شهد عصر النهضة اليابانية (عصر مايجي) ازدواجيةً في الحياة الفكرية، تمثَّلت في إحياء الفكر التقليدي المستمد من التراث الياباني القديم، والذي شكل في جملته عقيدة الشعب الياباني — الأصيل منها والمكتسب على حدٍّ سواء — إلى جانب التيارات الفكرية الجديدة التي هبت على اليابان من الغرب، والتي نتجت عن الاحتكاك بالحضارة الغربية في مرحلة النهضة، وما امتازت به تلك المرحلة من اقتباس نماذج من النتاج الحضاري للغرب، ولم يكن باستطاعة اليابانيين تفادي البُعد الثقافي لتلك الحضارة، وما ارتبط به من أفكار تتباين تمامًا مع الأساس الذي قام عليه الفكر الياباني التقليدي، غير أنه استطاع أن يجد لنفسه مكانًا بفضل جهود من تأثروا بالثقافة الغربية من كتاب وأدباء عصر النهضة اليابانيين.

هيكل لأسرة تعتنق الشنتو.

هيكل لأسرة بوذية.
الفكر التقليدي
ولكن دراسة التطور الفكري لليابان في عصر النهضة تتطلب منا وقفة أمام الفكر التقليدي الذي تأصَّل في وجدان الشعب الياباني، وكان له أثره البالغ في تحديد إطار النظام السياسي الذي عاشته اليابان منذ عصر مايجي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كما كان له أثره في تحديد القيم الاجتماعية والسلوكية لليابانيين لما يقرب من القرن، وقام على أساسه النظام الإمبراطوري بإطاره الثقافي-السياسي.
ويرتكز الفكر التقليدي على عقيدة «الشنتو» التي ترفع الإمبراطور إلى مصافِّ الآلهة، وتجعل تقديسه فرضًا على كل ياباني استنادًا إلى الأساطير (التي أشرنا إليها في التمهيد) في مزيج يضفي القداسة على اليابان نفسها، والتميُّز على شعبها، وطوَّع اليابانيون «البوذية» التي جاءتهم من الهند — عن طريق الصين — والكنفوشية التي جاءتهم من الصين، للعقيدة الشنتوية؛ ففي البوذية اعتُبر الإمبراطور «سليل بوذا العظيم» وفي الكنفوشية اعتُبر «منبع الفضائل التي يقوم على أساسها المجتمع الخيِّر.»
وكذلك كانت الحال بالنسبة لفكرة المساواة؛ فقد كان اليابانيون يَنشَئون — منذ نعومة أظفارهم — على تقبُّل فكرة التفاوت في المكانة الاجتماعية للناس، ووَجد هذا الموقفُ التبريرَ المناسب في العقيدة اليابانية؛ فالناس غير متساوين لأن دماءهم ليست واحدة؛ الإمبراطور — مثلًا — تجري في عروقه دماء الآلهة لأنه انحدر من نسل آلهة الشمس، وعلية القوم انحدروا من سلالة ذات منزلة رفيعة متأصلة.
وإذا كان هذا موقف الشنتوية من فكرة المساواة الاجتماعية فإن التطبيق الياباني للكنفوشية أخذ بهذا المبدأ أيضًا، فاعتبر الناس مختلفين اجتماعيًّا بقدر ما يتوفَّر لهم من الفضائل؛ فذوو الفضائل العالية السامية يتمتعون بمكانة اجتماعية ممتازة، أما أولئك الذين لا يتوفر لهم إلا درجات محدودة من الفضائل، فيصنفون اجتماعيًّا حسب حظهم من تلك الدرجات، كذلك عالج التطبيق الياباني للبوذية فكرة التفاوُت الاجتماعي، فربَط مكانةَ الناس الاجتماعية بما لديهم من قدرة على الكفاح من أجل الخلاص، وهم كما يتفاوتون في الصبر على الكفاح، يتفاوتون — كذلك — في المنزلة الاجتماعية.
وكان التراث الياباني يضع إطارًا محددًا جامدًا للعلاقات داخل المجتمع، يدور حول «وحدة المجتمع» كما عبرت عنها الكنفوشية اليابانية؛ فالفردُ في ظل فكرةِ وحدة المجتمع لا قيمةَ له بذاته، ولكن قيمته من قيمة الجماعة التي ينتمي إليها، سواء كانت الأسرة أو القرية أو الأمة؛ إذ تسمو الروابط الاجتماعية على العلاقات الشخصية الفردية، ورغم الاعتراف بما للفرد من شخصية مستقلة فإن ذلك لا يعني أن الأفراد يتمتعون بمكانة مستقلة عن الجماعة.
وقيمة الفرد ترتبط بمكانة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وهي ظاهرة اجتماعية يتردد صداها في اللغة اليابانية التي لا تحتوي على صيغة مفرد وصيغة جمع، وإنما هناك صيغة واحدة تُستخدم للمفرد والمثنى والجمع دون تمييز، كما تبدو أيضًا في أسلوب المخاطبة حيث تُراعي منزلة المخاطب داخل الجماعة فيستخدم الصغير صيغة معينة عندما يتحدث مع مَن يكبره سنًّا أو مقامًا.
وألقت هذه الظاهرة بظلالها على البوذية، فعندما اعتنقها اليابانيون لم يهتموا بالاختلاف الواضح بين النفوس البشرية الذي تُبرِزه البوذية في أصلها الهندي، وعلى حين تذهب البوذية الهندية إلى القول بأنه «لا يعني الأبناء ولا الآباء ولا الأقارب للمرء شيئًا حين يدنو أجله …» وإنه «لا سلطان على النفس سوى النفس ذاتها» فركزت بذلك على الاعتماد على النفس باعتباره ركن الفضائل، ورأت أن «الخير في الارتكان إلى النفس والبعد عن الناس»، وبذلك تقوم البوذية — في أصلها الهندي — على التمحوُر حولَ الذات (الفردية) ونبذ الجماعة، نجد التطبيق الياباني للبوذية تواءم مع طبيعة المجتمع الياباني وتراثه التقليدي القائم على نبذ الفردية والالتحام بالجماعة، فتذهب البوذية اليابانية إلى القول بأنه «يجب أن يكون الفرد أقرب إلى إخوانه في البوذية منه إلى نفسه» وبذلك تُعبِّر عن ذوبان الفرد في الخلية الاجتماعية التي ينتمي إليها (الأسرة) وذوبان تلك الخلية الصغيرة في الخلية الاجتماعية الأكبر (القرية)، لتُشَكل مع غيرها من الخلايا الكبرى كيانًا واحدًا (الوطن).
ولعل انفراد اليابانيين بهذه السمة الثقافية يرجع إلى طابع الحياة الاجتماعية الذي ساد اليابان، والذي يتفق مع الظروف الطبيعية للبلاد؛ فهي بلاد جبلية وعرة تكسوها الغابات وتثور فيها البراكين من حينٍ لآخر، فتلحق الدمار والخراب بما حولها، وتكاد الزلازل أن تكون حدثًا يوميًّا، ولا توجد بها سهول واسعة، إذ لا تتجاوز مساحة السهول خُمس مساحة السطح، وهي تجمع — من حيث المناخ — بين الصيف الحار شديد الرطوبة غزير الأمطار، والشتاء القارس البرد الذي يتساقط فيه الجليد بغزارة، وخاصة في الشمال والشمال الغربي، لذلك عاش اليابانيون في نضال مستمر ضد الطبيعة، ومثل هذا الصراع لا يقوى عليه الفرد، وإنما يقتضي تضافُر جهود الجماعة من أجل البقاء، فكان لا بد أن يعيش الناس في جماعات ذات تنظيم دقيق، يتمتع فيها رئيس الجماعة بسلطات واسعة على أفراد جماعته.

أحد احتفالات الشنتو.
وتركت هذه الظروف الطبيعية آثارًا واضحة على التكوين النفسي للناس، يُعبِّر عنه القول المأثور الذي تناقلته الأجيال منذ القدم، والذي يذهب إلى أن «هناك أربعة يثيرون الفزع، الزلزال، والعاصفة الرعدية، والحريق، والأب (أو رب العائلة)»، وليس مِن الغريب أن تكون سلطة الأب أو رب العائلة وكبيرها صارمة كصرامة الكوارث الطبيعية؛ لأن مواجهة الحياة في مجتمع له مثل تلك الظروف الطبيعية القاسية يقتضي وجود تنظيم دقيق للجماعة، يتمتع — في ظله — رئيس الجماعة بسلطات واسعة وكلمة مسموعة مرهوبة، ومن ثَم كانت التربية اليابانية قائمة على غرس قيم الولاء للعائلة الصغرى (الأسرة) والعائلة الكبرى (الأمة) في نفوس البشر.
ومن هنا أصبحت فكرة «البيت» ذات مدلول واسع المعنى — في الثقافة اليابانية — يتجاوز حدود بيت الأسرة، ليشمل بيت الأمة (الوطن)، ولا يوجد بيت بدون آباء، فالمحافظة على البيت تقتضي مراعاة تراث السلف، ولذلك وجب على الأفراد تدعيم البيت، والعمل على رفع شأنه، وتوقير وطاعة رب البيت، ولا تعني فكرة «البيت» — كما استقرَّت في الوجدان الياباني — أن تكون رابطة الدم هي أساس العلاقة بين مَن يقيمون فيه، فلا وزن هنا لصلة الدم أو الرحم، إنما رابطة المكان هي التي تجمع بين أهل «البيت» وكذلك رابطة العمل أيضًا، فالذين يعملون لدى صاحب الأرض الزراعية يعدون من أفراد أسرته، وكذلك مَن يعمل لدى التاجر في متجره، أو صاحب الحِرفة في ورشته، لجميع هؤلاء ما لأفراد الأسرة من الحقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات.

زلزال كانتو الكبير سنة 1923م الذي دمر طوكيو ويوكوهاما وبعض المدن الكبرى.
وكان لفكرة «البيت» دور هام في نمو الاقتصاد الياباني الحديث فلم تكن المشروعات المالية والصناعية الخاصة ترتبط بأفراد بعينهم، ولكنها ارتبطت بعائلات (بالمفهوم الياباني للعائلة) وكثيرًا ما كان أصحاب رأس المال بمنأًى عن إدارة تلك المشروعات، التي أدارها خبراء لهم مطلق التصرف لا سلطان لأحد عليهم سوى مجلس الإدارة الذي هو — في نفس الوقت — مجلس العائلة، وعلى سبيل المثال، كان البيت المالي الشهير «ميتسوي» في القرن التاسع عشر يتكون — في حقيقة الأمر — من إحدى عشرة أسرة رأسمالية متساوية تقريبًا، لا ترتبط ببعضها البعض بصلة الدم أو الرحم، ولكنها كانت تحمل اسم عائلة ميتسوي الذي مارست نشاطها المالي به، وكذلك الحال بالنسبة لبيت «سوميتومون»، وكان كل من يعمل بإحدى الشركات التي أقامتها تلك البيوت المالية يُعَد مسئولًا عن رواج نشاطها، شأنه في ذلك شأن أصحاب رأس المال أنفسهم.
كما كانت الطريق مفتوحة أمام من يُظهِر كفاءة ومقدرة مُتميِّزة من العمال للترقِّي في مناصب الإدارة حتى أرفعها، وقد تكافئه العائلة صاحبة الشركة فتتبنَّاه رسميًّا، وتمنحه لقبها، فإذا وصل بكفاءته إلى رئاسة الشركة أصبح رئيس العائلة وكبيرها الذي يلتزم الجميع بطاعته حتى مَن جاءوا من صُلب صاحب رأس المال، ومن ثَم كان التفاني في العمل هدف الجميع حتى يظل «البيت» مزدهرًا، ويتحقق النجاح لمشروعاته، واستُخدِمت هذه الفكرة — في جانبها السلبي — في استغلال العمال في الصناعة الحديثة باسم «الواجب نحو البيت» أسوأ استغلال، وفي جانبها الإيجابي ساعدت على دفع النمو الاقتصادي الحديث إلى الأمام، فلم يعتمد النمو الاقتصادي على الإمكانات المادية وحدها، وإنما زودته الثقافة التقليدية اليابانية — التي تقول بوحدة المجتمع — بطاقة هائلة دفعته إلى الأمام.

«إيتشيوجويا»؛ أحد محلات بيع الأقمشة والثياب في إيدو، وقد أسسه «متسوي هاتشيرونيمون» الذي أصبح الآن متجر ميتسوكوشي.
وأثمرت هذه الوحدة الاجتماعية الفريدة اتجاهًا أخلاقيًّا يدفع الفرد إلى التضحية بالنفس من أجل عشيرته في العهد الإقطاعي، ثُم مِن أجل الإمبراطور والوطن في عصر النهضة الحديثة، وأدى ذلك إلى تميُّز التكوين الفكري الياباني بروح التطرُّف الوطني الذي يمتزج فيه الولاء للوطن وطاعة الإمبراطور والتضحية الواجبة بالنفس في سبيلهما، وغذت العقيدة الشنتوية هذا الشعور الوطني المُتطرِّف بتأكيد أن العائلة الإمبراطورية المُقدَّسة هي نواة الشعب الياباني كله، وارتبط بها مفهوم «الأمة المقدسة» الذي بلغ أوجه في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، واستمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، واستقر في أذهان اليابانيين أن بلادهم «أعظم بلاد العالم قاطبةً؛ لأن الآلهة صنَعَتها قبل أن تصنع بقية بلاد العالم؛ فهي أرض لها قداستها واحترامها.» ومِن ثَم أطلقوا على بلادهم «اليابان العُظمى» واعتبروا الإمبراطور أبًا للأمة اليابانية.
وتطورت «الوطنية» اليابانية من مفهوم «الدولة» الياباني ذاته الذي أطلقوا عليه اسم «النظام الإمبراطوري»، وليس مِن مفهوم «الدولة» في علم السياسة، ولذلك صِلة وثيقة بمفهوم «الوحدة الاجتماعية» التي تربط بين الناس والأرض والسلطة برباط واحد، وساعد الموقع الجغرافي لليابان على دعم ذلك المفهوم وأنبتت له الشنتوية جذورًا في وجدان اليابانيين منذ القدم، وبذلك توفرت لليابان ملامح «وطنية» واضحة قبل القرن التاسع عشر بزمن بعيد، وقبل وصول المؤثِّرات الفكرية الغربية الحديثة إلى البلاد، قامت تلك الملامح على أسس راسخة من التراث الثقافي الياباني؛ لتعبر عن واقع يختلف اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا — اختلافًا جذريًّا — عن فكرة «القومية» بمفهومها السياسي الحديث.