موقف المشرع العراقي من لأبناء في الاراضي الزراعية
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 111-114
2026-08-02
32
اتخذ المشرع العراقي خطوات تجاه تنامي وانتشار ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية، ولكنه لم يحذو حذو المشرع المصري الذي تصدى للموضوع في قانون واحد وفي مواد واضحة وجزاء محدد، اذ كانت رؤية المشرع العراقي غير واضحة وتفتقر إلى ابسط مقومات التنظيم، فتصدى لهذه الظاهرة بتشريعات متفرقة تعالج لكل منها حالة من الحالات التي تواجه الإدارة، مما زادت هذه التشريعات الأمر سوءاً (1).
فبصدور بعض قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، استغلت الثغرات القانونية فيها، فكانت منفذا لازدياد حالات البناء على الأراضي الزراعية والبساتين بدلا من الحد من هذه الظاهرة وتنظيمها، فشرع القرار رقم (1178) لسنة 1983(2) الذي أجازت أحكامه إقامة أبنية خاصة بالسكن في الأراضي الزراعية والبساتين شريطة ألا تزيد مساحة هذه الأبنية على ثلاثمائة متر مربع في كل خمسة دونمات من مساحة الأرض الكلية، ويعد هذا القرار أول قرار يتضمن أحكاماً بشأن السكن في الأراضي الزراعية والبساتين، وقد جاء بصورة مطلقة من حيث النطاق الموضوعي الذي يشمل أصناف الأراضي كافة أو من حيث النطاق الشخصي، إذ يسري على حائزي الأراضي كافة، فينطبق على كل مالك أو صاحب حق تصرف أو موزع عليه أو مستأجر على وتيره واحدة (3).
وبعد أن كانت أحكام القرار المذكور تسري بصورة مطلقة كما اتضح لنا، اصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قراره رقم (53) لسنة 1984(4) ، الذي خص فيه المتعاقد مع الإصلاح الزراعي، اذ أجاز له تشييد دار للسكن على الأرض المتعاقد عليها، له ولأفراد عائلته المكلف بأعالتهم شرعاً، شريطة أن لا تزيد هذه المساحة على ثلاثمائة متر مربع بالنسبة للأرض التي لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر دونما، و أن لا تزيد عن أربعمائة متر مربع بالنسبة للمساحات التي تتجاوز هذا الحد (5)، ولم يكتف المشرع بهذين القرارين، فاصدر القرار رقم (1488) لسنة 1985(6) ، الذي جاء مطلقاً ولاغياً لما يتعارض معه من نصوص تشريعية (7) ، وتضمن أحكاماً لمعالجة البناء في الأراضي الزراعية والبساتين والبساتين التي تقل مساحتها عن خمسة دونمات (8).
وبدلاً من أن يبادر المشرع العراقي إلى لملمة الأحكام المتعلقة بالسكنى في الأراضي الزراعية، وتنظيمها بالصورة التي تحد من تفاقم ظاهرة الزحف على الأراضي الزراعية بالسكني، نجده قد واصل النهج القائم على المعالجات الفردية التي تواجه الإدارة بهذا الشأن، وتعدد الاستثناءات، فاصدر القرار رقم (297) لسنة 1987 (9) ، الذي استثنى بموجبه من دون مبرر يذكر مالكي الأراضي الزراعية وأصحاب حق التصرف فيها من التقيد بالحدود الواردة بالقرارات السابقة سالفة الذكر التي أبقاها سارية على الأراضي والبساتين (المملوكة للدولة) المشغولة بعلاقات قانونية أو تعاقدية (10)، ونظراً لكون تطبيق القرار المذكور يؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه أمام مالكي الأراضي وأصحاب حق التصرف فيها، ومن ثمة ضياع مساحات لا يستهان بها من الأراضي الزراعية، تدارك المشرع العراقي وبمدة وجيزة هذا الخطأ الملحوظ فاصدر القرار رقم (344) لسنة 1987 والذي قصر تطبيق أحكام الفقرة (الأولى) من القرار رقم (297) على الأراضي الزراعية والبساتين والواقعة خارج حدود التصاميم الأساسية للمدن (11).
وعلى ذات المنوال، وبعد مدة وجيزة أخرى اصدر مجلس قيادة الثورة المنحل القرار رقم (734) لسنة 1987(12) ، الذي استثنى بموجبه مالكي الأراضي الزراعية والبساتين وأصحاب الحقوق التصرفية فيها من أحكام القرار رقم (344) لسنة 1987 ، إذ أجاز لهم بتشييد دور سكنية بمساحة لا تتجاوز ثلاثمائة متر مربع ولا تتجاوز مائتي متر مربع لكل واحد من أولادهم البالغين شريطة أن لا تكون هذه المساحات مخصصة كمساحات خضراء وفقا للتصاميم الأساسية للمدن(13).
وأمام هذا الضعف البين في المعالجة التشريعية كما اتضح لنا، ويقابلها تنامي الظاهرة أمام أنظار الجهات الرسمية، تدخل مجلس الوزراء بغية الحد منها مستقبلا مع إيجاد بعض الحلول للحالات القائمة بالسماح بتغير جنس الأرض من زراعي إلى سكني بشروط معينة، فاصدر القرار رقم (50) لسنة 2016 والذي الزم وزارتي الأعمار والإسكان والزراعة والمحافظات، أخذ الإجراءات الكفيلة بإيقاف تجريف البساتين والأراضي الزراعية، ومنع تحويلها إلى أراضي سكنية، أو تغيير استعمالها لأغراض أخرى، مع السماح بتحويل جنسها وفقاً لصلاحيات مجلس الوزراء، استناداً لقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (1187) لسنة 1982 اذا توافرت ثلاثة شروط أولها أن يكون البناء غير مخالف للتصميم الأساس، وثانيها أن تكون القطعة مبنية على صورة مجمع سكني، وأخيراً أن يكون البناء المشيد على قطعة الأرض من المواد الثابتة (14).
ولم يكن هذا التخبط التشريعي قاصراً في التشريعات المنظمة للسكن في الأراضي الزراعية، وإنما تعدى ذلك للمشيدات الأخرى، إذ أجاز القرار رقم (590) لسنة 1989لأصحاب الحقوق التصرفية بإقامة المشاريع السياحية على أراضيهم، سواء كانت داخلة أم خارج حدود التصاميم الأساسية للمدن (15)، وقد ذهب المشرع إلى ابعد من ذلك حينما أجاز في قانون الاستثمار الصناعي للقطاعين الخاص والمختلط رقم (20) لسنة 1998 النافذ لأصحاب الأراضي الزراعية إنشاء مشروعات صناعية (16) ، ولم يشترط سواء توافر الشروط البيئية أم عدم الأضرار بالصحة (17).
__________
1- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 140.
2- المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد (2967) في 1983/11/14.
3- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 141.
4- نُشر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (53) لسنة 1984 في جريدة الوقائع العراقية في العدد (2978) في 1984/1/30 ، وعدل بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (721) في 1985/6/25 ، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3054) في 1985/7/15.
5- ينظر الفقرة الأولى من القرار أنفا.
6- المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد (3080) في 1986/1/13.
7- تنص الفقرة (2) من القرار آنفا على انه: "لا يعمل بأي نص تشريعي يتعارض مع أحكام هذا القرار".
8- نصت الفقرة (الأولى) من القرار آنفا على انه : " لا يجوز أن تزيد مساحة أبنية السكنى المشيدة في الأراضي الزراعية والبساتين على المساحة المبينة فيما يلي بصرف النظر عن عدد الوحدات السكنية المشيدة.
مساحة الأراضي الزراعية أو البستان ، مساحة البناء
من 4 دونمات إلى اقل من 5 دونمات ، 240 م
من 3 دونمات إلى اقل من 4 دونمات ، 180م
من 2 دونمات إلى اقل من 3 دونمات ، 120م
اقل من 2 دونم ، 100م
9- المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد (1350) في 1987/5/18.
10- نص قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (297) لسنة 1987 في فقرتيه (الأولى) و (الثانية) على أنه : " 1. لمالكي الأراضي الزراعية والبساتين وأصحاب حق التصرف فيها، تشييد أبنية السكن فيها لهم ولأولادهم دون التقيد بالمساحات المنصوص عليها في قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم 1488 المؤرخ في 1985/12/28 والقرارات الأخرى السابقة لها . تبقى أحكام القرار المشار إليه في (1) أعلاه والقرارات الأخرى السابقة لها سارية على الأراضي الزراعية والبساتين المملوكة للدولة المؤجرة للأشخاص أو المتعاقد عليها أو الموزعة بموجب قانون الإصلاح الزراع " .
11- ينظر الفقرة (الأولى) من القرار لرقم (344) لسنة 1987.
12- المنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد (3170) في 1987/10/5.
13- ينظر الفقرتين (الأولى) و (الثانية) من القرار آنفا .
14- ينظر الفقرة (الثانية) من قرار مجلس الوزراء رقم (50) لسنة 2016.
15- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 149.
16- عرفت المادة (الخامسة) من القانون المشار إليه المشروع الصناعي بقولها : يقصد بالمشروع الصناعي لأغراض هذا القانون كل مشروع غرضه الأساس إنتاج سلعة للاستهلاك النهائي أو إنتاج سلعة رأسمالية أو وسيطة، بما في ذلك البرامجيات، ويتم ذلك عن طريق التحويل في الشكل أو التركيب على أن يدار العمل فيه بقوة آلية".
17- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 149 - 150، وكذلك ينظر الفقرة (الثالثة) من القانون رقم (20) لسنة 1998 والتي تنص على انه يجوز لمالكي الأراضي الزراعية ملكًا صرفا وأصحاب حقوق التصرف إنشاء مشروع صناعي عليها تتوافر فيه الشروط البيئية المطلوبة أو غير مضر بالصحة العامة".
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة