تمييز حق الإنسان في الحياة عن حقه في سلامة جسمه
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 35-40
2026-06-23
33
...أرتأينا تقسيم هذا الموضوع إلى بندين، نتناول في البند الأول منه مفهوم الحق في الحياة، بينما ينصرف الثاني منه إلى تمييز حق الإنسان في الحياة عن حقه في سلامة جسمه، وسنبين ذلك تباعا.
أولا: مفهوم حق الإنسان في سلامة جسمه
إن الحق في سلامة الجسم البشري لم يكن مبدأ أو قاعدة قانونية مجردة ، بل أضحى واقعا قائما نطقت به النصوص التشريعية باعتبارها سبيل الحماية الفعالة لهذا الحق ووسيلتها. وكان مبعث الاهتمام بهذا الحق والسعي إلى توفير حماية تشريعية له هو إيجاد ضمانة قانونية في مواجهة أنماط السلوك المستحدثة كنتاج للتطورات الطبية الحديثة، التي اتخذت من جسم الإنسان محلاً وموضعا لممارستها، الأمر الذي برزت معه أهمية إحاطته بحماية تتناسب مع هذا الحق.
وفي ضوء الحديث عن حق الإنسان في سلامة جسمه، لا بد من تعريف هذا الحق. وقبل الخوض في التعريفات الفقهية، تجدر الإشارة بالقول إلى أن التشريعات الجنائية محل المقارنة لم تتطرق إلى وضع تعريف صريح لحق الإنسان في حماية جسمه وهو منحى يحمد عليه، لأن وضع التعريفات يقيد تكييف الوقائع مع ما قد يحصل من متغيرات لاحقة لماهية هذا الحق وبيان ما هو اعتداء عليه وما هو ليس اعتداء . ولبيان ذلك أكثر أرتأينا تقسيم هذا البند لفقرات أربع وسنتناولها تباعا.
1- تعريف الحق في سلامة الجسم
لقد تباينت التعريفات الفقهية وتعددت في تعريف حق الإنسان في سلامة جسمه. فقد ذهب البعض إلى تعريفه بالقول إن " الحق في سلامة الجسم هو مصلحة للمجتمع والفرد يقرها الشارع ويحميها في أن تسير وظائف الحياة في الجسم على النحو الطبيعي وفي أن يحتفظ الجسم بتكامله وأن يتحرر من الآلام البدنية" (1). وذهب جانب آخر إلى القول بأنه " رابطة يعترف بها النظام القانوني"، إذ استند أنصار هذا الاتجاه إلى مفهوم الحق ودلالته لديهم من كونه رابطة قانونية بمقتضاها يخول القانون شخصًا من الأشخاص، على سبيل الانفراد والاستئثار، التسلط على شيء أو اقتضاء أداء معين من شخص آخر (2). ومن ثم فإن الحق في سلامة الجسم، وفق رؤى أنصار هذا الاتجاه، عبارة عن رابطة مفترضة بين الشخص وكيانه الجسدي يحكمها القانون ويقر بها النظام القانوني، ومن هنا تكتسب هذه الرابطة صفة المشروعية . غير أن هذا القول معيب، ويكمن عيبه في كونه يهدر مفهوم الحق وينكره على طائفة الحقوق اللصيقة بالشخصية.
وليس ذلك فحسب بل إن افتراض الرابطة القانونية بين الشخص وكيانه الجسدي ليست سوى حيلة قانونية غير مقبولة، فضلًا. عن ، أن ما قال به أصحاب هذا الرأي من شأنه أن يخول صاحب الحق التسلط والاستثثار على جسده، مما يعني قيام الحق للشخص في التصرف في كيانه الجسدي على النحو الذي يراه، ومن ثم فإن الشخص الذي يقوم ببتر عضو من أعضائه لا يمكن مساءلته على ذلك الفعل (3). بينما الصواب والمنطق هو أن على الإنسان واجب المحافظة على سلامة جسده، ويحرم عليه تغيير الهيكل القويم الجسده، ولا يجوز له التصرف في غير ذلك.
غير أن جانبًا آخر من الفقه ذهب إلى القول إن " الحق في سلامة الجسم هو مصلحة يعترف بها القانون" (4) ، والمصلحة فكرة غائية أي يراد بها غاية، وهي السبب المؤدي إلى جلب المنفعة لصاحبها، لذلك قيل إن المصلحة هي المصدر المادي للقواعد القانونية التي تنشئ الحقوق، وتبدو مصدرًا غير مباشر لها. وإذا كانت مصلحة الشخص تتعلق بسلامة جسمه، فإن هذه المصلحة لا بد أن ينظر إليها من منظور تحقيقها للمصلحة الاجتماعية، وذلك في مجتمع متحضر وقواعد قانونية مثالية.
ومن هنا ذهب اتجاه آخر إلى القول بأن مدلول الحق في سلامة الجسم يرتكن أساسا إلى فكرة الحق الذي يعرف بأنه " المصلحة التي يحميها القانون في أن يظل الجسم مؤديا كل وظائفه على النحو الطبيعي والمألوف، حتى لا تتعطل إحدى الوظائف ولو كانت أقلها أهمية أو كان التعطيل وقتيا، وفي ألا تنحرف في كيفية الأداء على النحو الطبيعي (5).
وفي تعريف آخر، ذهب الفقه إلى القول بأن " الحق في سلامة الجسم هو المصلحة التي يعترف بها القانون لكل شخص في أن يحتفظ بالنصيب الذي يتوافر لديه من الصحة، أي مصلحته في ألا يهبط مستواه الصحي "، وعلى هذا النحو فإن كل فعل ينقص من هذا النصيب يعد مساسًا بالحق في سلامة الجسم، سواء تحقق ذلك عن طريق إحداث مرض لم يكن موجودًا من قبل أم الزيادة من مقدار مرض كان المجني عليه يعانيه (6). وعليه، فإن الفقه يكاد يجمع على أن الحق في سلامة الجسم يكمن في ثلاثة جوانب: حق الإنسان في الاحتفاظ بمستواه الصحي وهو ما يشمل الجانب البدني والعقلي والنفسي للإنسان ، والثاني هو حق الإنسان في الاحتفاظ بمادة جسده، حيث يعتبر اعتداء كل فعل شأنه أن ينقص من الجسم شيئاً او يخل بتماسكه وحسن سيره، والثالث هو حقه في التحرر من الآلام البدنية.
من جملة ما ذكر يمكن أن نعرف حق الإنسان في سلامة جسده بأنه، ذلك الحق أو المصلحة التي يقرها القانون ويكفلها لكل إنسان، وبموجبها يُباح له الاحتفاظ بما يتمتع به من صحة، وصون كيانه الجسدي من كل مساس وضمان تحرره من الأمراض والآلام البدنية، فضلاً عن حقه في الحفاظ على سلامته وحالته النفسية
2- إباحة المساس بسلامة الجسم حال ممارسة الألعاب الرياضية
هناك من الألعاب الرياضية ما تقتضي ممارستها استخدام قدر من العنف على أجسام المتبارين، كالمصارعة والملاكمة، وتجمع النظم القانونية على انتفاء المسؤولية الجنائية عن هذه الأفعال التي يباشرها اللاعبون على أجسام منافسيهم أثناء المباريات الرياضية.
ويكمن الأساس القانوني لإباحة المساس بسلامة الجسم أثناء ممارسة اللاعبين للألعاب الرياضية في كون اللاعبين يباشرون حقا يقرره القانون، إذ إن ممارسة هذه الألعاب حق تعترف به الدولة.
فإباحة الألعاب الرياضية في النظام القانوني المصري تستند إلى إجازة القانون للحق في ممارسة الألعاب الرياضية، ومن ثم إجازة الأفعال التي يباشرها الأفراد استعمالا لهذا الحق متى كان ذلك في إطار الحدود والضوابط التي يسمح بها الحق (7).
ويشترط لإباحة هذه الأفعال ومشروعية ما ينشأ عن ممارسة الشخص لحقه في الرياضة أن تكون اللعبة محل الممارسة من الألعاب المصرح بها قانوناً، وأن تكون الممارسة فيها على نحو يتسق مع القواعد التي يعتد بها القانون، أي أن تكون قواعد وأصول اللعبة قد روعيت، وأن تتم الممارسة في نطاق المكان المخصص لها، وأن يرتكب العنف أثناء ممارسة اللعبة، وبما يفترض معه رضى اللاعب المصاب بالمشاركة فيه (8) .
3- مباشرة الأعمال الطبية الماسة بسلامة الجسم
إن المجال الطبي من المجالات الخصبة التي تتأرجح فيه عناصر السلامة الجسدية مع سائر المصالح الأخرى، فهناك مبدأ حماية الجسم من أي مساس ينال منه، وفي المقابل هناك ما تؤدي إليه الممارسات الطبية من مساس بعناصر هذه السلامة فالطبيب حال مباشرته نشاطه الطبي، تنجم عن ممارسته بعض الأفعال التي لو وضعت تحت معيار قانون العقوبات لاعتبرت من الجرائم الماسة بسلامة جسم الإنسان، وعلى الرغم من ذلك لا يسأل الطبيب عنها جنائيا، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن الأساس القانوني لإباحة العمل الطبي، وإن كانت للإباحة من وجود فما الشروط المستوجبة لإباحة هذا العمل الطبي؟ (9)
ومما يتبين أن هناك سببًا قانونيا يجعل أفعال الطبيب عملاً مباحًا، ومن ثم لا يؤثر على إتيانه لها. وقد اختلف الفقه وتعددت مذاهبه عند تحديد الأساس القانوني لإباحة الأعمال الطبية؛ فقد ذهب البعض إلى تأسيس الإباحة على أساس القواعد العرفية المستقرة، بينما ذهب البعض الآخر إلى القول إنها تستند إلى الضرورة الملجئة لها والمتمثلة في السعي للتخلص من علة أو علاج من مرض، بينما اتجه فريق آخر إلى القول إن انتفاء القصد الجنائي وشرف الغاية ونبل المقصد هي السبب الذي يبيح للطبيب عمله، بينما أسس البعض سبب الإباحة على رضى المريض بمقارنة الأعمال الطبية على جسده (10).
والرأي الراجح هو أن الأعمال الطبية يمارسها الأطباء من خلال اعتراف النظام القانوني بمباشرة هذه الأعمال وفقًا لقواعد محددة، فالراجح فقها أن إباحة الأعمال التي يباشرها الأطباء على أجسام مرضاهم تستند إلى ترخيص قانوني ممنوح لهؤلاء الأطباء يبيح لهم ممارسة العمل الطبي وفقًا للشروط والقواعد التي يحددها المشرع، فإذا اعترف المشرع بالطب كمهنة وقام بتنظيم ممارستها فهو يسمح، حقا، بكافة الأعمال الضرورية والملائمة التي يباشرها الأطباء على أجسام مرضاهم (11) .
4- مضمون الحماية القانونية لسلامة الجسم
إن حرمة جسم الإنسان أو معصومية الجسم البشري تقتضي حظر كل عمل أو فعل من شأنه أن يشكل مساسًا بهذا الجسم، على نحو يحظر معه كافة أشكال العدوان أو أنماط السلوك العدواني فيه. ولا يقتصر الحظر أو المنع على الغير، بل يمتد الحظر ليشمل الشخص نفسه أيضًا، إذ لا يباح للفرد المساس بجسمه أو النيل من عضو من أعضائه، فكل مساس بجسم الإنسان يدخل في دائرة التعدي غير المشروع، ويدخل فاعله دائرة المسؤولية القانونية (12).
ويتبين مما سبق أن الحق في سلامة الجسم، من حيث دلالته لا يقتصر على الجانب الفردي أو القيمة الفردية فحسب، وإنما يعد ذا قيمة اجتماعية أيضًا لا يمكن إنكارها على نحو يمكن معه القول إن الحق في سلامة الجسم هو مصلحة ذات طبيعة مزدوجة يحميها القانون ويعترف بها للفرد بذات القدر الذي يعترف بها، في الوقت ذاته، للجماعة والمجتمع. وذلك ما دعا البعض إلى تعريف الحق في سلامة الجسم بأنه " مصلحة يحميها القانون في أ أن الجسم مؤديا وظائف الحياة على نحو طبيعي، وأن يحتفظ بمادته الجسدية، وأن يتحرر من جميع الآلام البدنية والنفسية، والنهوض بوظيفته الاجتماعية الموكلة إليه ".
ثانياً : تمييز حق الإنسان في سلامة جسمه عن حق الإنسان في الحياة
..... اوجه التشابه : يتحد الحقان في كونهما يرتبطان بالإنسان بوصفه محلا للحماية الجنائية، إذ يقرهما القانون ويكفل لهما الحماية في مواجهة كل اعتداء يقع عليهما، ويترتب على المساس بأي منهما قيام المسؤولية الجنائية، كما يلتقيان في أن الحماية المقررة لهما إنما تستهدف صون الكيان الإنساني، سواء من حيث وجوده أو من حيث سلامة بنيته الجسدية، بما يعكس إدراك المشرع لأهمية الحفاظ على الإنسان بوصفه نواة المجتمع وأساس بقائه.
كذلك فإن كليهما يمثل مصلحة يحميها القانون، ويعد الاعتداء عليها إخلالا بنظام المجتمع، الأمر الذي يبرر تدخل المشرع بالتجريم والعقاب. أما اوجه الاختلاف؛ مع هذا الاتفاق السابق ، فإن التمييز بين الحقين يبرز من حيث محل الحماية وطبيعتها، إذ ينصرف الحق في الحياة إلى حماية الوجود الإنساني ذاته، أي بقاء الإنسان حيا وعدم إزهاق روحه، ومن ثم فإن أي فعل يؤدي إلى إنهاء هذه الحياة يشكل اعتداء على هذا الحق.
في حين أن الحق في سلامة الجسد لا يتعلق بوجود الإنسان، وإنما بكيانه الجسدي، أي بصون مادة الجسم ووظائفه من كل مساس، مع بقاء الحياة قائمة.
كما يختلف الحقان من حيث نطاق الاعتداء، فالمساس بالحق في الحياة ينتهي بإعدام هذا الحق بصورة كلية، أما المساس بسلامة الجسد فيتحقق بكل فعل ينقص من مستوى الصحة، أو يمس تكامل الجسم، أو يحدث ألما بدنيًا أو نفسيا، دون أن يبلغ حد إنهاء الحياة. ويظهر التمييز كذلك من حيث نطاق الحماية الجنائية، إذ إن الأفعال التي تمس الحق في الحياة تخضع للنصوص الخاصة بالقتل التي تستند إلى اعتبار هذا الحق أعلى القيم التي يحميها القانون، في حين أن الأفعال التي تمس سلامة الجسد تندرج ضمن نصوص الجرح والضرب والإيذاء التي تتعلق بحماية الوظائف الجسدية ومادة الجسم.
كما يتجلى الاختلاف من حيث درجة الحماية، إذ إن الحق في الحياة يحظى بحماية أشد، نظرا لكونه يمثل الحياة الحالية اليقينية للإنسان في حين أن الحق في سلامة الجسد، وإن كان يحظى بحماية قانونية، إلا أن هذه الحماية تتفاوت بحسب جسامة الفعل المرتكب ومدى تأثيره على وظائف الجسم.
ومن ثم فإن الحق في الحياة يقوم على حماية أصل الوجود الإنساني، بينما يقوم الحق في سلامة الجسد على حماية هذا الوجود في حالته السليمة، بحيث يظل الإنسان محتفظاً بمستواه الصحي وتكامله الجسدي، ومتحررًا من الآلام البدنية والنفسية، دون أن يمتد ذلك إلى المساس بأصل الحياة ذاته.
_________
1- محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات - القسم الخاص جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار النهضة، 1978، ص571.
2- محمد عيد الغريب ، شرح قانون العقوبات الطبعة الرابعة ، 2003 ، ص 841
3- عصام أحمد محمد ، النظرية العامة للحق في سلامة الجسد ، دار الفكر والقانون القاهرة، 2008، ص 100.
4- عثمان سعيد عثمان استعمال الحق كسيب للإباحة، رسالة دكتوراه كلية الحقوق القاهرة ، 1978 ، ص 10.
5- محمد عيد الغريب ، مصدر سابق، ص 842 .
6- د. محمود نجيب حسني ، الحق في سلامة الجسم ، دار النهضة، القاهرة، 1994 ، ص 539
7- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات - القسم العام - النظرية العامة للجريمة والنظرية العامة للعقوبة والتدبير الاحترازي، دار النهضة، د. ت، ص 189.
8- د. عبد التواب الشوريجي ، دروس في قانون العقوبات القسم العام ، د. ت، ص 219 .
9- سحر أحمد توفيق محمد عبد العزيز الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم البشري، كلية الحقوق جامعة الزقازيق، مصر، دون تاريخ نشر ص 250.
10- رمسيس بهنام ، النظرية العامة منشأة المعارف، ط 2008، ص 221
11- محمود نجيب حسني، أسباب الاباحة، ص 168
12- سحر أحمد توفيق محمد عبد العزيز الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم البشري، كلية الحقوق جامعة الزقازيق، مصر، دون تاريخ نشر ، ص 243
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة