0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

دور ضوابط الإسناد الاحتياطية في العلاقة العقدية

المؤلف:  زكي عادل عبد العالي الظالمي

المصدر:  تطويع منهج الاسناد في القانون الدولي الخاص

الجزء والصفحة:  ص 104-116

2026-10-01

27

+

-

20

عندما تنعدم الإرادة الصريحة لأطراف العقد الأولي حول اختيار القانون الذي يحكم العقد، ويتعذر الكشف عن نيتهم الضمنية، فلا يحق للقاضي في هذه الحالة ان يجتهد ويطبق قانونه الوطني كما في النظم القانونية الأنكلوسكسونية أو يرفض الفصل في النزاع (1) ، لذلك أسندت التشريعات ومنها العربية العلاقة العقدية إلى ضوابط إسناد احتياطية معينة ومحددة مسبقاً لتحديد القانون الواجب التطبيق على العلاقة العقدية في حال سكوت الإرادة، وتعذر الكشف عن الإرادة الضمنية الأطراف، وعلى القاضي أن يجهد للوصول إلى القانون الواجب التطبيق على العقد وذلك من خلال البحث عن القانون المرتبط ارتباطا وثيقا بالعقد (). وبهذا الصدد يثور التساؤل الآتي ما مدى فاعلية ضوابط الإسناد الاحتياطية في تحديد القانون الواجب التطبيق على العقود الأولية؟
ويقصد بضابط الإسناد، البحث عن اقرب القوانين علاقة بالرابطة العقدية وفقاً لما يراه المشرع أو القاضي مثل قانون الموطن المشترك أو قانون محل الإبرام أو قانون محل التنفيذ أو قانون الجنسية المشتركة (3).
حيث سنتكلم في هذا الموضوع عن ضابط الموطن المشترك وضابط محل الإبرام لكونهما الأكثر انتشارا وتنظيما في النظم القانونية ولكون المشرع العراقي تناولهما في المادة (25/1).
أولا - دور ضوابط الإسناد التقليدية في تطويع منهج الإسناد :
1- قانون الموطن المشترك
يرى الفقه المناصر لهذا الإسناد، أن قانون الموطن المشترك لأطراف العقد له عدة إيجابيات تؤكد فاعليته عند سكوت إرادة الأطراف في اختيار قانون العقد، من هذه الإيجابيات أن أطراف العلاقة التعاقدية يتوقعون تطبيق هذا القانون في حال سكوتهم عن اختيار القانون وبذلك فأن هذا النوع من الإسناد لا يخل بتوقعات الأطراف، كما أن أحكام قانون الموطن متعارف عليها لدى أطراف العلاقة، وعليه، فلا يتفاجأ الأطراف العقد عندما يطبق عليهم قانون الموطن المشترك، فضلا عن ذلك فأن قانون الموطن المشترك لأطراف العلاقة يمثل الموطن الذي اختاره الأطراف للإقامة المعتادة أو موطن ممارسة أعمالهم وعليه يمثل هذا الموطن مصالح الأطراف المشتركة(4).
ورغم تلك المزايا التي يتمتع بها قانون الموطن المشترك فأنه يوجد بعض السلبيات التي تؤكد على عدم فاعليته، ومن هذه السلبيات أنه ليس بالضرورة أن يشترك أطراف العقد في موطن واحد فقد يختلف موطن حسب كل طرف من أطراف العقد، وعليه يعتبر قانون الموطن المشترك غير قادر على حكم العلاقات الخاصة الدولية، كما أن قواعد كسب وفقدان الموطن تختلف من دولة إلى أخرى والتي قد يكون من السهل تغيير الموطن بموجبها، الأمر الذي يمثل صعوبة على المحكمة في تحديد أو أثبات الموطن، كما ان اعتبار الموطن المشترك يمثل مركز الثقل لجميع انواع العقود أمراً يثير التساؤل، حيث ن مركز الثقل للعملية التعاقدية قد يختلف من عقد لآخر، كما ان قانون الموطن المشترك الأطراف من القوانين المحلية بالنسبة لأطراف العقد، وعليه قد يرغب الأطراف بتطبيق قانون أجنبي بالنسبة لهم (5) ويلاحظ على هذا الضابط بأنه أقل المعايير شيوعاً واستخداما في العلاقات الخاصة الدولية لكونه فرض نادر الوقوع فقلما يكون عقدا دوليا يجتمع أطرافه في موطن واحد ومن هنا فأن أهميته تكون ضئيلة جداً في مجال تنازع القوانين لأن التجارة الدولية قائمة على وجود شخصين في الغالب يكون كل شخص منتم إلى دولة معينة (6).
2- قانون محل الإبرام:
لقد اسند المشرع العراقي والتشريعات المقارنة عند عدم وجود الإرادة بنوعيها الصريحة والضمنية وعدم وجود قانون الموطن المشترك للمتعاقدين العلاقة العقدية إلى قانون محل الإبرام أي أن الأخير لا يطبق إلا في حالة عدم وجود الإرادة والقانون وقانون الموطن المشترك (7) .
ويرى جانب من الفقه أن تطبيق قانون محل الإبرام له عدة إيجابيات، تتمثل تلك الإيجابيات بالآتي: يُعدّ محل الإبرام الميلاد الأول للعقد وعليه لا يمكن فصل العقد عن قانون ميلاده، إذ يمثل اقوى الصلات به، ومن جهة أخرى أن بلد الإبرام في العادة لا يتعدد، إذ يجري العقد في مجلس واحد وعليه لا يطبق أكثر من قانون على العقد الأولي بل يحفظ قانون بلد الإبرام وحدة القانون المطبق على العقد (8). كما ان قانون دولة الإبرام هو القانون الذي يسهل على المتعاقدين الرجوع إليه للتأكد عند التعاقد من السلامة القانونية للشروط التي يزعمون أدراجها في العقد، كذلك فأن إسناد العلاقة العقدية إلى بلد الإبرام يحقق ميزة العلم المسبق بالقانون الواجب التطبيق على العملية العقدية مما يوفر لأطراف العقد الأولي الأمان القانوني المنشود لاستقرار العقود الأولية ويصون توقعاتهم (9).
ورغم تلك الإيجابيات التي يتمتع بها قانون محل الإبرام إلا أن بعض الفقه (10) وجه له عدة انتقادات تتمثل بأن بلد الإبرام قد يكون مجرد ظرف عارض التقى به أطراف العقد الأولي ومن ثم قد لا يكون قانون بلد الإبرام يمثل مصالح الأطراف الحقيقية، ومن جهة أخرى فأن قانون محل الإبرام وان كان محل ميلاده الأول، إلا أنه لا يعبر عن حقيقة المصالح المعنية التي ترتبط بالعملية العقدية وهو ما يصعب معه التسليم بالصلة القوية التي يدعي أنصار هذا الاتجاه وجودها بين العقد وقانون محل إبرامه، بل أن التوصل إلى تحديد مكان إبرام العقد لا يعني أن القانون السائد في هذا المكان هو المناسب لحكم العقد، لأن مصالح المتعاقدين أو الغير لا ترتكز في هذا المكان، إذ تتجسد هذه المصالح في الغالب في مبالغ واجبة السداد، أو بضائع واجبة التسليم أو أعمال واجبة التنفيذ، أو إجراءات واجبة الاتباع، وهي أمور لا صلة لها في الغالب بمحل إبرام العقد خاصة إذا كان ذلك على محض الصدفة (11) ، كما يرى هذا الاتجاه ان التطور الهائل في مجال التجارة الدولية والتطور التكنلوجي فتح الباب أمام تعاقدات لا تتم بموجب بلد واحد، لكون ذلك التعاقد قد يحصل بين بلدين مختلفين عن طريق الأنترنت وعلى أثر ذلك ستكون هنالك صعوبة في تحديد قانون بلد الإبرام كون التشريعات تختلف بهذا الخصوص، خذ مثلاً المادة (87) من القانون المدني العراقي التي تنص يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك (12)، اما المادة (101) من القانون المدني الأردني، حيث تنص إذا كان المتعاقدان لا يضمهما حين العقد مجلس واحد يعتبر التعاقد قد تم في المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك هذا الخلاف التشريعي يمثل صعوبة في تحديد مكان الإبرام (13)، حيث تتمثل هذه الصعوبة بأن هنالك بعض الدول تأخذ بنظرية تصدير القبول كالقانون الإنكليزي حيث تعد تصدير القبول دليلاً على أن العقد قد ابرم ما بين المتعاقدين، وثمة دول أخرى تأخذ بنظرية تسلم القبول كالقانون الألماني، وهناك دول أخرى تعتبر العقد قد أبرم بمجرد العلم بالقبول كالقانون العراقي والمصري، وهنالك دول أخرى لا تأخذ بأية نظرية وإنما تترك الأمر جله إلى القضاء كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية(14).
وهنالك صعوبات أخرى تمنع تطبيق قانون محل الإبرام أنتجها العالم الرقمي أو التطورات الحديثة التي رافقت التجارة الدولة، تكمن تلك الصعوبة بأن العالم الشبكي لا يقوم على تواجد حقيقي في مكان محدد، فدولة تصدير الإيجاب قد تكون في بلد، في حين أن العنوان الإلكتروني للشركة موجود في بلد آخر وربما كانت الشركة التي تدير الموقع مجرد وسيط، وبالتالي يكون على من يدعي إبرام العقد في مكان ما عليه أن يقدم الدليل على صحة ادعائه، إضافة إلى ذلك فأن إبرام العقد من خلال شبكة الأنترنت يفترض اتصال العقد أثناء إبرامه بجميع الدول المرتبطة بالأنترنت (15).
وأخيراً، فلا صحة للدعاء بأن قانون محل إبرام العقد هو الذي يسهل لأطراف العقد الرجوع إليه للنظر في مدى السلامة القانونية للشروط التي يزعمون أدراجها في العقد، إذ يلاحظ من ناحية ان أطراف العقد الأولي لا يفكرون عادة عند التعاقد في مدى صحة الشروط المتفق عليه وفقاً للقانون الواجب التطبيق، وإذا ثار النزاع بين أطراف العقد بعد التعاقد فأنه من المناسب أن يطبق عليهم القانون الذي يعبر عن مصالهم الحقيقية وليس القانون السائد في مكان الإبرام الذي لا ترتكز فيه هذه المصالح ولا يرتبط ألا بالمرحلة الأولى من مراحل العملية العقدية.
وعند النظر إلى التشريعات المقارنة (16) وخصوصا العربية نجدها قد ألقت الضوء على المنهج الجامد من خلال تحديد ضوابط الإسناد في حال عدم وجود الإرادة بكل من ضابط الموطن المشترك وقانون محل الإبرام، ومن تلك التشريعات القانون المدني العراقي في المادة (25/1) الذي يقضي يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إن اتحدا موطناً، فإذا اختلفا يسري قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا ما لم يتفق المتعاقدان أو يتبين من الظروف ان قانوناً آخر يراد تطبيقه فهذه المادة الزمت القاضي العراقي عند عرض النزاع أمامه أن يبحث أولا عن قانون الإرادة سواء كانت إرادة صريحة أو ضمنية، فإذا لم يجد يبحث عن الموطن المشترك للتعاقدين، وإذا لم يجد طبق قانون محل إبرام العقد أخيرا ، وبهذا الصدد جاء قرار لمحكمة التمييز العراقية " حيث إن العقد قد تم بين طرفين في لندن فيكون القانون الإنكليزي هو المطبق " (17) . فالحل التشريعي الذي أتى به المشرع العراقي في المادة (25/1) في حال عدم وجود الإرادة بنوعيها يعد عقبة في تطوير الحلول وملاحقة مستجدات الفن القانوني التي يتلاءم بها مع ما تكشف عنه المدنية الحديثة في عصر التكنلوجيا، فقد ظهرت عقود لها خصوصية وتعقيد لا يسمح بأدراجها بأمان في طوائف العقود المسماة التقليدية فالعقد الواحد منها كعقد المفتاح في اليد مثلا يجمع بين خصائص كل من عقد البيع وعقد الترخيص وعقد التسليم وعقد بيع المعرفة الفنية وعقد الشركة وعقد العمل، بحيث لا يلائمه عن تخلف الإرادة بنوعيها تطبيق قانون الموطن المشترك أو قانون محل إبرام العقد الذي فرضهما المشرع العراقي.
يتضح مما تقدم أن كل من ضابط الموطن المشترك وضابط محل إبرام العقد يعدان من ضمن منهج الإسناد الجامد، حيث يتولى المشرع بنفسه عملية تركيز العلاقة التعاقدية إلى القانون الأكثر صلة به، مفترضاً أن مركز الثقل فيها يوجد في مكان معين، كقانون الموطن المشترك للمتعاقدين أو مكان إبرام العقد، هي من أكثر القوانين ارتباطاً بالعقد ومن ثم يكون من اللازم على القاضي وفقاً لهذا المنهج (الجامد) أن يطبق الضابط الذي حدده له المشرع على سبيل التدرج، وبهذه المثابة فأن ذلك الإسناد يتيح لأطراف العقد فرصة معرفة القانون الذي سيحكم عقدهم مما يحقق لهم الأمان القانوني ويحفظ توقعاتهم المشروعة، لكن ما يعاب على منهج الإسناد الجامد إضافة إلى ما ذكرناه أعلاه أنه يتميز بالجمود وغير مراعي لعدد وتنوع العقود الأولية، ولكن رغم ذلك هنالك من التشريعات أخذت بهذا التوجه ومنها المشرع العراقي كما سنرى (18).
وإذا كان تطبيق القانون الأوثق صلة بالرابطة العقدية المطروحة هو الذي يعبر بصدق عن مفهوم قواعد الإسناد التقليدية والتي يتم أعمالها بطريقة محايدة ودون النظر إلى مضمون القانون الذي تشير باختصاصه تحقيقا للعدالة الشكلية التي تتطلبها هذا القواعد فأن تطبيق القانون المناسب أو الملائم للعقد أو لجانب من جوانبه يعكس مفهوماً خاصاً لقاعدة الإسناد التي تتخطى طابعها المحايد سعياً وراء عدالة مادية تستلزم أن يكون مضمون القانون التي تشير باختصاصه محلاً للاعتبار عند الإسناد (19).
نصل إلى نتيجة : أن ضوابط الإسناد الاحتياطية الجامدة غير قادرة وليس لها فاعلية تجاه العقود الأولية، نتيجة الانتقادات التي وجهة إلى كل من ضابط قانون الموطن المشترك وضابط قانون محل الإبرام، وعلى أثر ذلك، ظهر اتجاه جديد بمنهج جديد حيث يتمثل بضابط الأوثق صلة وضابط الأداء المميز ليعالج مسألة اختيار القانون الواجب التطبيق على العلاقة العقدية في حال غياب الإرادة الصريحة والإرادة الضمنية.
ثانيا - دور ضوابط الإسناد الحديثة في تطويع منهج الإسناد :
إن وضع قاعدة إسناد قائمة على ضابط إسناد محدد سلفا، لم يكن موفقا من قبل المشرعين، لأن الموطن المشترك للمتعاقدين ومكان إبرام العقد، قد يكون أمراً عرضياً بالنسبة للعقد الأولي، بينما لو تم أخذ هذه الضوابط بعين الاعتبار بالإضافة إلى عناصر أخرى في العقد لكان تحديد القانون الواجب التطبيق أكثر موضوعية، وأكثر انسجاماً مع طبيعة العقد الدولي (20). لذلك أوجدت التشريعات المقارنة ضابطين: ضابط الأوثق صلة والذي أخذت به النظم القانونية الأنكلوسكسونية، وضابط الأداء المميز الذي أخذت به فرنسا.
1 - ضابط الأوثق صلة
ووفقا لهذه الضابط إذا لم يحدد المتعاقدان صراحة أو ضمنا القانون الواجب التطبيق على عقدهما، فأن القاضي يبحث عن القانون الأكثر صلة بالعقد أي لا يستند إلى قواعد الإسناد الاحتياطية كما مر بنا، وإذا كان هذا المنهج يتسم بالمرونة ويؤدي غالبا إلى نتائج أكثر عدالة من المنهج السابق (الجامد)، إلا أن أعماله يتطلب من القاضي أن يبذل جهد كبير في التعرف على قوانين الدول التي ترتبط مع العقد بعلاقة ما، بهدف التوصل إلى قانون الدولة التي لها صلة قوية بالعلاقة التعاقدية، لذا فأن هذا المنهج يقوم بالتركيز الموضوعي للرابطة العقدية مما يوجب ضرورة البحث عن القانون الواجب التطبيق وذلك من خلال إسناد العلاقة العقدية إلى الدولة التي يكون قانونها أوثق صلة بها وبالتالي ينحصر دور القاضي في التركيز الموضوعي للرابطة العقدية في اطار نظام قانوني معين يرتبط العقد به، وإذا تم تركيز العلاقة قام القاضي بتطبيق القانون السائد في المكان الذي يشكل مركز الثقل في الرابطة العقدية (21).
وعند غياب الإرادة الصريحة تعتبر نظرية التركيز الموضوعي للرابطة العقدية من أهم الحلول التي نادى بها الفقه وأخذ بها القضاء كالقضاء الإنكليزي والقضاء الأمريكي والقضاء الفرنسي الحديث من خلال إسناد العلاقة العقدية إلى القانون الأوثق صلة بالعقد (22). حيث نجد القضاء الفرنسي قد تأثر بنظرية الأوثق صلة وطبقها في القرار الصادر 1959 ، حيث ورد في القرار إذا لم تقم الأطراف المتعاقدة باختيار القانون المطبق على العقد صراحة، فعلى قضاة الموضوع ان يتصدوا لتحديد القانون الواجب التطبيق في ضوء ظروف التعاقد وملابساته (23) وبذلك يتمتع القاضي بمرونة كبيرة من أجل تحديد القانون الأوثق صلة بالعقد، وللقاضي السلطة التقديرية في تحديد القانون الواجب التطبيق في كل حاله على حدة. وان مساله الظروف والملابسات التي تحيط بإبرام العقد، فأنها تختلف من عقد إلى آخر، لكن هذا لا يمنع من وجود ظروف وملابسات يمكن للمحكمة الرجوع إليها في بحث القانون الأوثق صلة، حيث نذكر هذا الظروف على سبيل المثال وليس الحصر (تحرير العقد من قبل موظف تابع للدولة معينة، اللغة التي حرر بها العقد، التعاقد مع الدولة ) (24) لذلك يستطيع القاضي الاستدلال على القانون الأوثق صلة من خلال الظروف .... .
ففي قرار لمحكمة النقص الفرنسية لعام 2015 في قضية مصرف Banca di creditor تتلخص وقائع هذه القضية "بأن شخصاً فرنسي الجنسية مقيماً في إيطاليا تقدم إلى طلب قرض من بنك Banca di credito في إيطاليا وتم ضمان القرض بكفالة شخص فرنسي مقيم في فرنسا وعند نخلف الطرف الأول عن سداد قيمة القرض عرض النزاع أمام محكمة الاستئناف الفرنسية المطالبة الكفيل بدفع قيمة القرض إلا ان الأشكال هو في عدم تحديد القانون الواجب التطبيق على عقد الضمان وعند تحديد القانون الواجب التطبيق عليه رأت المحكمة ان الكفالة عقد مستقل، وعليه تطبيق القانون الفرنسي باعتباره قانون المدين بالأداء المميز، إلا أن محكمة النقض الفرنسية نقضت هذا الحكم واعتبرت ان عقد الضمان مرتبط بشكل اوثق مع إيطاليا، باعتبار أن البنك مقدم القرض مقره في إيطاليا وأن طالب القرض مقيم في إيطاليا والعقد كتب باللغة الإيطالية وعليه يطبق القانون الإيطالي (25).
لذلك يتميز هذا الضابط بعدة ميزات منها أنه يتلافى التحايل على الأحكام الآمرة في قانون الدولة التي يرتبط بها العقد أكثر من غيرها، ويحول دون التعسف في اختيار قانون معين ليس له صلة بالعقد، وأيضا أنه يحول دون هيمنة الأطراف على قانون العقد من خلال تحويله إلى شرط تعاقدي، كذلك أنه يقلل من الجدل الفقهي حول أعمال نظرية الإحالة، وأخيرا أنه يرفع التناقض بين كيفية حل تنازع القوانين والتنظيم الموضوعي للعقد(26).
ويلاحظ أن قاعدة الإسناد وفق هذا التوجه تتسم بالمرونة، لأنها ليست محددة مسبقاً، إذ يتم تحديد القانون الواجب التطبيق عن طريق بحث كل مسألة على حدة وفقا لطبيعة العلاقة وظروف التعاقد وملابساته، وعلى الرغم أن هذه التوجه يحقق لنا مقتضيات العدالة والمرونة، لكنه لا يخلو من الانتقادات، لكونه يقوض من مبدأ الأمن القانوني ولا يصون التوقعات المشروعة لأطراف العلاقة، بمعنى قد يأتي على حساب توقعات الأفراد (27)، على أثر ذلك تبنت التشريعات الحديثة والاتفاقيات الدولية منهجا أكثر مرونة يتوسط بين منهج التشريعي الجامد وبين المنهج القضائي المرن ويتمثل منهج الإسناد المرن باستعمال الروابط الأكثر صلة التي ترتبط بالعلاقة القانونية ارتبطا وثيقا، حيث يتخذ هذا المنهج موقف وسط من شأنه تحقيق العدالة دون ان يؤدي إلى الإخلال بتوقعات المشروعة لأطراف العلاقة(28)، وهذا ما يسمى بالأداء المميز.
2- ضابط الأداء المميز:
يعد الأداء المميز (29) كأحد النظريات التي أدت إلى مرونة قاعدة الإسناد الخاصة بالعقود الأولية، والتي تقضي بتفريد معاملة العقود الأولية، وتحديد القانون الواجب التطبيق على كل عقد حسب الوزن القانوني والأهمية الواقعية للأداء أو الالتزام الأساسي في العقد ومكان الوفاء به أو تقديمه(30). ويتطلب لأعمال فكرة الأداء المميز أولا تحديد الأداء المميز في العقد الدولي حيث يتم ذلك الحديد بطريقة موضوعية بوزن الأداء المختلفة فيه لاستخراج الأداء الأكثر أهمية والذي يمثل ثقل الرابطة العقدية ومن ثم يسند القاضي العقد محل النزاع إلى قانون الموطن أو محل إقامة المدين بالأداء المميز وإذا كان شخصاً اعتبارياً فأنه يتم الاستناد إلى قانون مركز أعماله (31) ، وبموجب هذه النظرية يتم تحديد القانون الواجب التطبيق عند سكوت أطراف العقد عن اختيار القانون الذي سيحكم عقدهم من خلال تركيز موضوعي بحت للعلاقة العقدية، حيث يقوم هذا التركيز على طبيعته الذاتية للعقد، ولا شأن له بإرادة المتعاقدين أو بظروف التعاقد وملابساته، بحيث يتم إسناد العقد إلى محل التنفيذ المفترض للأداء المميز فيه والذي افترض انه يتم في محل إقامة المدين بهذا الأداء، وبهذه المثابة يقوم الإسناد في هذه الحالة على قاعدة من قواعد الإسناد يتحدد فيها معيار الإسناد على نحو واضح ومسبق دون أن يترك للقاضي تحديد قانون العقد في ضوء ظروف التعاقد وملابساته، كما يصون التوقعات المشروعة لأطراف العلاقة وذلك من خلال معرفتهم بالقانون الذي سيحكم عقدهم منذ لحظة إبرام العقد (32).
وتتميز فكرة الأداء المميز (33) بأنها إسناد مسبق للعلاقة العقدية لا يختلف من عقد لآخر من العقود ذات الطبيعة الذاتية الواحدة خاصة وانه يقوم على افتراض مسبق مؤداه أن محل تنفيذ الأداء المميز هو موطن المدين بهذا الأداء، وهو ما يؤدي إلى صون توقعات أطراف العلاقة المشروعة في العلم المسبق بالقانون الذي سيطبق على عقدهم ويكفل لهم استقرار المعاملات العقدية الأولية، وهذا هو التركيز الموضوعي وفقا للطبيعة الذاتية للعقد، ولعل أول ما يلاحظ على ضابط الأداء المميز أنه كفل للمتعاقدين الأمان القانوني دون أن يفقد مع ذلك المرونة المتطلبة لتطويع قواعد الإسناد الخاصة بالعقود الأولية، والتي يمكن من خلالها أن يختلف القانون الواجب التطبيق بحسب طبيعة العقد محل النزاع فالتركيز الموضوعي يتم وفقا لهذا الضابط على أساس الطبيعة الذاتية للعقد بصرف النظر عن إرادة المتعاقدين كما قد تشير إليها ظروف التعاقد وملابساته (34).
والمقصود بالأداء المميز هو معرفة القانون الواجب التطبيق على كل فئة من فئات العقود، فمثلا عقد بيع المنقولات المادية، فأن الأداء المميز فيه هو محل إقامة البائع، لأن التزام البائع بتسليم الشيء هو الهدف الأساسي في العقد، ويمكن الخروج على هذه القاعدة ويكون الأداء المميز في العقد هو محل إقامة المشتري إذا كان الأخير هو الطرف الضعيف في العقد، وهذا ما تبناه المشرع الألماني لسنة 1986 والمشرع السويسري لعام 1987 واتفاقية روما 1980 ،الملغاة، كذلك بالنسبة إلى عقود التأمين فأن الأداء المميز يتمثل في قانون محل إقامة المؤمن بوصفه المدين بالأداء المميز في العقد، أما بالنسبة إلى عقود النقل فأنها تخضع لقانون مركز الناقل بوصفه المدين بالأداء المميز في العقد، وهذا ما تبنته المادة (48/4) من القانون الدولي الخاص الألماني الجديد وكذلك اتفاقية روما لعام 1980 الملغاة في المادة (4/4) في شأن تطبيق القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية(35).
ويترتب عن تطبيق فكرة الأداء المميز في تحديد قانون العقد الأولي آثار تنعكس على العقد الأولي، تجعل من القاضي الذي يفصل في النزاع يقوم بعملية المفاضلة بين الالتزامات الموجودة في العقد، ليحدد أي منها يمثل الالتزام الجوهري فيه، فضابط مكان الإقامة المعتادة للمدين بالأداء المميز، يتميز بصونه لمبدأ الأمان القانوني واحترامه لتوقعات الأطراف المشروعة، حيث تعد مسألة احترام توقعات الأطراف المشروع وتحقيق مبدأ الأمان القانوني من الأهداف الأساسية التي تسعى قواعد الإسناد إلى تحقيقها، إذ يراد بالتوقع المشروع عدم إصدار قاعدة قانونية بطريقة مفاجئة، مما يؤدي إلى تقديم حلول غير متوقعة تنصدم وتتعارض مع النتائج التي يسعى أطراف العقد إلى تحقيقها، من وراء إبرامهم لتصرفات قانونية مشروعة، أما الأمان القانوني فعلى الرغم من عدم وجود تعريف له إلا أنه يمكن وضع مبادئ تمثل أساسه، من هذه المبادئ، توقع القانون، سهولة الوصول إلى القاعدة القانونية، ووضوحها، ما يعني أن مبدأ الأمن القانوني ينصرف إلى يسمى بتنازع القوانين إلى عدم مفاجأة أطراف العلاقة التعاقدية بالقانون الواجب التطبيق على عقودهم القانونية، ويتحقق ذلك من خلال إسناد التصرف إلى قانون دولة ينسجم مع مصالح الأطراف، ويتماشى مع توقعاتهم بما يحقق لهم الاستقرار في تصرفاتهم القانونية في دائرة العقود الأولية فضابط مكان الإقامة المعتاد للمدين والذي جاء به منهج الأداء المميز ضابط يتميز بالثبات والبساطة والوضوح ووقت إبرام العقد، وأن تحديده يعتمد على طبيعة العقد ما يجعل من القاضي يبحث عن القانون الواجب التطبيق في العناصر الداخلية المكونة له دون الرجوع إلى ظروف وملابسات التعاقد الخارجية ولا إلى إرادة أطراف العقد هو الوضع الذي من شأنه أن يضيق من السلطة التقديرية للقاضي، وهذا ما يساهم في تعزيز مبدأ الأمان القانوني، ويحفظ توقعات أطراف العقد المشروعة، خاصة وأن الأطراف لا يتفاجؤون بالقانون الواجب التطبيق بعلمهم به وقت الإبرام (36).
وفي الوقت نفسه فأن ضابط مكان الإقامة المعتادة للمدين بالأداء المميز يراعي العدالة والمرونة كونه يأخذ بالحسبان تنوع العقود الأولية، إذ يراعي منهج الأداء المميز القائم على تركيز قانون العقد في حال غياب الإرادة في مكان إقامة المدين بالأداء المميز، أي صاحب الأداء اعتبارات المرونة والعدالة، كون أن فكرة الأداء المميز تأخذ بالحسبان مسألة الطبيعة المتنوعة للعقود الدولية، من خلال وضعه لضابط إسناد تفصيلي يختلف ويتغير بتغير طوائف العقود، حيث تصنف العقود إلى فئات متعددة ومختلفة وإخضاع كل طائفة متشابهة إلى القانون الأكثر صلة (37). وتلتقي هذه النظرية مع نظرية التركيز الموضوعي بأن كلاهما يؤدي إلى المرونة (38) .
ونتيجة للمزايا التي تتمتع بها فكرة الأداء المميز من صون توقعات الأطراف وتحقيق العدالة والمرونة وتحقيق الأمان القانوني لأطراف العلاقة من خلال إسناد العلاقة القانونية إلى أكثر الروابط وثوقا بالعقد، فقد تبنت معظم التشريعات الوطنية والدولية هذه الفكرة واعتبرتها من المعايير الأساسية في تحديد ذلك القانون الواجب التطبيق .
فمن أهم التشريعات (39) التي ، أخذت بضابط الأداء المميز هي اتفاقية روما لعام 1980(40) الخاصة بالقانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية والتي استبدلت بـ لائحة روما الأولى ( Rome Regulation ) ، وهي اللائحة الأوروبية رقم 2008/593 ، فمن الدول التي انضمت إليها هي فرنسا عام 1991، حيث كرست المادة (4) من اللائحة معيار الأداء المميز من خلال وضع قاعدة إسناد مباشرة تشير إلى تطبيق قانون المدين بالأداء المميز وقت العقد، فالقاضي عندها يكون ملزم بتطبيق تلك القاعدة المباشرة دون البحث عن قانون آخر، فالفقرة الأولى من المادة (4) من التوجيه الأوروبي روما 1 قامت بتعداد لأهم عقود التجارة الأولية في التعامل، وحددت لكل عقد وبشكل مسبق القانون الواجب تطبيقه عليها معتمدة في ذلك على معيار الأداء المميز في أغلب الحالات، إذ حددت تلك المادة ثمان قواعد إسناد، بينت فيها القانون الواجب التطبيق على أهم ثمانية عقود من عقود التجارة الدولية، هذا التحديد المباشر للقانون المختص سيعزز دون شك من مبدأ اليقين القانوني، ويحترم توقعات الأطراف المشروعة، وسيساعد في الحد من صعوبة تحديد الأداء المميز في العقد، فمن أجل الكشف عن هذا العنصر لا بد للقاضي أن يقوم بتحليل عناصر العقد الداخلية، وإجراء مقارنات بين الفئات المتشابهة منها لتحديد هذا العنصر الجوهري، فهي ليست بالعملية السهلة على القاضي. فالمشرع الأوروبي في المادة 1/4 من التوجيه الأوروبي روما (1) سهل على القاضي إيجاد القانون الأكثر انسجاما وارتباطاً بالعلاقة وأعفاه من البحث عن الأداء المميز فيما يتعلق بتلك العقود، وكل ما تبقى على القاضي هو أن يقوم بعملية تكييف للعلاقة التعاقدية المطروحة أمامه من أجل وضعها في قاعدة إسناد مناسبة من بين تلك القواعد المحددة مسبقاً في تلك الفقرة ، والقاضي يقوم بعملية التكييف بناءً على قانونه الوطني، أما الفقرة الثانية من المادة الرابعة جاءت بقاعدة إسناد احتياطية كرست تطبيق قانون مكان ( إقامة المدين بالأداء المميز) على العقود التي لم ترد في القائمة المذكورة في الفقرة الأولى من المادة نفسها، بمعنى آخر، فأنه يمكن اللجوء إلى معيار الأداء المميز وفق هذه المادة في حالة ما إذا تبين للقاضي أن العلاقة التعاقدية المطروحة أمامه لا تنتمي إلى العقود الواردة في الفقرة الأولى(41).
ونجد المحاكم الفرنسية غنية بالأمثلة التي تشير إلى دور القاضي في البحث عن تمركز العقد، ففي قرار لمحكمة النقض الفرنسية حيث طبقت قانون موطن المدين بالأداء المميز وذلك في النزاع ما بين شركة F Chantier naval الفرنسية لصناعة اليخوت الفاخرة وشركة Kerstholt VOF الهولندية لصناعة الأخشاب التي بموجب العقد تلتزم بتزويد وبناء الأسطح الخشبة لقاربين في فرنسا وعند حدوث نزاع ما بين الطرفين طالبت الشركة الفرنسية بتطبيق القانون الفرنسي باعتباره القانون الأكثر صلة للعقد حيث ان مقر الشركة في فرنسا وان توفير وبناء الأسطح الخشبة تم في فرنسا وان المناقصة تم إعلانها في فرنسا وان ارتباط العقد بهولندا يتم من خلال عنصر واحد وهو مقر الشركة المتعاقدة. إلا أن محكمة النقض الفرنسية رفضت هذا الطلب وطبقت القانون الهولندي باعتباره قانون موطن المدين بالأداء المميز (42)
كذلك قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 1959/7/6 حيث قام القاضي باستخلاص القانون المطبق على العقد الأولي الذي خلى من الإرادة الضريحة " من خلال طبيعة العلاقة التعاقدية ومن خلال ظروف الدعوى" كذلك قرار لنفس المحكمة بتاريخ 1971/6/29 ، حيث أوجبت المحكمة الأخيرة على القاضي أن يبحث عن التركيز الموضوعي للعقد من خلال نقاط ارتباطه بعدة دول موضوعيا، وأيضا قرار لها بتاريخ 1984/1/25 حيث كرست المحكمة دور القاضي في البحث عن مكان التمركز الذاتي للعقد أي حسب العناصر التي يعتبرها مهمة ينظر المتعاقدين، لذا يعد هذا الحل هو الأقرب لما يمكن أن تكون عليه نية المتعاقدين وهو يتسم بالمرونة ويتماشى مع طبيعة العقود الدولية (43).
إن صياغة المشرع العراقي لضوابط إسناد محددة ومعدة سلفاً من شأنها أن تحقق مبدأ قابلية التوقع وكذلك تحقق مبدأ الأمان القانوني لأطراف العلاقة، ونعتقد أن صياغة ضوابط إسناد معدة سلفاً كضابط الموطن المشترك وضابط محل الإبرام لا يمثلان مركز الثقل في العلاقة العقدية، وان كان ذلك يحقق ميزة العلم المسبق بالقانون الواجب التطبيق، لأن صياغة المادة (25) وخصوصاً في حال عدم وجود الإرادة تعتبر صياغة جامدة، لكونها لا تراعي تنوع طبيعة العقود الأولية ولا تتلاءم مع تطور عقود التجارة الأولية، لا سيما التطور التكنلوجي، إذ يمكن التعاقد عن طريق الأنترنت دون الحاجة إلى مجلس التعاقد في مكان محدد، لذلك هجر كل من الفقه والقضاء والتشريعات المقارنة كما رأينا أعلاه هذا المبدأ وأخذوا يبحثون بالطبيعة الذاتية لكل حالة على حدة لغرض تحديد القانون الواجب التطبيق. ويرى الفقه (44) ان نظرية الأداء المميز تعتبر تعبيرا عن الاتجاه الحديث في مجال المعاملات المالية، فهي لم تنسد هذه العقود إسناداً عاماً لقانون محدد كما في المادة (25/1) من القانون الدني العراقي، وإنما لجأت إلى منهج الإسناد التفصيلي لكل فئة من العقود ذات الطبيعة الواحدة إلى أكثر القوانين اتصالا بهذه الفئة (45)، ما أدى إلى إضفاء المرونة المتطلبة في عملية الإسناد دون الإخلال بوحدة الرابطة العقدية في مجموعها، وهذا ما نتأمل فيه من المشرع العراقي ان يأخذ بهذه النظرية في حال سكوت المتعاقدين عن اختيار قانون العقد على ان يكون النص المقترح كالاتي : "يسري" على الالتزامات التعاقدية القانون الذي يختاره الأطراف صراحة أو ضمناً، وفي حالة غياب الاختيار يخضع العقد لقانون الدولة الأكثر ارتباطأ به، ويكون العقد أكثر ارتباطاً بالدولة التي يوجد بها عند إبرام العقد مكان الإقامة المعتادة للمدين بالأداء المميز أو الإدارة الرئيسية إذا تعلق الأمر بشخصية اعتبارية هذا ما لم يتبين للقاضي من خلال ظروف الحال ارتباط العقد بقانون دولة أخرى".
وأخيرا، نؤيد التوجه الفقهي القائل بأن نظرية الأداء المميز وإن حققت للإسناد في مجال العقود الدولية مرونة كافية إلا أنها لم تُغالِ في هذا الاتجاه إلى البحث في كل حالة على حدة عن أوثق القوانين صلة بالعقد محل النزاع على نحو ما فعل القضاء الإنكليزي والقضاء الفرنسي الحديث والذي تأثر بنظرية التركيز الموضوعي في ضوء في ضوء ظروف التعاقد وملابساته وهو ما يؤدي إلى الإخلال بتوقعات الأطراف المشروعة، لذا فأن نظرية الأداء المميز وضعت معياراً منضبطاً وواضحاً للإسناد القائم على فكرة الصلة الأقرب إلى الرابطة العقدية وهو معيار إقامة المدين بالأداء المميز في العقد ومثل هذا المعيار المسبق للإسناد يستبعد أي خلاف حول طبيعة القاعدة التي يتم من خلالها إسناد الرابطة العقدية وفقا لهذه النظرية، وبلا خلاف فأن نظرية الأداء المميز تعد من قواعد الإسناد المزدوجة.
_____________
1- د. أحمد عبد الكريم سلامة، قانون العقد الأولي، دار النهضة العربية، 2008 ، ص 196.
2-خليفي سمير، حل النزاعات في عقود التجارة الإلكترونية رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة مولود معمري الجزائر، 2010، ص 40.
3- ناصر حميدي، نزاعات العقود الإلكترونية، بحث منشور في مجلة المعارف السنة الثالثة، العدد 5، ص 155.
4- أحمد حميد الأنباري، سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2017 ، ص82
5- أحمد حميد الأنباري، سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2017 ، ص 83.
6- إسلام ابراهيم القانون الواجب التطبيق على العقد الإلكتروني الدولي، بحث منشور في على الرابط التالي تاريخ الزيارة 26/2/26، ص 2 Adobe Acrobat Reader Learn & Support
7- أحمد حميد الأنباري، سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2017 ، ص 84
8- أحمد حميد الأنباري، سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2017 ص 85.
9- إسلام ابراهيم القانون الواجب التطبيق على العقد الإلكتروني الدولي، بحث منشور في على الرابط التالي تاريخ الزيارة 26/2/26، Adobe Acrobat Reader Learn & Support ص72
10- د. هشام علي صادق القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، دار الفكر الجامعي، 2014، ص 436.
11- المصدر نفسه، ص 436.
12 - تقابلها المادة (97) من القانون المصري
13- د. محمد سليمان الأحمد، تنازع القوانين في العلاقات الرياضية الأولية، دار وائل للنشر ، الطبعة الأولى، الأردن، عمان، 2005، ص 165.
14- رمزي بورزام ازمه أعمال قواعد الإسناد في عقود التجارة الإلكترونية، بحث منشور في مجلة الاجتهاد القضائي، مجلد 13، العدد 25، 2021، ص 604.
15- المصدر نفسه، ص 604.
16- بهذا الصدد أخذ القانون المدني المصري في المادة (19/1) " يسري على الالتزامات التعاقدية، قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا، فأن اختلفا موطنا سري قانون الدولة التي تم فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان أو يتبين من الظروف أن قانونا آخر هو الذي يراد تطبيقه ".
17- قرار محكمة التمييز العراقية رقم 1045 القرار منشور في مجلة القضاء، تصدرها نقابة المحامين في العراق، بغداد، 1958/5/28، ص 413.
18- حكيمة ،مسعودان فكرة الأداء المميز كمعيار لتحديد القانون الواجب التطبيق على العقد التجاري الدولي، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 13 عدد 2، 2022، ص 498.
19- د. هشام علي صادق القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، دار الفكر العربي، 2001، ص 430.
20- د. محمد وليد المصري، العقد الدولي بين النظرة التقليدية والنظرة الحديثة، بحث منشور في مجلة الشريعة والقانون، العدد 20، 2004، ص177
21- ثامر داود عبود خضير الشافعي المعايير المحددة لدور الإرادة في اختيار القانون الواجب التطبيق في العقد الدولي، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية القانون ، جامعة كربلاء، 2015، ص 69.
22- د. عبد السند حسن ،يمامة القانون الواجب التطبيق على عقد البيع الدولي للبضائع وفقا لاتفاقية لاهاي 1986، 2006، ص73.
23- طه كاظم حسن المولى، تطويق قواعد الإسناد في عقود التجارة الإلكترونية، رسالة ماجستير، جامعة بابل، كلية القانون، 2014، ص 107.
24- مصدر سابق، ص 108
25- القرار منشور على موقع محكمة النقض الفرنسية تاريخ الزيارة 2026/4/13
https://www.courdecassation.fr/acces-rapide-judilibre
26- د. أحمد عبد الكريم سلامة، علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، ص1070 و 1071.، د. رنا صادق شهاب الدليمي، مبدأ الجوار ودوره في تطوير قواعد الإسناد، بحث منشور، ص256
27- حسن عواد الحسن العليمات، تنازع القوانين في الروابط العقدية الدولية الخاصة رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة جرش، 2010، ص 28
28- اميرة حمزة كاظم الصياغة التشريعية المرنة لقواعد تنازع القوانين أطروحة دكتوراه جامعة كربلاء، كلية القانون، 2021 ص 75
29- يقوم منهج الأداء المميز على تحليل فئة معينة من العقود ذات الطبيعة الواحدة وتحديد الأداء المميز فيها، إذ يوجد لكل عقد دولي أداء مميز يميزه عن غيره من العقود الدولية ويعبر عن خصوصيته وجوهره.
Schnitzer, op. cit, p. 562.
30- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 1104.
31- باسم مبروك عامر حسين الطائي، فكرة الأداء المميز واثرها في تحديد الاختصاص القضائي الدولي، رسالة ماجستير، كلية القانون جامعة الفلوجة، 2017، ص33.
32- باسم مبروك عامر حسين الطائي، فكرة الأداء المميز واثرها في تحديد الاختصاص القضائي الدولي، رسالة ماجستير، كلية القانون جامعة الفلوجة، 2017 ص33.
33- وبهذا الصدد يرى الأستاذ السويسري SCHNITZER بأن نظرية الأداء المميز تستند إلى جوهر العقد وطبيعته، ثم إلى وظيفته الاقتصادية والاجتماعية في مكان معين، فنقطة البداية تكون بتحديد فئة من العقود والبحث عن مميزاتها وخصائصها المشتركة، فضلا عن وظيفتها التي تتميز بها عن غيرها من العقود.
Schnitzer, A. F, Les contrats en droit international privé suisse, RCADI, 1968,,p. 545
نقلا عن عبد السلام علي الفضل نعيم علي العتوم، منهج الأداء المميز في تحديد قانون العقد الدولي بحث منشور في مجلة علوم الشريعة والقانون، مجلد ،46 ، العدد ،1، 2019 ، ص 565.
34- د. هشام علي صادق القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، دار الفكر الجامعي، 2014، ص 443.
35- هشام علي صادق القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، دار الفكر الجامعي، 2014، ص 466.
36- حكيمة ،مسعودان فكرة الأداء المميز كمعيار لتحديد القانون الواجب التطبيق على العقد التجاري الدولي، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 13 عدد 2، 2022 ص503
37- حكيمة ،مسعودان فكرة الأداء المميز كمعيار لتحديد القانون الواجب التطبيق على العقد التجاري الدولي، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 13 عدد 2، 2022، ص503
38- حيث يتضح أن منهج الأداء المميز يتفق هنا مع نظرية التركيز الموضوعي، إذ إن كلاً من النظريتين تراعي اعتبارات المرونة التي تنسجم مع اختلاف طبيعة العقد الدولي، فالقاضي يركز العلاقة التعاقدية من أجل أن يحدد القانون الواجب التطبيق الأكثر ارتباطاً بالعلاقة ولكن الاختلاف كما تمت الإشارة إليه يكمن في مصدر البحث عن هذا القانون. فالتركيز يستند إلى عناصر العقد المختلفة والظروف المحيطة به، بما فيها العناصر الخارجية عن طبيعة العقد وذاتيته، أما في الأداء المميز فالتركيز يستند إلى الطبيعة الداخلية للعقد، ويختلف من فئة إلى أخرى، وذلك بالاعتماد على عنصر ذاتي في العقد وهو الأداء المميز فيه، وهذا بدوره سيحقق الأمان القانوني لأطراف العقد. عبد السلام علي الفضل نعيم علي العلوم، منهج الاداء المتميز في تحديد قانون العقد الدولي بحث منشور في مجلة علوم الشريعة والقانون مجلد 46 العدد 1 2019 ، ص 565.
39- القانون الدولي الخاص الألماني لعام 1986 في المادة (28). والقانون الدولي الخاص المجري لعام 1979 في المادة (25) ، والقانون الدولي الخاص النمساوي الصادر عام 1978) في المادة (36) ، والقانون الدولي الخاص التركي الصادر عام 1982 في المادة (4) ، و مجلة القانون الدولي الخاص التونسي رقم (97) لسنة 1998 في الفصل (62)، وقانون التحكيم الأردني رقم (31) لسنة 2001 في المادة (36- ب)، راجع باسم مبروك عامر حسين الطائي، فكرة الأداء المميز واثرها في تحديد الاختصاص القضائي الدولي، رسالة ماجستير، كلية القانون جامعة الفلوجة، 2017، ، ص38.
40- وقد انضمت إلى هذه الاتفاقية كل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا والدنمارك ولوكسمبورج وإنكلترا وهولندا .. راجع د. هشام علي صادق القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية، دار الفكر الجامعي، 2014، ، ص 466
41- عبد السلام علي الفضل نعيم علي العتوم، منهج الأداء المميز في تحديد قانون العقد الدولي بحث منشور في مجلة علوم الشريعة والقانون، مجلد ،46 ، العدد ،1، 2019، ص 572
42- نقلا عن أحمد حميد الأنباري، سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2017، ص98.
43- نقلا عن د. محمد وليد المصري، العقد الدولي بين النظرة التقليدية والنظرة الحديثة، بحث منشور في مجلة الشريعة والقانون، العدد 20، 2004، ص 181
44- هشام علي صادق تنازع القوانين الطبعة الثالثة منشاة المعارف، الإسكندرية، 1974 ص 606.
45- د. عبد السند حسن ،يمامة القانون الواجب التطبيق على عقد البيع الدولي للبضائع وفقا لاتفاقية لاهاي 1986، 2006 ص79

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد