كما قلنا سابقاً فإنّ وصف (الأيام) بـ(المعدودات) يشير إلى قلة عدد هذه الأيام بما يتيح إمكانية إحصائها، لأنّ كلمة (المعدود) تستعمل للتعبير عن المدة القصيرة والقليلة، كما ورد في القرآن الكريم حول توهم أهل الكتاب أنهم من عنصر أفضل من غيرهم: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ[1])، حيث قالوا إنا لو افترضنا دخولنا النار فلن يطول بقاؤنا فيها أكثر من بضعة أيام ونظيره ما ورد حول صيام شهر رمضان أيضا حيث قال: إن الصوم لأيام قليلة يمكن عدها: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ[2]).
وقد اصطلح في قاموس أهل المحاورة على التعبير عن كثرة الشيء بعبارة (لا عدله) أو القول بأنه يصعب عده في حين تكون الاشارة الى قلة ذلك الشيء على أن يعبروا عنه بانه (معدود) ويمكن عده ولا صعوبة في احصائه.
وعلى أي حال فقد طبقت (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) في الروايات على أيام التشريق (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة[3]). وطبقا لآية (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) تكون هذه الايام ثلاثة لأنها تقول: إما أن يبقوا مدة يومين في منى فليهجوا فيها بالذكر ثم يتجهوا الى مكة أو أن تكون حركتهم منها بعد يومين ومن هذه العبارة نعلم أن (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) هي هذه الايام الثلاثة[4]. وبناء على هذه الجملة من الاية فكل من اسرع في نفره وبقي يومي الحادي عشر والثاني عشر في منى وتحرك بعد أدائه مراسم اليوم الثاني عشر فلا ذنب عليه كما أن من آخر النفر من اليوم الثاني الى اليوم الثالث أي تحرك في الثالث عشر ليس عليه ذنب أيضا.
وأشار القرآن الكريم الى (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) بعبارة (أيام معلومات) أيضا: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ[5]). ووقع الاختلاف بين المفسر ين حول انطباق الايام المعلومات على الايام المعدودات فقال البعض إن الايام المعلومات هن العشرة الاولى من ذي الحجة والايام المعدودات هن ايام التشريق بينما قال البعض الاخر بعكس ذلك[6]. وفي كل الاحوال فهي تقع ضمن هذه الثلاثة عشر يوما بدءا من أول ذي الحجة.
ولما كان الامر بالذكر في أيام معدودة بعد قضاء مناسك الحج وواجباته بعد الرمي والتضحية هو الطواف والسعي وبأدائها تنتهي أعمال الحج ويخرج الحاج عن احرامه بصورة مطلقة وكان طواف النساء خارجا من نطاق الحج باعتباره واجبا تعبديا يبقى الحاج محروما من زوجته والحاجة من وزجتها اذا لم يؤدياه فعند ذلك يصح القول بانتهاء المناسك: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ).
ومع وجوب المبيت ليلتي الحادية عشرة والثانية عشرة وكون رمي الجمرات في هذين اليومين واجبا تعبديا[7]، إلا أن كل ذلك إنما هو في حالة كون عنوان انتهاء مناسك الحج صادقا ومن هنا يمكن أن نستظهر من الاية التي هي مورد البحث ابتداء الايام المعدودات من اليوم الحادي عشر وانطباقها على أيام التشريق.
تنبيه لا يعني تفسير القرآن بالقرآن امكانية الوصول الى جميع الاحكام الفقهية والحقية وأمثالها بهذا الاسلوب التفسيري بل ان معرفة الكثير من الاحكام تتم من خلال سنة المعصومين عليهم السلام.
[1] سورة آل عمران الآية 24 .
[2] سورة البقرة، الآية 184.
[3] تهذيب الأحكام، ج 5، ص 487.
[4] والدليل على كونها ثلاثة أيام قوله تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) فإن التعجل في يومين إنما يكون إذا كانت الأيام ثلاثة: يوم ينفر فيه، ويومان يتعجل فيهما، فهي ثلاثة. الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 83.
[6] راجع التبيان ج2 ص175جامع البيان مج2 ج2 ص402-403 مجمع البيان ج1-2 ص532.
[7] راجع: جواهر الكلام ج20 ص3-10.