توجَّه الملك «وي»، حاكم «تشو» إلى مستشاره «تسي هوا» (الخاص بالأوامر والاستعلامات) بسؤاله: «أتعرف أحدًا من المسئولين ممن تولَّوا منصبًا رسميًّا منذ إرساء دولة «تشو» حتى وقتنا هذا، تفانى في العمل والسهر على مصلحة البلاد دون مطمع في منصب عالٍ أو مالٍ وفير أو مكافأة جزيلة؟» فرد عليه مستشاره، قائلًا: «تلك مسألة ليس لمِثلي علم بها.» فقال الملك: «ألم يبلغك خبر واحد من الناس على هذه الشاكلة قط، سواء سألت أحدًا من كبار رجال الدولة عنه أم عرفته من مصادرك الشخصية؟» فأجابه مستشاره: «فأي صنف من الناس تريد أن تستفسر عنهم؟ فهناك من تشغله شئون البلاد على الرغم في ضيق ذات يده وبساطة عيشه، وهو مع ذلك شريف، نزيه، عفيف اليد واللسان، وهناك من يعمل على الارتقاء بنفسه في سُلَّم الوظائف بُغية زيادة راتبه، وهو في الوقت نفسه مشغول بأمر بلده، مهموم بشئونه، وهناك من لدَيه الاستعداد بأن يقطع له الناس رأسه، ويبقروا بطنه، أو يفتح عينيه فلا يرى شيئًا في العالم سوى وطنه، فلا يشغله شيء من أمر نفسه ولا جسده سوى السهر على مصلحة بلده؛ ثم هناك كذلك من يكدُّ ويسعى لتحقيق طموحه وآماله، لكنه مشغول أيضًا بما فيه صالح الوطن، وهناك من يهتم لأمر بلاده دون طمع في مال أو مكافأة أو منصب.» فسأله الملك: «فمن تقصد تحديدًا بقولك هذا؟».
رد المستشار «تسي هوا» على الملك قائلًا: «كان أحد رؤساء الوزارات في الزمن القديم، ويدعى «تشيون»، يذهب إلى القصر مُرتديًا قميصًا حريريًّا أسود اللون، فإذا انتهى عمله، وعاد إلى بيتِه خلع القميص الحريري وارتدى حلةً خشنة من جلود الأيائل، ولم يحدث مرة أن تأخَّر عن عمله، كان يذهب في الصباح الباكر ويظل واقفًا عند باب القصر في انتظار الإذن له بالدخول (قبل أن يستيقظ أحد من الناس)، ولا ينتهي من عمله إلا عندما تشتد ظلمة المساء، فيرجع إلى منزله، ولم يكن ميسور الحال، وإنما كانت عيشته الكفاف، حتى لم يكن يدري في الصباح كيف يُقيم أوده إذا حلَّ المساء وهو، مع ذلك لا يكاد يختزن ما يكفيه مدة شهر من الحبوب؛ لذلك فقد اشتُهر بالنزاهة والشرف وعفة اليد، وهو بسيط الحال أقرب للضيق منه إلى اليسار، ثم إنه، بجانب هذا كله حريص على ما فيه مصلحة بلاده، مُهتم برفعة شأنها؛ فهذا الرجل (المدعو تسيون) خير نموذج في هذا الباب.»
ومن أخبار ما سلف من الزمان أيضًا أن الوالي «تسيكاو» كان واحدًا من رجال الدولة الذين تم اختيارهم للترقي في صفوف النبلاء وهم أصلًا ممن عاشوا حياتهم في الأوساط الشعبية البسيطة، ويذكر له من المآثر المجيدة قيامه بالقضاء على الاضطرابات الداخلية الناجمة عن تمرُّد «بايكون» [ولد الأمير الذي ثار على ملك تشو وطرده خارج القصر]، بل قام بتوسيع نطاق الأراضي التابعة لسلطان «آل تشو»، وبسط الاستقرار في ربوعها، ثم أعاد للسيادة الوطنية الأرض السليبة الواقعة شمالي جبل «فان تشنغ» فأمنت البلاد على حدودها الأربعة مخاطر الغزو والاحتلال، وأذعنت الدويلات لسلطان «آل تشو»، وخضعت الجباه [التي كانت تسخر من العرش الحاكم بالأمس] لنفوذ وهيبة القصر الحاكم، ولم يعُد يدور بخلد أحدٍ من أمراء الممالك الصغيرة تحريك قواته صوب الجنوب لاقتحام حدود «تشو»، وهكذا أنعم جلالة الملك بإقطاع من الأرض تبلغ مساحته ستمائة ألف مو [وحدة مساحة قديمة للأراضي = 0667، من الهكتار] مكافأة له على خدماته الجليلة، وهكذا، فإن «تسيكاو» خير مثال لأولئك الذين يرتقون الدرجات الشريفة ويفوزون بنصيب وافر من الثروة، وهم يبذلون كل جهد وطاقة.»
«من وقائع الماضي البعيد، أن الحرب لما قامت بين دولتَي «أو» [تنطق كما في «أوبرا»] و«تشو» والتحمت القوات في موقعة «بايجو» وبخاصة قوات المشاة — التي وقع بينها القتال فيما بين صفوف العربات العسكرية، وراح «موهاوداشين» [أحد نبلاء دولة تشو] يشد على أيدي سائقي العربات العسكرية، ويقول لهم: «ها إن مصير الهلاك يكاد يحلُّ ببلادنا، فاثبتوا ساعة ريثما أتخلل صفوف قوات العدو، فإما أن أثخن فيهم أو أن أقبض على الأسرى، ليت الجميع يقاتل معي، حتى تنجو البلاد من الدمار الوشيك …» فلهذا قلت لك إن هناك من يستهينون بالموت نفسه، ويعدونه مجرد إغماضة عين عابرة، ولديهم الاستعداد التام للتضحية بأنفسهم في سبيل مجد بلادهم، فتأمل سيرة «موهاوداشين» تجد مصداق قولي.»
«وكانت الحرب قد وقعت قديمًا بين دولتي «أو» و«تشو» في موقعة تدعى «بايجيو»، وكان أن تمكنت قوات دولة «أو»، بعد خمس معارك من احتلال العاصمة «إينغ»، فهرب الملك «جاو» حاكم تشو، خارج البلاد وتبعه كبار رجال الدولة، وتفرق الناس شذر مذر، وتقطع ما بين الوالد وولده والأم وأبنائها، وهنالك تحدث «فن ماوبوصو» [أحد أبناء نبلاء تشو] قائلًا: «ماذا لو أني تدرَّعت بدرعي وانتضيت سلاحي، وقمت إلى صفوف العدو غير هياب ولا مُتردد، غير أني لست إلا مجرد واحد من المُقاتلين، ولعلِّي إذا طرقت باب الدويلات المجاورة وجدت لديهم العون والنجدة.» ثم حمل كمية وافرة من الحبوب وتسلل خفية بين شعاب الجبال ودروب التلال الوعرة، وعبر الوديان والبحار، يمشي تارة ويسبح تارة أخرى ويتسلق القمم الشاهقة بعض الأحيان، وتسلَّخت منه الأيدي وتورَّمت الأرجل، حتى وصل بعد أيامٍ سبعة إلى بوابة القصر الملكي. فقام واقفًا هناك دون أن يتحرك أو ينطق بشيء، كأنه طائر الكركي، ومرَّت عليه الساعات الطوال وهو ينشج ببكاء مرير ويرفع صوته بالاستغاثة، ومرت عليه سبعة أيام وهو على هذه الحال، دون أن يُجيبه أحد بشيء، فلما انقضت عليه تلك المدة دون أن ينزل جوفه شيء من طعام أو شراب، تبدَّدت قواه وخر مغشيًّا عليه، فلمَّا علم الملك بأمره، أسرع إليه في الحال دون أن يرتدي قُبعته أو يلفَّ حزامه حول قميصه، فأقعى عنده وتناول رأسه بيدَيه وراح يصب الماء في فمه حتى استرد «فن ماوبوصو» وعيه، فسأله الملك: «من أنت، وما حكايتك؟» … فأجابه: «ما أنا إلا مبعوث دولة «تشو» بأرضكم، فأنا (الذي لم تنصفه الأيام …) المدعو «فن ماوبوصو». قد شهدت بعيني موقعة «بايجيو» حيث قامت الحرب بين «أو» و«تشو» التي وقعت فيها العاصمة «إينغ» في يد أعدائنا بعد خمس معارك، وإذا بالملك قد هرب مع رجال الحاشية وكبار المسئولين، وتفرق شمل الناس جميعًا، وتشتت الأهالي، فقمت ساعيًا إليكم لأخبركم بهروب سادتنا خارج البلاد، راجيًا منكم الغوث والنجدة.» فتطلع إليه حاكم «تشين» وأشار إليه بالنهوض، قائلًا: «قد بلغني أنه لا يصح لحاكم يملك عشرة آلاف عربة عسكرية أن يحقر من شأن فارس من أرومة الكرم والشجاعة، وإلا انتفض أساس حُكمه، وقد رأيت اليوم بعيني وقائع تشهد بصحة ذلك …» ثم إن جلالته أمر بسرعة إرسال ألف عربة عسكرية وعشرة آلاف مقاتل تحت قيادة القائدين المظفَّرين «تسي بو»، و«تسيخو»، وقد مرت القوات في طريقها بمنطقة الحصون الشرقية فعبرتها، وتقدمت إلى الشرق حتى اشتبكت مع قوات دولة «أو» عند نهر «جوشوي» وهزمتها شر هزيمة، وقيل إن تلك الوقائع حدثت في إقليم «صوبو»؛ فلذلك قلت لكم: إن هناك من يكدحون ويبذلون غاية ما يملكون من جهد، حدبًا على أوطانهم ورعايةً لما فيه مصلحتها، وخير مثال على ذلك ما ذكرت لك من أمر «فن ماوبوصو».»
«كان القتال قد نشب بين دولتي «أو»، و«تشو» في موقعة بايجيو، وبعد خمس جولات سقطت العاصمة «إينغ»، ثم هرب حاكم «تشو» مع كبار رجال القصر، (وكان الدمار والتخريب قد نال من البلد كله … حتى) فرَّ الناس بأرواحهم في كل اتجاهٍ فتشتت شمل الأهالي وتفرَّق المذعورون أَيْدي سَبَأ، بينما ظل «منكو» [القائد الأعلى لقوات دولة تشو المدحورة] يقاتل أعداءه من دولة «أو»، وذلك بالقرب من منطقة «كونطان»، ثم بدا له أن يغادر أرض المعارك عائدًا إلى العاصمة إينغ، وهو يقول: «لو استطعنا أن نُنصب وريثًا للعرش في القصر، فستظل آلهة الزراعة تحمي دولتنا وتحفظ بقاءها.» وما هو إلا أن دخل القصر وجمع سجلات الدساتير والقوانين والوثائق الرسمية فحملها فوق ظهره وخرج يجوب القفار، ويخوض الأنهار حتى بلغ منطقة «يونمن». ثم بلغه أن ملك «تشو» قد عاد إلى العاصمة دون أن يستطيع السيطرة التامة على زمام الإدارة الحكومية؛ وذلك لغياب رجال الحُكم والمسئولين، وتغلغُل روح الفوضى والارتباك بين الأهالي، فذهب إليه «منكو» وسلَّمه الوثائق وسجلات القوانين الخاصة بالدولة؛ مما ساهم في إعادة الانضباط إلى نظام الإدارة وموظفيها (الذين وجدوا في اللوائح مادة جاهزة لإعادة تشغيل دولاب العمل)، فعاد الضبط والربط والنظام يسود الأجواء، وانصلحت أحوال الناس، وعندما أخذت مآثر «منكو» وأفضاله في الاعتبار، فقد جرى النظر بوصفها جزءًا لا يتجزأ من شرف كيان الدولة وأساس بقائها، فأنعم عليه الملك بأعظم ألقاب التشريف، وأقطعه أرضًا مساحتها ستمائة ألف «مو»؛ فلما علم «منكو» بذلك تملكه الغضب وصاح مُحتدًّا: «لست فقط مجرد وزير لدى جلالته، لكني أيضًا رجل دولة ومسئول عن وطن، ولقد ظننتُ أني عندما أقدم القرابين لآلهة الأرض حامية الدولة، فسوف يبقى العرش الملكي في بلادنا محوطًا بالعناية الإلهية، وينزاح عن صدري الخوف الذي أرَّقني على مصير الوطن.» ثم إنه قام وغادر إلى جبل موشان، حيث اعتزل الناس والعمل العام، وما زال أحفاده إلى اليوم يتجنَّبون الانخراط في الوظائف العامة أو العمل في المواقع المُتنفذة؛ وهكذا، فلئن قلت إن من الناس من يهتم لصالح الوطن دون مطمع في جاه أو مال، فقد كان «منكو» واحدًا ممن يصدُق عليه ذلك القول.»
الجزء السابع من الفصل نفسه
وهنالك تنهَّد ملك «تشين». ثم قال: «كان كل هؤلاء من الغابرين الذين انقضى زمانهم منذ وقتٍ بعيد، فهلا ذكرتَ لي أحدًا ممن يعيشون في زماننا، أليس منهم أحد بين ظهرانينا الآن؟» فأجابه المستشار «تسي هوا»، بقوله: «كان دهاة الملوك ونجباء القادة، فيما مضي من العهود القديمة، يتخذون عمَّالهم ممن استدق خصرهم ونحفت أجسادهم، وكان المتعلِّمون من بني دولة «تشو» يميلون إلى الاقتصاد في الطعام والشراب. (حتى تذوي أجسادهم …) فلا يتكاسلون عن القيام والقعود؛ فتنشط حركة أبدانهم. وإذا كان الطعام اشتهاءً غريزيًّا في الإنسان، (فليس له أن ينساق وراء غريزته … بل) يجب أن يصبر على الصوم كثيرًا؛ ولئن كان الموت أمرًا بغيضًا إلى النفس، إلا أنه قدر لا مفرَّ منه.
وقد بلغني أن الملوك إذا ارتادوا ساحات الرماية وأقبلوا على التدرُّب عليها، سار وزراؤهم على دربهم فشغفت قلوبهم بحُب الرمي والقنص. (وكان يمكن لجلالتكم أن تحضوا الوزراء على النزاهة والحكمة …) لولا أني أراكم تنأون عن الحكماء وتضيق صدوركم بهم، ولو كنتم تُحبون ذوي الحكمة والعلم حقًّا، لكان في مقدوركم الآن أن تدعوهم فيسعون إلى جلالتكم من فورهم.»