وتابعت «اللجنة الثلاثية III viri»، التي كانت قد انتُخبت للإشراف على الإصلاح الزراعي أعمالها، ولم يحاول السناتوس إلغاءها. وكان أبرز أعضائها غايوس غراكوس أخو طيباريوس، وما فتئت هذه اللجنة تداور الأمور، وتطلب مأتاها حتى أقضت مضجع جماعات من اللاتين والإيطاليين غير الرومانيين؛ فإن هؤلاء كانوا قد احتلوا مساحات من أرض الدولة، وبدئوا باستثمارها، فخشوا أن ينالهم القانون الجديد، ويقضي على مصالحهم. وحاول السناتوس استغلال قلقهم وتبنى مطالبهم، ولكنهم لم يركنوا إليه، وإنما عاهدوا سكيبيو اميليانوس لما عهدوا فيه من تفهم لقضيتهم، وعطف على مطاليبهم، وتقدير لخدماتهم في ميادين القتال. وكان سكيبيو أميليانوس جليلًا محترمًا لما قام به من خدمات عمومية، فأعاق بتدخله سير أعمال اللجنة الثلاثية وشلَّ حركتها. ثم توفي فجأة في السنة 129ق.م.، فعادت اللجنة إلى سابق نشاطها ونتاجها. وأهم ما فعله غايوس غراكوس في السنوات القليلة التالية كان تنظيم صفوف المؤيدين، وتوحيد جهودهم واجتذاب بعض كبار الشخصيات لتأييد برنامجه.
وبعد وفاة طيباريوس بعشر سنين انتُخب أخوه غايوس مكانه للمنصب نفسه (123ق.م.)، ولكنه لم يكتفِ باستئناف النزاع الذي كان قد شرع أخوه فيه لحماية الفلاحين الذين لا أراضي لهم، بل جعل نصب عينيه غاية محدودة سعى إلى بلوغها، وهي مناصبة السناتوس العداء، والفتُّ في سواعده، فألغى في السنة 123 «القانون الكالبورني Lex Calpurnia»، الذي كان قد أوجب منذ السنة 149 تأليف مجلسٍ من رجال السناتوس فقط؛ للنظر في تظلُّم حكام الولايات، وسنَّ «قانونًا جديدًا Lex Acilia» قضى بانتقاء أعضاء هذا المجلس العدلي من طبقة الأغنياء «خارج السناتوس Ordo Equester». وقضى قانون آخر بتلزيم ضرائب ولاية آسية في رومة لا في آسية Lex de Provincia Asia لإرضاء هذه الطبقة نفسها، وأفسح مجالًا آخر لهؤلاء أيضًا بعقد الاتفاقات الكبيرة معهم لإنشاء الطرق في إيطالية، وتشييد المستودعات الحكومية والأرصفة، وساير الجماهير، فمنع تجنيد الرومانيين قبل السابعة عشرة، وحدد «أسعار الحبوب Lex Frumentaria»، وأعاد مفعول القانون الزراعي الذي سنه أخوه من قبل، وشرع في إنشاء المستعمرات الرومانية، ونهض إلى أفريقية، فأسس المستعمرة «يونونية Junonia» محل قرطاجة. واستغل «ليوس دروسوس Livius Drusus» غياب غايوس، فأسس اثنتي عشرة مستعمرة في إيطالية؛ ليضرب بين الجماهير وبين غايوس، فلما عاد غايوس من أفريقية اقترح بدوره أن يُمنَح اللاتينيون ما طالما طمحت نفوسهم إليه ومَنَّوْها به، وهو حق المواطن الكامل، فأثار هذا الاقتراح غضب السناتوس، ونجح هذا المجلس في إغراء الجماهير وتحريضهم. فكانت عاقبة سعيه شغبًا عظيمًا، قُتل في أثنائه غايوس في السنة 121، كما قُتل أخوه من قبله. وأُلغي القانون الزراعي (120ق.م.)، واعتبرت أراضي الدولة في إيطالية ملك القائمين عليها (111ق.م.) (1).
ويلاحظ أن السبب الرئيسي لإخفاق طيباريوس وغايوس كان وجوب اعتمادهما على التصويت، أي على مساعدة الشعب لهما حين الانتخابات، وأن الجماهير كانت معرضة دائمًا لدس الدساسين وعقارب المضللين. ولكن أعمال هذين الرجلين علَّمت العامة أن يثابروا على التفتيش عن زعيم حتى يجدوه، فكان هذا العمل بدء السلطة الفردية.
....................................
1- GREENIDGE and CLAY, Sources, 19–36; GARDINALI, Q., Studie Graccani, (1912); CARCOPINO, J., Autour des Gracques, (1928); LAST, H., Gaius Gracchus, Cam. Anc. Hist., IX, 40–100.