تمييزها عن سياسة القاضي العادي
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 25-28
2026-06-25
17
يتشابه عمل القاضي الدستوري مع عمل القاضي العادي في أن كل منهما يقوم بتفسير النصوص وتطبيقها على الوقائع ويجتهد أحيانا أخرى عند عدم وجود نصا يطبقه ، بيد انهما يختلفان في بعض الامور والتي سنحاول بيانها على النحو الآتي :-
أولاً / أدوات القاضي الدستوري في فحص دستورية التصرف قد تذهب إلى نطاق لا يصل إليه القاضي العادي ، أذ يطبق قواعد الشرعية الدستورية على التصرف الصادر من سلطة أخرى ليحكم على دستوريتها ، مما يجعله يصل في رقابته لمدى أبعد في تفسير النص ومحاولة الوصول الى الإرادة الحقيقية للمشرع الدستوري ، وهذا المدى في الرقابة وتفسير نصوص الدستور جاء نتيجة للنصوص العامة والمقتضبة في صلب الدساتير (1) .
وذهب بعض الفقه الى أن سبب اتساع سلطة القاضي الدستوري عن غيره من القضاة مرده لأتساع فكرة النظام العام في القانون الدستوري مقارنة مع فروع القانون الأخرى ، وقيام القاضي الدستوري بمطابقة مدى أتفاق القوانين والأنظمة أو اللوائح مع الدستور بوصفه القانون الأسمى (2) ، وذهب البعض الآخر أن السبب قد يرجع أيضاً للطبيعة الخاصة لنصوص الدستور والتي تعطي القاضي الدستوري حق التمتع بالاختصاص الواسع في التقدير ، ولان هذه النصوص ذي طبيعة خاصة ويقع بعضها بين عالم السياسة والقانون و تشتمل على موضوعات تتصل بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما يفتح معها الباب للدور الإنشائي الكبير عند تفسيرها أو عند أنزال الحكم الملزم في الرقابة على الدستورية (3) .
فالقاضي الدستوري يملك دورا على درجة كبيرة من التحرر من قيود القاضي العادي ، وكان من نتيجة سلطته الواسعة هذه أن أصبح دوره أنشائياً بمعنى الكلمة بالنسبة لنصوص الدستور ، وهذا ينصرف للقاضي الإداري أيضا بالنسبة للنصوص القانونية ، وظهر هذا كله من خلال دورهما الخلاق في أستنباط المبادئ العامة للقانون (4).
ثانياً / يعد القضاء الدستوري المتمثل بالمحاكم أو المجالس الدستورية قضاءً متخصصا ، فهو يختص بنظر نوع معين من المنازعات المتعلقة بنص الدستور أو القانون، فيما يختص القاضي العادي بنظر كل أنواع المنازعات فهو صاحب الولاية العامة في كل المنازعات باستثناء ما يتعلق منها بالقضاء الدستوري ، فالتخصص بات من أهم سمات محاكم وهيئات القضاء الدستوري سواء أكان على النموذج الأوربي أم على النموذج الأمريكي ، ويتحدد اختصاصه احياناً بمقتضى نص في الدستور (5) ، والسبب المفترض وراء ذلك التخصص أن منازعات القانون الدستوري هي أكثر أهمية من المنازعات الاخرى وأكثر خطورة في ذات الوقت (6) ، مما يتطلب أتباع سياسة قضائية عند النظر في النزاع الدستوري تكون مختلفة عند نظر النزاع أمام المحاكم العادية .
يضاف لما تقدم أن وجود القضاء المتخصص في المواضيع الدستورية له أثر مبين في تكوين القواعد العرفية ، مما يعمل على وحدة تفسير النصوص الدستورية وفرضها على السلطات العامة الأمر الذي يحول دون ظهور تطبيقات مخالفة للدستور ، مما يعطي هذا التفسير قوة من شأنها أن تصد عن الدستور كل تفسير آخر يمكن أن تنتحله لنفسها الهيئات العامة الأخرى (7) ، وهو ما لانجده عند تكوين العرف في القانون الخاص اذ لا ينشأ من أحكام القضاء بل عن سلوك الافراد واعتقادهم بلزومه.
ثالثاً / يتميز القضاء الدستوري عن سائر جهات القضاء الأخرى بأن الدستور هو الذي يحدد مركز هذا القضاء حيث وجوده وتنظيمه ووظيفته (8) ، فهو قضاء ذو طابع سياسي بالنظر لطبيعة الموضوعات التي يختص بها وهو ما ينعكس على تنظيمه و تشكيله واستقلاله ، فعمل القاضي الدستوري لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي (9) .
فأصل تأسيسه ليكون ضابطاً حقيقياً بوجه السلطة السياسية في إطار حماية حقوق وحريات الأفراد وضبط التوازن بين مؤسسات الدولة في حال حدوث نزاع أو أختلاف فيما بينها (10) ، خلاف عمل القاضي العادي الذي لا يتدخل في العمل السياسي بحكم الموضوعات التي يختص بالنظر فيها
رابعا / التنظيم القضائي يقوم بجملته وفق نظام التقاضي على درجتين ومنها القضاء العادي ، وهو ضمانة لأتيان الأحكام سليمة مطابقة للواقع ومقتضيات العدالة وهي سمة مميزة له ، بيد أن الحال يختلف بالنسبة للقضاء الدستوري حيث أحكامه نهائية غير قابلة للطعن ، وهذا ينعكس على ما يترتب على أحكام هذا القضاء من أهمية وخطورة بالغة على مبدأ الشرعية الدستورية وحقوق الأفراد وحرياتهم (11) ، وينعكس على سياسة القاضي القاضي الدستوري بأعادة النظر بالحكم ويدققه أكثر من مرة قبل النطق به لمعرفته المسبقة بأن حكمه باتاً غير قابل للمراجعة ولا التدقيق ويمثل عنواناً للحقيقة ويشكل خطرا على مستوى الدولة ومؤسساتها الدستورية .
وما حكم المحكمة الاتحادية العليا في العراق بالعدد 38 / أتحادية / 2019 الذي قضت فيه عدم دستورية مادة قانونية في قانونها رقم 30 لسنة 2005 ، تتعلق بآلية ترشيح رئيسها ونائبه وأعضائها مع عدم وجود بديل لهذه المادة أو مخرج لها في معالجة تقاعد أو وفاة أحدهم ، وأدخلت نفسها والدولة في مأزق دستوري وقانوني (12) ، الا مثال على ضرورة التأني ومراجعة الاحكام قبل أصدارها وتكون غايتها موضوعية لا شخصية قبل أصدار لأحكامها الباتة والملزمة للسلطات كافة .
_____________
1- د. محمد عصفور ، مذاهب المحكمة الإدارية العليا في الرقابة والتفسير والابتداع ، مطبوعات العالمية ، القاهرة ، 1957 ، ص 331
2- د.يسري العصار، التصدي في القضاء الدستوري ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1999 ، ص 26
3- د. أحمد كمال أبو المجد ، دور المحكمة الدستورية العليا في النظامين السياسي والقانوني في مصر ، مجلة الدستورية ، العدد الأول ، السنة الأولى 2003 ، ص 6
4- د.محمد ماهر أبو العينين ، الدفوع في نطاق القانون العام ، دار المجد للطباعة ، مصر ، 2003 ، ص 48
5- د. عدنان عاجل عبید و میسون طه حسين ، طبيعة القضاء الدستوري ، بحث منشور في مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية ، العدد الثاني ، السنة الثامنة ، 2016 ، ص 553
6- Edward Mcwhinny, Supreme courts and judicial Law making constituional Tribunals and constitutional review, Netherlands, 1986, p 28
7- د. سعد العلوش ، دراسات معمقة في العرف الدستوري ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ، 2008 صفحة 161
8- د. أبراهيم محمد علي ، المصلحة في الدعوى الدستورية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، بلا سنة نشر ،ص 7
9- د. عدنان عاجل عبيد وميسون طه حسين ، طبيعة القضاء الدستوري، المصدر السابق ، ص 550
10- Advances, vol2, Tom Ginsburg, Constitutional Courts in new Democracies, Global Jurist
2002, p 32
11- د.بشير علي باز ، أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية ، 2005 ، ص27
12- لمزيد من التفصيل عن الحكم أعلاه والذي سنتطرق له لاحقا أنظر د. عدنان عاجل عبيد ، جودة أحكام المحكمة الاتحادية في العراق ، ط 1 ، منشورات مكتبة دار السلام القانونية ، النجف الاشرف ، 2021 ، ص 190 - 193
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة