آلية ترشيد النفقات العامة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 71-75
2026-08-23
76
تلجأ الإدارة إلى ترشيد النفقات العامة عن طريق الموازنة العامة. فقد مر ترشيد النفقات العامة بثلاث مراحل رئيسة تبعاً لمراحل تطور الموازنة، إذ تطور الترشيد من ترشيد عن طريق الرقابة الى ترشيد عن طريق متابعة البرامج والأداء ومن ثم الى الترشيد عن طريق ربط الموازنة بالتخطيط والبرمجة، وعليه سنتناول آلية ترشيد النفقات العامة عبر نقطتين، إذ سنتطرق في النقطة الأولى الى آلية الإدارة في ترشيد النفقات العامة عن طريق الموازنة التقليدية "موازنة البنود" وموازنة البرامج والأداء، في حين ستتضمن النقطة الثانية آلية الإدارة في ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة التخطيط والبرمجة"، وكما يأتي:
أولا: الية الإدارة في ترشيد النفقات العامة عن طريق الموازنة التقليدية "موازنة البنود" وموازنة البرامج والأداء :
تعرف الموازنة التقليدية "موازنة البنود" بانها برنامج عمل يوضح من خلاله تقديرات معتمدة للنفقات العامة إزاء خدمة معينة، والاعتمادات المالية الخاصة بتغطية هذه النفقات خلال فترة مقبلة تلتزم بها السلطة التنفيذية، لذا لا يمكن لجهات التنفيذ أن تتجاوز حدود ومبالغ الاعتمادات المالية المدرجة في الموازنة العامة ()، لكي لا تتعرض هذه الجهات للمحاسبة المالية والمساءلة القانونية من جانب السلطة التشريعية، وتعد هذه الموازنة من اقدم أنواع الموازنات الحكومية في الدول النامية وبعض الدول المتقدمة وتدعى أيضا بموازنة البنود كونها تركز على بنود الموازنة(2)، وتتمثل إجراءات الإدارة في ترشيد النفقات العامة في هذه المرحلة بوضع نظام مناسب للرقابة على النفقات العامة والتأكد من أن هذه النفقات قد صرفت في الأوجه المخصصة لها في الموازنة العامة للدولة دون أي تلاعب او اسراف في استخدام الأموال العامة، وذلك بفرض رقابة مركزية على المصروفات والقضاء على كل اشكال الانحراف والتبذير من خلال احكام الرقابة على الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة الاخرى، وأن اتباع مثل هذا الأسلوب يحد من الاختلاس وتبديد الأموال كما يساعد على تطبيق مبدأ المحاسبة ، وهذا النوع من الموازنة يكون معتمداً في العراق (3). لذا يتضح لنا مما سبق ذكره بأن إجراءات الإدارة في هذه المرحلة تركز فقط على ممارسة الرقابة المالية على بنود الانفاق العام لغرض التأكد أن الانفاق العام قد تم تنفيذه وفقاً للقوانين، دون النظر إلى الأهداف التي حققها ذلك الانفاق، فترشيد الانفاق العام هنا لا يهتم بالأعمال التي تقوم بها الحكومة ولا تكاليف الخدمات أو دراسة الجدوى الاقتصادية من النفقات العامة، وهذا ما يتعارض مع سياسة ترشيد الانفاق العام.
أما آلية الإدارة في ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة البرامج والأداء، فقد ظهرت فكرة هذه الموازنة لأول مرة في الولايات المتحدة الامريكية من قبل لجنة تافت" وكان ذلك في عام 1913، وقد عرفت لجنة التنمية الاقتصادية في الولايات المتحدة الامريكية موازنة البرامج والأداء (بانها مجموعة الأساليب التي بواسطتها تمكن مدراء البرامج من التركيز على تنفيذ الأهداف التي تقع ضمن مسؤولياتهم بصورة دقيقة، ومقارنة تنفيذ هذه الأهداف حسب الوقت وساعات العمل والمواد) (4).
وتهدف الإدارة من ترشيد الانفاق العام عن طريق هذه الموازنة إلى التركيز على المقابل الذي يعود من الانفاق بدل من الانفاق نفسه، فأصبح الترشيد هنا يتم عن طريق الربط بين تكاليف الخدمة او العمل من جانب وعائد هذه التكاليف من جانب اخر، كما تعطي موازنة البرامج والأداء صوره مالية واضحة عن النفقات والايرادات (5) ، وقد تبنت فرنسا هذا الأسلوب في تنظيم الموازنة العامة بموجب القانون العضوي المتعلق بالقوانين المالية (LOLF) (6) ، كما طبقت مصر الأسلوب ذاته، بموجب قانون المالية العامة الموحد رقم (6) لسنة 2022 ، إذ أشار القانون المذكور الى آليات اعداد وتنفيذ الموازنة العامة للدولة على أساس موازنة البرامج والأداء وفي ضوء اهداف الخطية العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية واهداف الخطة الاستراتيجية للدولة (7).
لذا يتضح لنا من ذلك أن ترشيد الانفاق العام في هذه المرحلة ينتقل من الاهتمام بالرقابة المالية على بنود الموازنة التقليدية موازنة البنود إلى الاهتمام بطبيعة البرامج والأنشطة والوظائف والمشاريع التي تقوم بها الحكومة بالإضافة إلى كفاءة الحكومة في تحقيق الأهداف المنشودة من تلك الأنشطة والوظائف بمعنى الحفاظ على الرقابة المالية بوصفها هدف موازنة البنود إلى جانب قياس مدى إنتاجية الانفاق العام من خلال ربط مدخلات العمل الحكومي بمخرجاته، أي ترشيد الانفاق العام، كما تستهدف هذه الموازنة خدمة الإدارة ومساعدتها على اتخاذ قرارات الانفاق في ضوء الخطط والبرامج الموضوعة.
ثانياً : آلية الإدارة في ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة التخطيط والبرمجة
تعرف موازنة التخطيط والبرمجة بأنها أداة ووسيلة للتخطيط واتخاذ القرارات التي تتعلق بالمفاضلة بين البرامج البديلة اللازمة لتحقيق أهداف معينة او لتعديل تلك الأهداف، كما تهدف الى محاولة تبرير القرارات المخططة وتنظر إلى البرامج والأنشطة الحكومية على أنها مجرد وسائل تهدف إلى تحويل الموارد العامة الى منتجات نهائية (8) ، وتهتم موازنة التخطيط والبرمجة بالأهداف المراد تحقيقها، أما وسائل تحقيق تلك الأهداف فلا تهتم بها هذه الموازنة، لذا فإن النفقات العامة يتم تبويبها على أساس أنها الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها، أما البرامج والأنشطة فهي الوسائل اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، كما أن هذه الموازنة لا تلتزم بقاعدة سنوية الموازنة، بل ترتبط أساساً بأهداف محددة يتم تحقيقها على مدى يزيد عن سنة(9)، وتتطلب هذه الموازنة أن يكون العاملون بجهاز الموازنة متخصصين في أساليب التخطيط العلمي، وطرق التحليل الكمي، وبحوث العمليات والبرامج وغير ذلك من العلوم التي لها صلة بالتحليل الاقتصادي والمالي(10).
يتضح لنا مما تقدم أن موازنة التخطيط والبرمجة تهتم بالهدف من الانفاق العام، وتنظر إلى الأنشطة وبرامج الحكومة على انها الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الاهداف المطلوبة.
__________
1. ينظر: ضحى علي سلمان الطائي، مشروعية النفقات العامة وسبل ترشيدها، رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية القانون جامعة المستنصرية، 2015، ص 163.
2- ينظر : مشتاق طالب محمد ، أهمية التحول من موازنة البنود الى موازنة البرامج والأداء لمعالجة عجز الموازنة العامة في العراق، بحث منشور في مجلة جامعة الانبار للعلوم الاقتصادية والإدارية جامعة الانبار كلية الإدارة والاقتصاد، مجلد 11 ، العدد 24، 2019، ص3.
3- ينظر : يوسف شباط المالية العامة والتشريع المالي كلية الحقوق جامعة دمشق، دمشق، 2010، ص 103 وما بعدها.
4- نقلاً عن د. خالد شحادة الخطيب د. احمد زهير شامية أمس المالية العامة، ط 4، دار وائل، عمان، 2012، ص 34.
5- ينظر : يوسف شباط المرجع السابق، ص 106.
6- ينظر : فتحية الجوزي الاستفادة من الاتجاهات العالمية في مجال الميزانية العامة للدولة في اصلاح النظام الموازني بالجزائر، أطروحة دكتوراه جامعة الجزائر ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية، 2014 ص 149.
7- ينظر : المادة (8) من قانون المالية العامة الموحد رقم (6) لسنة 2022.
8- ينظر : د. خالد شحادة الخطيب د. احمد زهير شامية أمس المالية العامة، ط 4، دار وائل، عمان، 2012، ص 355.
9- ينظر : محمد احمد الحجازي، المحاسبة الحكومية والإدارة المالية العامة، ط3، مؤسسة النبأ للخدمات المطبعية، عمان، الأردن، 1997، ص 72.
10- ينظر : يوسف شباط، مرجع السابق، ص 107.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة