أثر العجز عن المعاشرة الزوجية في العدة قانوناً
المؤلف:
احتفال ثامر احمد العنزي
المصدر:
اثر العجز عن المعاشرة الزوجية في مسائل الأحوال الشخصية
الجزء والصفحة:
ص 148-152
2026-07-11
31
نبين فيما يلي موقف القانون والقضاء من عدة الزوجة إذا كان زوجها عاجزا عن المعاشرة الزوجية، وذلك على النحو الآتي:
أولاً - موقف القوانين المقارنة:
1- قانون الأحوال الشخصية نصت المادة (47) من قانون الأحوال الشخصية العراقي على أن: "تجب العدة على الزوجة في الحالتين الآتيتين: 1- إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بعد الدخول سواء كانت عن طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى أو تفريق أو متاركة أو فسخ أو خيار بلوغ. 2- إذا توفي عنها زوجها ولو قبل الدخول بها".
استلزمت الفقرة الأولى من المادة (47) الدخول لوجوب العدة ولكنها لم توضح وجوبها بالخلوة من عدمها خاصة بالنسبة لخلوة العاجز عن المعاشرة الزوجية، وهذا يعني أن المشرع العراقي عندما نص على أن إذا وقعت الفرقة بعد الدخول أنه ذكر الدخول بصورة عامة وسكت، لم يفرق بين الدخول الحقيقي والدخول الحكمي، ونحن هنا أمام ثلاثة أوجه للتفسير :
أ - مفهوم المخالفة: وهي أن سبب وجوب العدة وفقاً للنص هو الدخول ومفهوم المخالفة أن عدم الدخول بسبب العجز عن المعاشرة الزوجية أو نحوه لا يوجب العدة.
ب - إطلاق النص : إن الدخول إذا أطلقناه يشمل الدخول الحقيقي وهو الجماع ويشمل الدخول الحكمي وهو الخلوة الشرعية وعليه فإذا أخذنا بهذا الإطلاق فإن العاجز عن المعاشرة الزوجية إذا خلا بزوجته وجبت العدة.
ج- غياب النص: إذا قلنا أن المشرع نص بشكل صريح على الدخول في وجوب العدة ولم ينص على عدم الدخول وخاصة بالنسبة للعاجز عن المعاشرة الزوجية وعليه يجب الرجوع إلى مذهب الزوجين وفقاً لنص الفقرة (2) من المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية فإذا كانا على المذهب السني يتم اللجوء إلى المذاهب السنية، وأما إذا كانا على المذهب الجعفري فيتم اللجوء إلى مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية، إذ نصت المادة (143) من المدونة على أنه: إذا طلقت المرأة من زوجها وجب عليها الاعتداد مدة معينة لا يجوز لها الزواج من غيره قبل انقضائها وتستثنى من ذلك من لم يدخل بها زوجها ... ونصت المادة (147) على أنه: "إذا فسخ الزوج أو الزوجة عقد النكاح لعيب أو نحوه أو انفسخ العقد بينهما لرضاع أو غيره تثبت عدة الطلاق على التفصيل المتقدم من الإطهار أو الشهور أو وضع الحمل".
ويفهم من نص المادة (143) أنه في حالة الطلاق قبل الدخول لا تجب العدة أما في حالة الفسخ لعيب وفقاً للمادة (147) فتجب العدة دون أن يحدد النص إن كان العجز تم بعد الدخول أو كان العجز منذ بده العقد.
2- نظام الأحوال الشخصية السعودي: أما نظام الأحوال الشخصية السعودي فلقد أوجب العدة في حالتي الدخول والخلوة وذلك من خلال المادة (117) وكما يلي: تجب العدة بالوفاة في عقد الزواج الصحيح ولو قبل الدخول، وتجب إذا وقعت الفرقة في غير حالة الوفاة بالخلوة (1) أو الدخول في عقد الزواج الصحيح، وعرف الخلوة في المادة السابعة من هذا النظام، بأنها: انفراد الزوجين في مكان ليس عندهما من يُميّز، وهذا معناه وجوب العدة على زوجة العاجز عن المعاشرة الزوجية بموجب النظام السعودي حتى وإن كان هنالك مانع من الوطم.
من خلال النص القانوني نفهم أنه لا خلاف بالنسبة للزوجة التي لم يتم الدخول بها لعجز جنسي سواء بسببها أو بسبب الزوج أنها تجب عليها العدة لمجرد الخلوة ولم يشترط الدخول في وجوب العدة، وهذا النص يغنينا عن أي خلاف وقع في هذا الموضوع وهذا الأمر يحسب لجانب المشرع السعودي الذي عالج المسألة بصورة مباشرة.
موقف قانون الأحوال الشخصية الأردني واليمني: لا يختلف موقفهما عن موقف نظام الأحوال الشخصية السعودي من حيث وجوب العدة بالدخول الحقيقي أو الحكمي والمادة (145) فقرة (ج) من قانون الأحوال الشخصية الأردني (2)، كما نصت المادة (80) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على أنه: عدة الطلاق أو الفسخ لا تجب إلا بعد الدخول..."، والمشرع اليمني تارة يستعمل مصطلح الدخول الحقيقي وتارة يستعمل مصطلح الدخول بشكل مطلق وهذا ليس عبثاً اعتباطا بل هو أمر مقصود فالدخول إذا أطلق يشمل العموم وهو الدخول الحقيقي والحكمي وعليه العدة تجب بالدخول الحقيقي والحكمي وفقاً لذلك.
ثانياً - موقف القضاء :
1 - موقف القضاء العراقي: وما يؤكد ما ذهبنا إليه في وجوب الخلوة عند العاجز عن المعاشرة الزوجية ما أكدته محكمة الأحوال الشخصية في الموصل اذا وجدنا القرار الآتي:
(ادعت المدعية أن المدعى عليه هو زوجها الداخل بها دخولاً حكمياً . بموجب عقد زواج صحيح وطلب الدعوى للمرافعة وإصدار الحكم بالتفريق بينهما كونه عنين، وللمرافعة الحضورية العلنية والاتفاق الطرفان على قلب هذه الدعوى إلى مخالعة، وقررت المحكمة الاستجابة للطلب... وحيث أنه تجب العدة على المطلقة بعدة الخلوة الشرعية والدخول الحكمي احتياطاً... وحكمت المحكمة: أولاً- صحة الطلاق الواقع أمام هذه المحكمة... واعتباره طلاقاً بائناً بينونة صغرى، وعلى المدعية التزام العدة الشرعية لها البالغة ثلاثة قروه، اعتبار من تاريخ الطلاق)(3).
الواضح من هذا القرار ما يلي:
1- إن الزوج عنين ولم يدخل بها مطلقاً.
2- اختلى بزوجته دون أن يستطيع الوطم.
3- تم التفريق بينها بالمخالعة بسبب عدم القدرة على الوطء.
4- فرقت المحكمة بينها واعتبرته طلاقاً بائنأ بينونة صغرى.
5- ألزمت المطلقة خلعياً بالعدة بموجب الخلوة الشرعية والدخول الحكمي من باب الاحتياط حتى وان لم يتم الدخول... وعليه فإن اتجاه القضاء العراقي هو إلزام المطلقة من زوجها العاجز بالعدة الشرعية من باب الاحتياط وهذا الاتجاه هو الجدير بالاعتبار ويفترض وجود نصر قانوني يقضي بذلك.
وجاء في قرار آخر: (... أوضحت المدعية أنها كانت تساكن المدعى عليه في دار مستقلة لمدة تقارب الأربع سنوات لكن لم يحصل بينهم جماع أو فراش للزوجية ولم يحصل الدخول الحقيقي أبداً وأنها ما زالت على بكارتها وإنما كانوا يعيشون في دار واحدة دون أن يكون معهم أحد ولم يحصل الدخول لأسباب تعود إلى المدعى عليه ... وصادق المدعى عليه المدعية على ما ذكرته تجاه المساكنة دون الدخول الحقيقي أو الفعلي وأنه لم يقاربها على الرغم من وجودهم في دار السكن مستقلة، وتجد المحكمة أن عقد الزواج المبرم بتاريخ 2010 كان على وفق أحكام المذهب الحنفي، وإن فقهاء المذهب يعتبرون وجود الزوجة مع الزوج في دار واحدة ولا يطلع عليهم أحد دون إذنهم بمثابة الخلوة الشرعية التي تمثل دخولاً حكمياً وعملاً بأحكام الفقرة (2) من المادة (1) أحوال شخصية التي أوجبت الرجوع إلى أحكام الفقه عند عدم وجود نص قانوني وحيث إن الطلاق المدخول بها حكما وليس حقيقة يلزم العدة... ومما تقدم وبالطلب قرر الحكم بالآتي: - إلزام المدعية بالعدة الشرعية البالغة ثلاثة قروء اعتباراً من تاريخ وقوع الطلاق في 2015/7/29 وليس لها أن تتزوج برجل آخر إلا بعد انتهاء العدة الشرعية واكتساب القرار الدرجة القطعية)(4).
2 - موقف القضاء الأردني : يتبين من خلال الاطلاع إن محكمة الاستئناف أصدرت قرارها الآتي: (... ولدى التدقيق تبين أنه سبق للمحكمة الابتدائية أن حكمت بفسخ عقد النكاح القائم بين المذكورين، وبأن عليها العدة الشرعية اعتباراً من تاريخ هذا الحكم، بناءً على ما ثبت من أنها خلقت بغير رحم ولا مهبل وأن بها عيب جنسياً يحول دون الدخول بها وقد استأنف هو من الحكم المذكور جهة إلزام المحكمة الابتدائية للمستأنف عليها بالعدة الشرعية لأسباب ذكرها في استئنافه... وبعد البحث والتدقيق ومراجعة النصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع تحقق لديها أن الوجه الفقهي المتفق عليه هو لزوم العدة في العقد الصحيح إذا ما تم فيه الدخول الحقيقي أو الخلوة الصحيحة وإن الخلاف بين الفقهاء منحصر فيما إذا كانت الخلوة بين الزوجين فاسدة في عقد صحيح، فمنهم من رأى عدم لزوم العدة، وفصل أسباب ذلك ومنهم من رأى لزوم العدة مطلقاً احتياطا بطريق الاستحسان، وبما أن الراجح من المذهب هو الرأي الثاني، فقد تقرر بموجبه ما تضمنه وفصله القرار الاستئنافي، وبعد التحقيق أن العدة واجبة بالنسبة لموضوع هذه الدعوى تصديق الحكم بفسخ عقد النكاح بين المستأنف وزوجته المستأنف عليها وبأن عليها العدة الشرعية التي تلزمها)(5).
وفي قرار آخر : ( الطلاق قبل الدخول وبعد الخلوة يكون طلاقاً بائناً، وعلى المطلقة العدة الشرعية من تاريخ الطلاق، وأنها لا تحل له إلا بعقد زواج جديد)(6).
بعد أن اطلعنا على موقف القانون والقضاء في العراق والدول المقارنة، تبين أن هناك نقص تشريعي يحتاج إلى تعديل في نص المادة (47) من قانون الأحوال الشخصية، لذلك نقترح على المشرع العراقي ما يلي: ( تجب العدة على الزوجة في الحالتين الآتيتين: 1- إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بعد الدخول الحقيقي أو الحكمي أو استدخال الماء احتياطاً، سواء كانت عن طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى أو تفريق أو متاركة أو فسخ أو خيار بلوغ).
_________
1- جاء تعريف الخلوة في المادة السابعة من هذا النظام، بأنها انفراد الزوجين في مكان ليس عندهما من يُميز"
2- نصت المادة (145 ف /ج) من قانون الأحوال الشخصية الأردني: إذا وقع الطلاق أو الفسخ بعد العقد الصحيح فلا تلزم العدة إلا بالدخول أو الخلوة الصحيحة، وأما إذا وقع الفسخ بعد العقد الفاسد فلا تلزم العدة إلا بالدخول".
3- القراران المرقمان 7793 /ش/ 2020 بتاريخ 2025/7/8 والقرار 7792/ش/2025 بتاريخ 2025/7/8، الصادران من محكمة الأحوال الشخصية الموصل والتي جاءت في نفس المضمون، غير منشوران.
4- القرار الصادر من محكمة الأحوال الشخصية في الرصافة المرقم / 2010 في 2015/9/21، مشار إليه على الموقع الإلكتروني، الأنترنت /https://www.facebook.com/share/p/18uRbXCrq تاريخ الزيارة 2025/2/18
5- رقم 21602 بتاريخ 1980/8/28، الصادر من محكمة الاستئناف الأردن، مشار إليه عند أحمد محمد علي داؤد، القضايا والأحكام في المحاكم الشرعية، ج 2، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2009م، ص 169.
6- قرار محكمة الاستئناف الأردنية بالمرقم 37753 بتاريخ 94/9/7 ، مشار إليه عند حمد محمد علي داؤد، القرارات الاستئنافية في الأحوال الشخصية، ج 1، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1432هـ ، ص 364.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة