محاور القصاص
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص744-747
2026-07-26
7
يمثل القصاص والمعاملة بالمثل مبدأ ثابتا من مبادئ القرآن الكريم وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[1]) بيان لأهمية هذا الحكم الحيوي. وقد أشارت الاية المفسرة الى ثلاث محاور للمبدأ المذكورة هي: 1. الشهر الحرام: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ)، فإذا استباح المشركون والمعتدون حرمة الشهر الحرام وشرعوا بمحاربة المسلمين فبإمكان المسلمين أخذ القصاص منهم ومحاربة الاعداء حتى في الشهر الحرام والدفاع عن دينهم وأموالهم وأرواحهم لأنه عند وجود التزاحم بين استباحة حرمة الشهر الحرام وحفظ حرمة الاسلام ككل يقدم حفظ حرمة الاسلام على حرمة الشهر الحرام استنادا لقاعدة تقديم الاهم على المهم.
2. الحرمات: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) يطبق القصاص على كل من يستبيح حرمة الشهر الحرام بل كل الحرمات والمقدسات الدينية كالمسجد الحرام ومكة المكرمة والحرم وهيئة الاحرام[2]. وعليه فلو استباح المشركون أيا من الحرمات فلا تجب على المسلمين كذلك مراعاة تلك الحرمة بل المباشرة في الاقتصاص من المعتدين كما قال في أمر المسجد الحرام: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ[3]). والخلاصة: فإن قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) يشبه قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[4]) حيث تتضمن الايتان مبدأ القصاص والمعاملة بالمثل وبالتشبيه والتمثيل المذكورين لا التعيين لأن القصاص نافذ في الكثير من الحرمات وإنما هو تشابه في الجمل والأسلوب الادبي في مثل تلك العبارات. وعلى أية حال يمكن تحليل قوله تعالى: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) إلى: أولا الحرام بالحرام أو الحرمة بالحرمة: ثانيا الحرب بالحرب القتل بالقتل الضرب بالضرب... إلخ ثالثا: يعتبر ما ورد بشأن نقض العهد والايمان: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ[5]) داخلا في الباب أيضا.
والسبب في استخدام صيغة الجمع في قوله تعالى: (وَالْحُرُمَاتُ) هو أنه عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية للعمرة وجرى ما جرى بعدها قام المشركون بنقض واستباحة الكثير من الحرمات كحرمة الحرم وحرمة الشهر الحرام وحرمة الاحرام[6]، واستنادا الى الروايات التي تناولت شأن نزول هذه الاية عزم الرسول الاعظم ﷺ ومعه المسلمون على أداء مناسك العمرة في ذي القعدة سنة ست للهجرة إلا أن المشركين حالوا بينهم وبين ذلك[7]، فوعد الله عز وجل نبيه ﷺ بدخول مكة المكرمة والمسجد الحرام أداء المناسك على أكمل وجه في السنة القادمة وفي نفس الشهر (أي شهر ذي القعدة) وكان المشركون حينها يفتخرون بصدّهم للنبي الله والمسلمين عن دخول مكة فنزلت الآية الشريفة: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ[8]) مــن أجــل تأييد نصرة الإسلام والنبي ﷺ والمؤمنين معه.
3. القصاص في جميع المسائل: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ)، ذكر الله سبحانه أمر القتال والقصاص وما يتعلق بهما بالتفصيل في هذه الآية الشريفة، ومن الواضح أن هذا الحكم لا يخص الشهر الحرام أو الحرمات بالذات، بل هو حكم مطلق، اللهم إلا إذا كان هناك ما يمنع من تطبيق القصاص كما في حالة القذف.
وحول العلاقة القائمة بين العبارات الثلاث المذكورة في الآية الشريفة، يقول الأستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره: قوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان الـعــام قوله تعالى عقيبه: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) فالمعنى أن الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام؛ لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات؛ لأنه شرع جواز الاعتداء بالمثل[9]. وتجدر الإشارة هنا - وكما ذكرنا سابقاً - إلى أنه إذا كانت «ال» التعريف في (وَالْحُرُمَاتُ) للعهد فمثاله حُرمة الشهر الحرام والحرم والمسجد الحرام وحال الإحرام، وإذا كان للجنس أو الاستغراق فإنّ كلمة (وَالْحُرُمَاتُ) تشمل جميع الحرمات الحقوقية وما شابهها. واستناداً إلى هذا المبدأ يمكن تفريع مسألة أخرى، وهي: إذا اعتدى عليكم أحد فاعتدوا عليه بالمثل، كما أن وجود «الفاء» في (فَمَنِ اعْتَدَىٰ) يدل على التفريع المذكور.
هذا، ولا فرق في الزمان أو الأرض أو اللغة عند المعاملة بالمثل، فلو نقض غير المسلمين عهداً قصير الأمد أو متوسطه أو طويلة مـع الأمة الإسلامية واعتدي عليها فبإمكانها الرد بالمثل، وإذا تم الاعتداء على التزام محلي أو إقليمي أو دولي عائد للمسلمين فباستطاعتهم الاقتصاص لذلك، وإن اعتدى على المسلمين من يشترك معهم في الثقافة واللغة أو كان قريباً من ثقافتهم ولغتهم أو لم يكن مشتركاً معهم في اللغة، فحق للمسلمين الردّ عليه بالمثل. وهكذا يتبين من التفسير أن الأمر المتمثل في قوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) لا يشير إلى ما هو أبعد من الجواز لحظر الترخيص في حال التوهم، ولا يمكن استنباط الأمــر اللزومي من الأمر المذكور، لكن وفي بعض الحالات الخاصة، يُصبح الانتقام واجبـاً والمقابلة بالمثل مسألة ضرورية.
تذكير: اعتبر الطبري[10] وغيره أنّ الآية المفسّرة منسوخة بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً[11])، إلا أنه ـ وكما بينا سابقاً ـ لا وجود للنسخ في هذا الجزء من الآيات.
[2] تكمن حرمة الإحرام في النهي عن الجدال والقتال في موسم الحج: (وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ).
[6] التفسير الكبير: المجلد 3 5 / 145
[7] أسباب نزول القرآن 58 مجمع البيان: 1 - 2 / 514 .
[9] تفسير الميزان: 2 / 63 .
[10] جامع البيان: المجلد 2 ، 2 / 263. قال الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إلى آخر الآية، قال: قد نُسخ هذا! وقرأ قول الله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)، وهذه الناسخة، وقرأ: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) حتى بلغ: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) إلى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال آخرون: بـل ذلــك أمــر مــن الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي تهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري؛ قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم؛ قالوا: فلا شيء نسخ من حكــم هذه الآية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في المعاملات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة