وصحب حياة الترف الجديدة شرور وشرور، فانبرى روماني من الطراز القديم وجماعة من أضرابه إلى التضافر على سن قوانين لمقاومة الإسراف على اختلاف أشكاله، والمحافظة على بساطة الحياة الرومانية القديمة وفضائلها. والإشارة هنا إلى «مرقس بوركيوس كاتو Marcus Porcius Cato» الزعيم الروماني الكبير، الذي وُلد في «تسكولوم Tusculum» في الريف في السنة 246ق.م.، ورافق تطورات رومة حتى السنة 149 التي توفي فيها. وُلد فلاحًا، فالتحق بالجيش في السابعة عشرة من عمره، وحارب في حروب قرطاجة وغيرها، فأظهر نبوغه فتدرج في سلم الوظائف حتى أصبح قنصلًا في السنة 125، و«مراقبًا Censor» في السنة 184، بعد أن ضرب أنطيوخوس الثالث ضربة مؤلمة عند ثرموبولي في السنة 191، ولم يرضَ عن تطور الحياة في رومة وإيطالية، فقاوم كل جديد ولا سيما تيار التهلن، بحزم وعزم غير مكترث بنقد النقاد ولوم اللائمين. فمنع السيدات عن التنافس في اقتناء الحلي والجواهر الثمينة، وعن ركوب المركبات إلى الأماكن التي كُنَّ يذهبن إليها سعيًا على الإقدام، ولم يكترث لنقدهن في النوادي والمجتمعات، ولام الأخوين سكيبيو وهاجمهما لإيقاف التهلُّن، وصنَّف كتابًا في تاريخ رومة لهذه الغاية دعاه «الأصول Origines»، ووصل به إلى السنة 150ق.م. وضمنه خطبه، وأعد كتابًا ووجهه لابنه، وأسماه «الوصايا Praecepta ad Filium»، ذكر فيه كل ما يجب أن يفعله ابنه؛ ليكون «رجلًا محمودًا vir bonus»، وخلف أيضًا الوصايا اليومية دعاه Carmen de Moribus، وكتابًا في «الزراعة De Re Rustica»، ولكنه لم يفلح في مقاومة التهلن، وأقدم هو بذاته في أيامه الأخيرة على تعلم اليونانية (1).
وظلت قوة رومة تزيد مع مرور الزمن، ولكن دون أن يرافقها من جانب الفضيلة الرومانية القديمة وازع يرد الناس عن ارتكاب الرذيلة ويكبح جماحها. وكان هذا الأمر باديًا بنوع خصوصي في حياة الطبعة الأمية، والصعاليك الذين مالوا إلى الحضارة اليونانية كما مالت الأكثرية الساحقة من سائر الطبقات الأخرى إلى ما في تلك الحضارة من دواعي الترف ورغد العيش، فلم يفقهوا المعنى الحقيقي لها، وفي أوائل الحرب الصقلية بين رومة وقرطاجة أُدخلت عادة أتروسكية قديمة، هي المجالدة الفردية بين المجرمين المحكوم عليهم أو بين الأرقاء الذين كانوا يتضاربون بالسيوف؛ احتفاء بمأتم وجيه من الوجهاء، ودعي هؤلاء «مجالدين gladiatores»(2)، وكان بعض الموظفين الذين يقومون بتدبير حفلات الأعياد العمومية ينظِّمون لوائح مطولة يعينون فيها جماعات من هؤلاء المجالدين؛ ليقوموا بالمجالدات تسلية للجماهير المتألبين، ورغبة في نيل أصواتهم وقت الانتخاب للوظائف العليا. وكانت هذه الألعاب الدموية البربرية تجري أولًا في أماكن مؤقتة، توضع فيها بعض مقاعد للجلوس، ولكنهم بنوا لها بعد ذلك مباني حجرية مخصوصة مدرجة سموها امفتياترات (3). ثم أنشأ الرومان ميادين عظيمة لسباق المركبات، تحيط بها مقاعد جمة يجلس عليها المتفرجون، دعوا الواحد منها circus مضمارًا.
وعظمت نفقات الخطط السياسية، فكان الشاب الروماني الذي يهوى الانخراط فيها يضطر إلى اقتراض الدراهم؛ ليؤدي نفقات المجالدات الكثيرة، فضلًا عما كان يؤديه رشوة للمنتخبين، وحين كان يُنتخب للمنصب الذي يطمح إليه لم يكن يقبض راتبًا بدل خدمته، بل كان مضطرًّا أن يقوم بنفقات الكُتَّاب، الذين يقومون بالعمل الملقى على عاتقه في منصبه الجديد. وكان رجل السياسة الروماني يطلب الوظيفة الآن؛ ليتمكن بها من الحصول على النفوذ الذي يبوِّئه حاكمية ولاية غنية، وحين رجوع أحد هؤلاء الولاة إلى وطنه بعد انتهاء مدة ولايته لم يعش عيشة ذلك الروماني الساذج في الأيام القديمة. بلى كان يعيش عيشًا ملكيًّا محفوفًا بجميع ضروب التنعم والترف. وقد كان هؤلاء النفعيون الذين كان بأيديهم زمام القوة العليا في ولاياتهم خطرًا على الجمهورية؛ لأنهم كانوا قد ذاقوا لذة سلطة الملوك بلا وازع الشريعة الرومانية، ولا قيود نُظُم الجمهورية (4).
ولم تكن هذه الشرور أقل ظهورًا خارج رومة مما كانت داخلها. وبما أنه لم يكن لائقًا في نظر الرومانيين أن يتعاطى شيوخهم ونبلاؤهم التجارة ولا الأشغال الأخرى، أخذ هؤلاء يشترون المزارع الصغيرة، ويضمُّونها بعضها إلى بعض، فتتكوَّن منها مزرعة كبيرة جدًّا شاسعة الأطراف. ولم يبقَ من تلك المزارع الصغيرة القديمة إلا نزر مبثوث هنا وهناك. وكان يستحيل على أرباب الأملاك الأغنياء أن يديروا العمل في عقاراتهم الواسعة باستئجار عملة أحرار. ولم يكونوا مجبرين على ذلك؛ فالفتوحات الرومانية كانت ينابيع تتدفق منها أسارى الحرب فيباعون أرقَّاء. ولم تكن حياة هؤلاء في العقارات التي أُخذوا إليها بأرقى من حياة البهائم، فكانوا يُكوَون بالمياسم ويُساقون إلى الحقول، ولما نقص عدد أسرى الحرب غضت رومة النظر عن أعمال النخاسين، الذين كانوا يخطفون الأولاد من شرق البحر المتوسط، ويبيعونهم عبيدًا، فداوموا على هذا العمل الشرير سنين عديدة (5).
وامتلأت إيطالية وصقلية من الأرقاء، فقاموا بثورات أقلقوا البلاد بها، وفي صقلية تجمع نحو ستين ألفًا منهم، وقاموا على سادتهم بقيادة أفنوس السوري، وقتلوهم واستولوا على المدن والقرى وأسسوا مملكة، فاقتضى إخضاعهم جيشًا رومانيًّا بقيادة القنصل «بيسو Piso» في السنة 133ق.م. وحربًا دامت بضع سنين (6)، وفي غضون ثورة العبيد في صقلية، قام أصحاب الحقول الأحرار من صغار المزارعين، وأخذوا يحرقون المزارع الكبيرة، التي أنشأها كبار الملاكين في إيطالية. فالفتوحات العظيمة كانت قد جعلت الغني أغنى جدًّا مما كان، والفقير أشد فقرًا، فحروب هنيبعل غادرت جنوب إيطالية قاعًا صفصفًا، وكثيرًا من أواسطها في حالة أحسن قليلًا من حالة الجنوب، وأُهملت هذه المناطق المخربة وصارت مسرحًا للماشية ومرعى للبهائم، وفي المناطق التي لم تمسها يد الحرب غاب الفلاحون وأبناؤهم سنين عديدة عن بيوتهم يخوضون معارك الفتح. وحين كان يعود الواحد منهم إلى بيته الريفي لم ترقه أشغال الحقول، وكثيرًا ما كان يتفق للجندي حين عودته إلى أرض ميلاده أن لا يرى للمنزل الذي آواه في ولوديته عينًا ولا أثرًا، ويجد عائلته قد تشتت شملها، ومزرعته الصغيرة بيعت من أحد الأغنياء؛ إيفاء للدين وضُمت إلى مزارعه الكبيرة، فيلعن إذ ذاك الغني، ويؤم المدينة العظيمة حيث تُقدم له الحنطة مجانًا من لدن الحكومة، ويحضر الألعاب والمسابقات، ويزيد في عدد الفقراء. وإذا والاه الحظ، واتفق أن وجد بيته وحقوله لم تُصب بضرر فلا يلبث أن يرى جماعات العبيد القائمين بزراعة المزارع الكبرى ينتجون الحنطة بنفقة أقل من التي يبذلها هو، فإذا ما باع غلات أرضه وجد أن مجموع ثمنها غير كافٍ للقيام بنفقات عائلته. وفي الوقت نفسه، كانت أسواق إيطالية تكتظ بكميات الحنطة الرخيصة الثمن، الواردة إليها من صقلية وأفريقية ومصر، فتضطره الحال إلى بيع مزرعته الصغيرة، ومغادرة وطنه واللياذ برومة، حيث كان يجد ألوفًا وألوفًا من أضرابه بلا مأوى، يقاسون مَضض الفاقة ومرارة العيش، معتمدين في تحصيل القوت الضروري على الحكومة. هؤلاء هم الذين كانوا فيما مضى أصحاب الأراضي الزراعية وعماد الأمة الرومانية، الذين كانت تنظم منهم أعظم جيوشها وأفخرها. هؤلاء هم الذين كانوا قوام تلك القوة التي أسس عليها السناتوس الدولة الشاسعة الأطراف البعيدة الأكناف، هؤلاء الذين كانوا لرومة كل ما ذكرنا، أمسوا صائرين إلى البوار والاضمحلال (7).
وهكذا، فإنه كان للقوة والثروة اللتين بلغتهما رومة بتسلطها على حوض المتوسط أسوأ تأثير؛ لأنهما جرَّاها إلى شَفَا جُرف الهلاك. ولم تكن الحال في معظم مناطق الدولة الرومانية خارج إيطالية، حتى في أرقاها مدنية، ولا سيما في بلاد اليونان، أحسن مما كانت في إيطالية، فإن فلاحيها، تحت نظام المزارع الكبرى الذي دخلها من آسية؛ حيث نشأ في أيام الفرس، كانوا قد تلاشوا كما كان فلاحو إيطالية آخذين في التلاشي. أضف إلى ذلك الغصب والاختلاس، اللذين كان يرتكبهما الحكام وجُباة الجزي والضرائب وغزوات النخاسين، الذين لم تستطع رومة أن تضرب على أيديهم وتحول التجارة اليونانية شرقًا، أضف كل ذلك تجد الأسباب الكافية لقتل الأعمال التجارية والزراعية، والقضاء المبرم على آمال العالم اليوناني وتقدمه (8).
وبان العيب وتبين أن حكومة رومة المدينية الضيقة النطاق لم تعد كافيةً لتنظيم دولة كبيرة وإدارتها. ولكن، هل كان في الإمكان تحويل هذا النوع من الحكومة إلى حكومة إمبراطورية، تصلح لإدارة شئون العالم المتمدن آنئذٍ؟ هذا هو العمل الخطير الذي قامت به رومة، فوقت التمدن، الذي أصبح فيما بعد أساس المدنية الحديثة.
.................................................
(1) LIVY, 29:25, 32:27; Bks. 34, 36, 38-39; CICERO, De Senectute; PLUTARCH, Cato Maior; SMITH, R.E., Class. Quart., 1940.
(2) FRIEDLANDER, L., Roman Life and Manners, II, 41–60.
(3) ASHBY-ANDERSON-SPEARS, Architecture of Ancient Rome; WRIGHT, J.A., Archatologiae 78:215.
(4) BLOCH et CARCOPINO, Rep. Rom., 63–75.
(5) BARROW, R.H., Slavery in the Rom. Emp., (1928) ; WARDE FOWLER, W., Social Life at Rome in the Age of Cicero, (1910) , 204–236.
(6) LAST, H., Tiberius Gracchus, Cam. Anc. Hist., IX, 11–16.
(7) CLAUSING, R., The Roman Colonate, (1925) ; ROSTOVTZEFF, M., Studien zur Gesch. des Romischen Kolonates, (Arch. Pap. 1910); GRANT, M., From Imperialism to Auctoritas, (1946); BLOCH et CARCOPINO, Rép. Rom., 89–98.
(8) HERTZBERG, G.F., Gesch. Griechenlands unter der Herrschaft der Romer, (1868); FINLAY, G., Hist, of Greece, (1877), I; ACCAME, S., Il dominio Romano in Grecia della guerra Achaica ad Augusto, (1946).