يجب على كل من عقد الاحرام للحج في أشهر الحج أن يتمه رغم استحباب أصل الحج ولهذا يجب على ذلك الشخص أن يمتنع عن الرفث والفسوق والجدال. (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
و(الفاء) في (فَلَا رَفَثَ) هي فاء التفريع و (الرفث) كل كلام يستحي من اظهاره والفحش في الكلام[1]، وهو في الاية كناية عن النكاح والجماع[2].
أما (الفسوق) فهو كل معصية وانحراف عن الطريق[3]، وقد فسرته بعض الروايات بالكذب[4]. و(الجدال) هو كل تصرف غير جائز سواء كان ابطال حق أم إحقاق باطل[5]، خصوصا عدم الالتزام بتروك الاحرام من قسم وقول (لا والله) و(بلى والله[6]).
وجدير بالذكر هنا أن الامر الالهي قد ورد بالجدال بالأسلوب الأحسن: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[7]) ولم يرد النهي عنه في الحج أبدا وقد حفلت سيرة أنبياء الله عليهم باستفادتهم من أسلوب الجدال الاحسن اضافة الى ما كانت تحفل به من الحكمة والبرهان والموعظة والخطابة كما فعل نبي الله نوح عليه السلام حين سلك هذا المسلك: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا[8]).
ومن المعروف المشهور أيضا تلك الاحتجاجات العلمية للأئمة المعصومين عليهم السلام في موسم الحج والتي لم تكن تخلو من الجدال الاحسن[9]. والأكيد أن تلك المناظرات العلمية لم تكن يشترط فيها أن تجري في خارج حالة الاحرام بل ربما جرت في نفس حال الاحرام ايضا.
وبما ذكرناه باختصار يمكم فهم ما نقلوه عن الزخمشري حيث قالوا إنه بعد تأليفه لكتابه الكشاف أتى به ووضعه الى جانب الكعبة كي يراه المختصون ويبدوا آراؤهم ونقدهم له[10]. وهذه المبادرة من الزخمشري تعبر تعبيرا صادقا عن ما يتصف به الاسلام من الحرية الفكرية والحوار العلمي الدقيق في أهم الاوقات والأمكنة وعدم تعارض ذلك مع النهي ن الجدال في الحج لأن ذلك خارج عن سنخ الجدال بالباطل الذي ورد النهي عنه.
وتبلغ محرمات الاحرام حوالي 24 شيئا والإشارة الى ثلاثة منها فقط في هذه الاية تحكي عن أهمية هذه الاشياء الثلاثة وبعض هذه المحرمات محرمة أيضا حتى في غير حال الاحرام لكن الله سبحانه ذكرها بسبب ما للحج من عظمة مما يعني اشتداد حرمتها في حال الاحرام[11].
والأمور الثلاثة المذكورة ليست مختصة بالتحريم في حال الاحرام بمعنى أن مطلق الرفث – سواء الحلال منه أم الحرام – والجدال كذلك – سوى ذلك النوع من الاحتجاجات والمناظرات العلمية بأشكالها المعقولية والمقبولة ممنوعان وهكذا الفسق أيضا ممنوع على الاطلاق سواء ما كان منه فسوقا في حال الاحرام فقط كصيد البر أم ما كان منه في غير حال الاحرام أيضا يعد فسقا ومعصية ويرى البعض كالطبري أن ذلك خاص بحال الاحرام أي إن الرفث والجدال والصيد الذي يكون حلالا في غير حال الاحرام يصير ممنوعا في حال الاحرام[12]. إلا أنه وجه لصرف النظر عن الاطلاق لأن المحرمات في غير حال الاحرام تشتد حرمتها في هذا الحال.
وكلتا مفردتي (الفسوق) و(الفسق) مفردتان ومصدران[13] وتطبيق الفسق على (الكذب في المفاخرة) لا يصلح دليلا للحصر في هذا الكذب بل إن سائر أقسام الكذب أيضا تعد فسقا وحرمته في حال الاحرام أشد وعلى الرغم من أن الشيخ المفيد رحمه الله قد أفتى بفساد الحج[14] بارتكاب البعض من هذه الامور كالكذب الكننا لم نقع على دليل معتبر على فساد الحج يختلف عن معنى فساد الصلاة بحصول أحد مبطلاتها لان الحج الفاسد عبادة يجب اتمامها بقصد القربة ولا يجوز أبدا مواصلة العمل الباطل بقصد القربة وهذا المعنى خاص بالحج حيث يكون حج السنة القادمة بعنوان العقوبة لا القضاء.
والمطلب الاخر في تفسير الطبري والذي نعتقد عدم صوابه هو أنه اعتبر كلمة (فِي الْحَجِّ) متعلقا للجدال لا ظرفا له أي إنه لا يجوز الجدال حول الحج وتعيين زمانه وتحديد مواقفه لان جميع هذه الامور ثابتة تم تعيينها من قبل[15] في حين أن وحدة السياق توجب أن تكون كلمة (فِي الْحَجِّ) ظرفا للأمور الثلاثة التي يمثل الحج واحدا منها وليست متعلقة للجدال وظرفا لذلكما الشيئين الاخرين أما ما يظهر من تفسير الطبري من اعتقاده بجواز الجدال بكل أشكاله اذا كان هادفا لإحقاق الحق الباطل وممنوعيته بكل أشكاله أيضا اذا كان بمعنى احقاق الباطل وإبطال الحق فهو كلام تام لا غبار عليه.
تنبيه: على الرغم من مجيء جملة: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) بصيغة الجملة الغبرية الا أن المراد منها هو انشاء تحريم الامور المذكورة فعلى هذا يكون المقصود من نفي الرفث مثلا هو النهي عنه.
وربما يقال أحيانا إن المقصود من الجملة الخبرية هو الاخبار عن نفي الوجود المشروع لهذه الامور وهذه الخصوصية هي التي يرافقها التحريم[16].
[1] معجم مقاييس اللغة ج2ص421 ر ف ث.
[3] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج9ص88-89 ف س ق
[4] تفسير العياشي ج1ص95الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج1ص528-529
[5] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج2ص65جدل
[9] راجع بحار الانوار ج10ص146ج46ص351و358
[10] تفسير التحرير والتنوير ج2ص231
[11] راجع جوهرة الكلام، ج18، ص286 فما بعدها.
[12] جامع البيان مج2 ج2 ص360
[13] التفسير الكبير مج3 ج5 ص164
[15] جامع البيان مج2 ج2 ص366
[16] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 99.