014، ص 277.
15- د. شمس الدين الوكيل، مبادى القانون الدولي الخاص، الطبعة الأولى منشأة المعارف، 1965، ص 83.
16- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص404.
17- د. فؤاد عبد المنعم، سامية ،راشد تنازع القوانين والاختصاص القضائي، دار النهضة العربية، 1994 ، ص 68.
18- د. عكاشة محمد عبد العال تنازع القوانين، ص 169.
19- أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ، ومنهجا، مصدر سابق، ص 405.
20- المواد (5-8) 1995 Private International Law (Miscellaneous Provisions) Act من القانون الدولي الخاص الإنكليزي عام 1995 ، contents/1995/42/https://www.legislation.gov.uk/ukpga
21- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين، ص 172
22- اما بخصوص القضاء الألماني فقد آمن بهذا التوجه، وجاء في حكم المحكمة العليا بتاريخ 1940/4/11 أنه متى كان مبدأ مرور الزمن المقرر في القانون الأجنبي مجهولاً من القانون الألماني، فأن على المحكمة أن تتقصى معناه وهدفه ومفاعيله من وجهة نظر القانون الأجنبي، ثم تجري تصنيفه (تكييفه) استناداً إلى أحكام قواعد الإسناد الألمانية" د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين، ص 172
23- مصدر سابق، ص172.
24- ذهبت إليه مجلة القانون الدولي الخاص التونسي لعام 1989 بانه يتم التكييف إذا كان الهدف منه تحديد قاعدة التنازع، طبقا لأصناف القانون التونسي، ويتم لغاية التكييف تحليل عناصر الأنظمة القانونية غير الواردة في القانون التونسي ، طبقاً للقانون الأجنبي الذي تنتمي إليه وتأخذ بعين الاعتبار عند التكييف مختلف الأصناف القانونية الدولية وخصائص القانون الدولي الخاص".
25- وهذا ما ذهب إليه الدكتور شمس الدين الوكيل . نقلا عن د. حفيظة السيد الحداد الموجز في القانون الدولي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، 2007، ص 142.
26- تقابلها المادة (10) من القانون المدني المصري القانون المصري هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضيه تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه من بينها).
27- د. عباس العبودي، المناهج الجديدة في العلاقات الخاصة الدولية واثرها على قاعدة تنازع القوانين، مجلة اليرموك مجلد 8، العدد 1،2016 ص 75
28- تقابلها نص المادة (24) من القانون المدني المصري (تتبع فيما لم يرد في شانه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين مبادئ القانون الدولي الخاص).
29- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007 ص 174.
30- عباس العبودي، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الأحكام الأجنبية، دار السنهوري بیروت، 2015 ص 74.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد