1. أحكام المباشرة في أيام العادة: إن ترك المباشرة الجنسية للنساء في فترة العادة هي من الأهمية بمكان بحيث يترتب على عدم الالتزام اضافة الى الحرمة التكليفية حكم وضعي أيضا وهو الكفارة وحكم سياسي وحكومتي وهو التعزيز فيترتب على المباشرة في أول أيام العادة كفارة قدرها دينار واحد وفي أيامها الوسطى نصف دينار وفي أيامها الأخيرة ربع دينار[1].
كما يمكن للحاكم الاسلامي أن يعزز مرتكب هذا العمل ربع حد الزما (أي 25 جلدة)[2]. ويظهر من هذا الحكم التعزيري أن هذا العمل يشبه الزنا الخفيف لأن حد الزنا مئة جلدة: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2].
وكما ذكرنا في البحث التفسيري فإن الأهمية المذكورة صارت سببا لتأكيد أمر الاعتزال عن النساء في أيام الحيض من خلال نهي (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ) [البقرة: 222].
2. تفاوت أحكام الحائض من حيث الغاية: إن غاية بعض أحكام الحائض هي حصول الطهارة الحدثية التامة (الوضوء والغسل) مثل الصلاة التي تكون حراما قبل انقطاع الدم وحصول الطهارة الحدثية الكاملة (الجمع بين الغسل والوضوء) وليس هناك تفاوت في كون الوضوء قبل الغسل أو مرافقا له أو بعده وإن كان الأفضل هو الوضوء قبل الغسل.
وغاية البعض الآخر من أحكام الحائض هي الطهارة الحدثية المحضة (الغسل) مثل الذهاب الى المسجد.
ولا يلزم للمباشرة حصول الطهارة الحدثية التامة (الجمع بين الغسل والوضوء) والخلاف ينحصر في كفاية قطع الدم أو يلزم الغسل أيضا كما يراه البعض أو الغسل كما يراه آخرون.
وقد اختار الطبري من بين الآراء الثلاثة أي الاغتسال والوضوء والغسل أولها أي الاغتسال معيارا[3].
وقال الشيخ الطوسي رحمه الله وعندنا يجوز وطء المرأة اذا انقطع دمها وطهرت وإن لم تغتسل إذا غسلت فرجها[4].
أما أمين الاسلام الطبرسي رحمه الله فلم يعتبر انقطاع الدم كافيا للمباشرة بل يرى لزوم غسل المحل أو الوضوء وذكر هذا الرأي بتعبير وهو مذهبنا[5].
وقد علق المقدس الأدربيلي رحمه الله على هذا الكلام فقال: إن أكثر الأصحاب يرون كفاية مجرد انقطاع الدم ويعدون الغسل أو الوضوء مستحبا أو إنهم يعتبرون المباشرة قبل الغسل والوضوء مكروهة ولا نعلم من هم الأشخاص الذين عناهم الطبرسي رحمه الله بقوله: وهو مذهبنا[6].
وكما سبق فمن الناحية التفسيرية يبدو كلام أمين الاسلام الطبرسي رحمه الله حقا لأن المراد (التطهر) في (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) [البقرة: 222] ليس انقطاع الدم ولكن من الناحية الفقهية والجمع بين الروايات يكون الحق مع المقدس الأردبيلي رحمه الله.
تنبيه: بما أن تفاوت ظاهر القرآن مع الاحاديث ينحصر في حدود التبيين والتفسير والتقييد والتخصيص وأمثال ذلك لا بنحو التباين فإن الروايات الواردة في مسألة المحيض سوف لا تكون مخالفة للقرآن.
3. تفاوت درجتي التواب والتائب: إن أصل التوبة من الأمور اللازمة والمحبوبة والتوبة المعنية في مورد البحث هنا هي التوبة من أخس الأعمال وهو مجامعة المحيض.
و(التواب) هو محبوب الله ومحبه أما (التائب) الذي اكتفى بأن خرج من مخالفة الله ودخل في موافقته فهو محب لله ولا نعرف هل هو محبوب لله أيضا أم لا؟ وربما كان له نصيب ضعيف من المحبوبية الإلهية.
وفرق بين أن يكون الانسان محبا لله وبين أن يكون محبوبا له فالإحسان يمكن أن يصل الى درجة يكون فيها محبا لله لكن صيرورته محبوبا للحق يستغرق زمانا طويا وبناء على ما تنطق به آيات القرآن الكريم فإن الوصول الى مقام المحبوبية الإلهية يتطلب المسير خلف حبيب الله واتباعه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31].
وقد مر الحديث عن التوبة وبعض شروطها وعن آثارها الإيجابية أيضا في الآيات 37، 54، 128، 160 و178 من هذه السورة أما التوبة في خصوص مورد بحثنا هذا فهي من أجل الأبقاء على طريق العودة مفتوحا في حالة عدم قدرة الانسان على الامتناع عن ارتكاب عمل رذيل من قبيل مجامعة المحيض.
4. المسجد محور المحبوبية الإلهية: يعد القرآن الكريم المسجد الذي بني في زمان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبأمره محلا للتطهر ويبين أن المتطهرين من أهل ذلك المسجد محبوبون لله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108] لأن المسجد مكان العمل بالأحكام الإلهية والبحث عنها وهذه الآية أكمل من الاية التي هي مورد البحث لاشتمالها على الكبرى والصغرى المتعلقتين بمحبوبية المتطهرين فالله يقول لرسوله إن من حق المسجد الذي أسس على أساس التقوى أن تقوم وتصلي فيه وفي هذه المساجد رجال محبون للطهارة والله يحب المطهرين وكل محب للطهارة هو محب لمحبوبية الله وهذا يعني أن أهل المسجد يحبون أن يكونوا محبوبين لله وعلى هذا فالمسجد هو محور محبة الله أيضا.
5. العفو الإلهي عن نقص التوبة: توبة الأنسان مثل سائر العبادات يشوبها النقصان إلا أنه كما أن الباري يقبل غيرها من العبادات الناقصة ويعفو عن الكثير من الأعمال (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30] فهكذا الامر مع التوبة أيضا (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) [التوبة: 104] أي إنه يقبل التوبة الناقصة كذلك حيث يشير تعبير (عَنْ عِبَادِهِ) [التوبة: 104] بدلا من (عباده) الى التجاوز والعفو عن نواقص التوبة لأن العفو عن نقص التوبة كامن في الحرف (عن) اذ فرق بين أن يقول (يقبل توبة عباده) وبين (يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [الشورى: 25] وعلى هذا فالأمل بقبول التوبة الناقصة موجود أيضا.
6. الطهارة الظاهرية والباطنية في القرآن: ذكر القرآن الكريم الطهارة الظاهرية من القذرات الظاهرة (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: 4] كما ذكر الطهارة الباطنية من الشرور غير الظاهرة (كالوضوء والغسل والتيمم بدلا منهما): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ... إِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا... مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]
والمراد من (لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: 6] هو الطهارة المعنوية لا الطهارة الظاهرية إذ من الواضح أن تعفير اليد والوجه سبب للطهارة الباطنية ولا شك في أنه يمكن أن يكون للتراب مثل الماء بعض الآثار المفيدة ومن هنا يصير واجبا في بعض الأحيان إلا أن تعفير الوجه واليدين بالتراب لا يجلب الطهارة الظاهرية.
وتشير الآية (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) [الأنفال: 11] الى كلا قسمي الطهارة لان شأن نزول الآية هو معركة بدر عندما أنزل الله غيثه على المسلمين ليزيل عنهم ما علق بهم من قذارة خبثية وحدثية[7].
ولا بأس بالقول إن الطهارة الباطنية على أنواع ومراتب إلا أنه في كل الأحوال فالطهارة والمتصفون بها في أي مرحلة منها كانوا محبوبون لله ويلزم من ذلك توزيع مراتب المحبة وفقا لمراحل الطهارة.
7. التواب والمتطهر في حديث قرب النوافل: لما كان الانسان التواب مظهر اسم من الأسماء الالهية – أي (التواب). فيكون محبوبا لله مثلما أن الأنسان المتطهر له سهم من مظهر قدوسية الله وعلى أي حال فالتواب والمتطهر محبوبان الهيان وبناء على حديث قرب النوافل[8] فإن الله في مقام الفعل والظهور هو المتكفل بالمجاري الإدراكية والتحريكية لمحبوبه.
8. الحيض وطهارة النفس: إن النفس بالنسبة إلى العقل كالمرأة بالنسبة إلى الرجل. وكذب النفس بمنزلة حيضها، والصدق بعد الكذب يشبه الطهارة بعد الحيض[9].
ملاحظة: من أمثال العرب قولهم: العزل طلاق الرجال، وحيض العمال فلو تلوث أحد العمال بخُبث خيانة بيت المال، وعُزل لهذا السبب، فإن عزله العادل هذا يعد بمثابة حيضه.
[1] راجع: وسائل الشيعة ج2 ص327-328 جواهر الكلام ج3 ص230-237
[2] تفسير القمي ج1 ص73 وسائل الشيعة ج2 ص328 ج28 ص378
[5] مجمع البيان ج1-2 ص563
[7] تفسير العياشي ج2 ص54-55 مجمع البيان ج3-4 ص807-808
[8] الكافي ج2 ص 352 بحار الأنوار ج72 ص 155.
[9] رحمة من الرحمن، ج 1، ص 335.