جبلت النفس الإنسانية في الحالات الطبيعية على حب المال؛ وذلك كي يتحمل مصاعب ومشاق العمل لتأمين معاشه. إلا أن حب المال إذا كان شديداً يصير مذموماً: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[1]). والعلاقة الشديدة بالمال كثيره أو قليله هي التي تهيئ الأرضية للشح والبخل: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ[2]).
وهذا العدو الداخلي إذا أحكم مواضعه في النفس منع صاحبها من أن يكون من أهل الإنفاق، إلى الحد الذي لو افترضنا معه امتلاك ذلك الإنسان الجميع خزائن رحمة الله لكنه مع ذلك يبخل ولا ينفق مخافة أن تنفد تلك الخزائن: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا[3]).
ولما كان البشر بطبعه - لا بفطرته - ممسكاً وبخيلاً فإنّه إن لم يتزك اعتقد أن المال المتفق في سبيل الله بمثابة الغرامة والضرر: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا[4]).
وكما يقول القرآن الكريم - الذي هو كتاب هداية فإنّ كل من نجا من خطر البخل وحب المال المذموم وصل إلى المقصد وكان من أهل الفلاح (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[5]).
من هنا؛ دعا الناس إلى الإنفاق كي يعالج مرض البخل، واعتبر أن الإنفاق لدى المؤمنين المهذبين عامل من عُمال تقربهم المعنوي عند الله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[6])، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، وكي لا يقع أحدهم أسير الوهم القاروني المتمثل في اعتقاده أن ما عنده من أموال إنّما كسبه بيده، وأن يعلم أن كل إنسانٍ وإن كان في قبال سائر الناس هو المالك لأمواله، إلّا أنه في قبال الله مجرد مؤتمن لا أكثر؛ فكرّر دعوته مرات كثيرة إلى الإنفاق من مال الله أو رزقه: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[7])، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[8]).
وبعد بيان طريقة علاج مرض الشح والبخل والترغيب بأصل الإنفاق في الآيات المذكورة انبرى البعض يتساءلون بشوق - باللسان أو بالضمير المستتر - عن الشيء الذي يجب عليهم إنفاقه: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ).
ولما كان السؤال عن الإنفاق بصيغة الفعل المضارع، فالذي يناسبه هو أن يكون الجواب عليه بالفعل المضارع أو صيغة الأمر؛ إلا أن الإجابة عليه بصيغة الفعل الماضي تشير إلى الترغيب بالعنصر المحوري للكلام وهو الإنفاق إذ إنّ المستقبل القطعي هو بحكم الماضي، لهذا تمت الإشارة إليه بالفعل الماضي (أَنفَقْتُم).
وفي هذه الآية أجاب الله سبحانه على تساؤلهم كما يلي:
1. مميزات المال المنفق: عبر الله سبحانه عن الشيء الذي يجب إنفاقه بقوله:. (مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ). ومفردة (الخير) المقابلة للشر عامة تشمل جميع الخيرات بما فيها الإنفاق المالي والدعوة إلى الحق، والتضحية بماء الوجه وتعليم العلم، والتدريب العسكري و...؛ إلا أن المراد منه في هذه الآية هو المال، كما عبّرت آيات أخرى أيضاً عن المال بالخير: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[9])، (إِن تَرَكَ خَيْرًا[10]).
ولكن المال لا يعد خيراً إلا إذا كان حلالاً وطاهراً، فلا ينفع المال الحرام أو المشبوه أو غير المرغوب، كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ[11])، بمعنى أن المال المنفق يجب أن يكون حلالاً ومن كد يدك وأن يكون طيباً أيضاً. وهنا ونظراً إلى اهمية المطلب لم يكتف بذكر الأمر بالإنفاق من الطيبات، بل نهى عن إنفاق الخبيث وقال: اجعلوا أنفسكم معياراً ونموذجاً فلا تعطوا إلى الآخرين ما تستنكفون أنتم عن قبوله ولا تأخذوه إلا مكرهين مع الإغماض وتحمّل الآلام. واعلموا أن الله غني يستطيع أن يوفّر شيئاً أفضل مما تنفقونه ومن الطريق الصحيح. والله سبحانه حميد ومحمود مطلق وحامد صرف، وجميع الشكر له وهو الذي يعطيكم أفضل الجوائز.
وجدير بالذكر أنّ (العفو) في آية (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ[12])، لو كان بمعنى الزيادة لا بمعنى العفو الأخلاقي، فسيكون المعنى هكذا: أنفقوا ما هو زائد على حاجاتكم الحياتية؛ لا الزوائد الباقية على المائدة أو الألبسة التالفة؛ لأنّ مقام الأبرار لا يناله أي أحد إلّا إذا أنفق ما كان محبوباً ومرغوباً لديه، لا المال الذي هو ضئيل القيمة وعديم الفائدة الذي لا يرغب فيه أحد: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[13]).
أما سر عدم تشخيص الله سبحانه للخير الوارد في هذه الآية والحديث عنه بصورة مطلقة، فإنّه يمكن أن يكون بسبب جامعيّة الخير وشموليته، كما يمكن أن يكون بسبب اختلاف أنواع الخير بحسب الأزمنة والأمكنة والجماعات[14].
2. المنفقون: أول ما ذكره الله سبحانه عند بيانه لمصارف الإنفاق هما الأب والأم (أي أصول العائلة)، حيث يتضمن الإنفاق وصلة الرحم والإحسان إلى الأب والأم. ثم ذكر الإنفاق على الأقارب والأرحام القريبين؛ لعدم صحة التصدق على الآخرين مع وجود القريب المحتاج: «لا صدقة وذو رحم محتاج[15]».
ويأتي في المرحلة التالية الإنفاق على الأيتام الذين لا مال لهم ولا معيل، ثم يليهم الفقراء والمحتاجون الذين لا يعوزهم إلا المال، ثم يأتي في المرحلة الأخيرة أولئك الذين نفذت نقودهم أثناء السفر حيث يعتبرون فقراء بالفعل رغم كونهم من أصحاب الثروة والأغنياء في بلدانهم:. (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ). وقد أوصت آيات كثيرة بمساعدة هذه الجماعات الخمس.
ويأتي تقديم الإنفاق على الأب والأم وأولوية ذلك على سائر مصارف الإنفاق للأسباب التالية:
أ. إن الأبناء عندما يتزوجون غالباً ما ينسون والديهم، والله يذكرهم بذلك كي لا ينسوا.
ب. إن الأب والأُمّ هُما أقرب الناس إلى الإنسان، وقد تحملا الكثير من المشاكل والصعوبات لتوفير الراحة لأبنائهم[16].
ج. إن حق الأب والأم هو أعلى من حقوق الآخرين، حيث وضع الله الإحسان للوالدين إلى جانب التوحيد: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[17])، مضافاً إلى أن الأب والأم هما مرى فيض خالقية الله سبحانه، لذا قال: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ[18]).
3. كيفية الإنفاق: بعد أن بيّن الله سبحانه في صدر الآية الشريفة خصوصيات المال الذي يجب إنفاقه، بيّن في ذيل الآية طريقة الإنفاق وكيفيته فقال إن كل عمل خير تقومون به يعلم به الله فالواجب أن يكون جوهر عملكم حسناً وخيراً: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). إذن، فملاك الخيرية هو طهارة الإنفاق من أدران الشتر وليس قلة أو زيادة المال المنفق. فربما كان أحد الأشخاص يقدّم الأموال الطائلة إلى المصارف الخمسة المذكورة أو للمؤسسات الخيرية، لكنّه يقوم بذلك طلباً للشهرة والمنصب، أو بدافع التفاخر وأمثال ذلك، فمثل هذا الشخص وإن كان أنفق المال الحلال والطيب في المصارف الجيّدة؛ لكن جوهر إنفاقه ليس خيراً، بسبب تلويثه بالرياء والمن.
وقد أمر الله سبحانه في آية أخرى حول نفس الموضوع بالحذر من إبطال الإنسان لأعماله الخيرية بالمن والأذى؛ لأنّ الإنفاق إذا اقترن بالتحقير والمن والرياء صار كالصخرة الصماء التي تجمع عليها الغبار والأتربة فسرعان ما يزول كل ما عليها بأخف زخات المطر. ومثل هذا الإنفاق لا فائدة فيه، بل ربما كان فيه نوع من البلوى للإنسان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[19]).
وفي آية أُخرى قال ضمن مفهوم أوسع: إن الكلام اللين مع المحتاجين والعفو عن شراسة بعضهم وقلة أدبه هو أفضل من التصدق عليهم إذا كان مقترناً بالاعتداء عليهم، والله غني وحليم حيث يغني المحتاجين ويتحمل شراستهم: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ[20]).
وبناءً على ما ذكرناه فيجب على الإنسان إذا أراد بقاء الإنفاق بشكليه المالي والمعنوي - كتأليف الكتب وكتابة المقالات والتدريس والخطابة، لأنّ كلّ إنفاق في سبيل الله هو بمثابة الصدقة - أن ينتبه كي لا يؤذي أحداً أو يريق ماء وجه من يحسن إليه. إن الإنفاق يجب أن يكون مقروناً بالاحترام والإكرام، لا الترحم؛ لأن الله يختبر الأفراد بالإنفاق كي يميّز الأشخاص الطاهرين والمضحين، حيث يتصف الخبثاء بأن إنفاقهم يكون في غير سبيل الله، بل هم يهدفون منه إلى وضع العقبات في السبيل الإلهي:. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ... * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[21]).
ملاحظة لا يشترط في الانفاق المستحب قصد القربة لكن الحصول على ثوابه يتوقف على قصد القربة كما أن المنة والرياء يمنعان قبول الانفقاق.
والإنفاق ربما شابه (الرياء) حينا و(السمعة) حينا آخر وكليهما حينا ثالثا و(الرياء) هو أن يقوم الانسان بالعمل أمام الاخرين قاصدا إيهامهم أنه يقوم به لينال رضا الله في حين أن الحقيقة غير ذلك وهذا نوع من الكذب المبطن.
أما (السمعة) فهي أن يحب الانسان أن يسمع الاخرون أنه قام بذلك العمل في سبيل الله بينما الواقع يناقض ذلك.
وقد يستهدف البعض أن يرى الحاضرون عمله كما يسمع الغائبون به أيضا وهنا يجتمع (الرياء) و(السمعة) معا.
أما اذا خلا جوهر الانفاق من الرياء والسمعة والمنة فحينئذ لا فرق بين أن يكون الانفاق مستورا أو علنيا إذ ربما اقتضت الازمنة والأمكنة المختلفة أن يكون الانفاق في السر هو الافضل حينا و في العلن حينا آخر بحسب اختلاف الظروف[22].
[1] سورة الفجر، الآية 20.
[2] سورة النساء، الآية 128.
[3] سورة الإسراء، الآية 100.
[4] سورة التوبة، الآية 98.
[6] سورة التوبة، الآية 99.
[7] سورة النور، الآية 33.
[8] سورة البقرة، الآية 3.
[9] سورة العاديات، الآية 8.
[10] سورة البقرة، الآية 180.
[11] سورة البقرة، الآية 267.
[12] سورة البقرة، الآية 219.
[13] سورة آل عمران الآية 92.
[14] مواهب الرحمن، ج 3، ص 264 .
[15] بحار الأنوار، ج 93، ص 147 .
[16] مواهب الرحمن، ج 3، ص 264. ذكرنا قبلاً أن إرجاع بعض المطالب في الهوامش لا يعني أنّ تلك المطالب المذكورة أثناء التدريس قد اقتبست أو نقلت من ذلك المصدر؛ لأن بعض هذه المصادر لم يطالعها راقم هذه السطور أصلاً، بل إنّ ذلك يحصل بعد إلقاء المحاضرات من باب توافق الآراء أو بمثابة توضيح لأحد المطالب التي ترد في المتن.
[17] سورة الإسراء، الآية 23؛ التفسير الكبير، مج 7، ج20، ص322.
[18] سورة لقمان، الآية 14.
[19] سورة البقرة، الآية 264
[20] سورة البقرة، الآية 263.
[21] سورة الأنفال، الآيتان 36 و37.
[22] سورة البقرة الايات 271-585